الرأي

للشَّر نظرة بعيدة المدى.. والخير يغرق في بركة ماء!

محمد سليم قلالة
  • 768
  • 4

مسألتان جوهريتان لأيِّ أمة أرادت التقدم: الرؤية بعيدة المدى والوَحدة. نحن اليوم في حاجة إلى كليهما. ليس أمامنا من بديل سوى أنْ نضبط مجال الرؤية البعيدة المدى لبلدنا ونَتَّحد. لا يُمكننا البقاء ضمن حالة الضبابية التي نعيشها اليوم. ولا يمكن للنظرة المتشائمة القائلة أننا نسير نحو المجهول أن تكون بديلا للرؤية. الرؤية تستلزم النور والوضوح والبصيرة. دونها لا يمكن أن نتحرك. دون وحدة لا يمكن أن نبدأ. المشكلة اليوم في هذا المستوى. لا تكفي قائمة من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية نُسمِّيها برنامجا، بل علينا إيضاح معالم المستقبل، وهذا يستلزم إشراك الجميع. وإشراك الجميع ينبغي ألا يؤدي بنا إلى تمييع القضايا الجوهرية، أو الدخول في متاهات لا نهاية لها. المشاركة تستلزم الصَّرامة، والصَّرامة تفرضها مؤسسات الدولة. لا مجال للمتلاعبين بالمستقبل مهما كانت الشعارات المرفوعة. هناك دوما مجالٌ تقف عنده الحرية وعلينا فرض الالتزام بذلك إن اقتضى الأمر.

إننا في حاجة اليوم إلى مثل هذه الصَّرامة، في التفكير وفي الإعداد للمستقبل وفي العمل. لقد طالت مدة التلكُّؤ، ولم يعد هناك مزيدٌ من الوقت. إن إرضاء الجميع غاية لا تُدرك، وليس من مصلحة أحدٍ البقاءُ ضمن هذا المنطق.

بلادُنا في حاجة إلى انطلاقة فعلية من خلال رؤية بعيدة المدى يصوغها أبناؤُها في جميع المجالات. ما يجمعنا أكثر مما يُفرِّقنا. شعوبٌ بعشرات بل مئات القوميات بَنَتْ دولها، وأخرى بعشرات ومئات اللغات، وثالثة بعشرات الأديان والمعتقدات والأيديولوجيات المتصارعة، ونحن بكل ما نَملك من عناصر وَحدة نكاد لا نجد طريقا ننتهجه. أيُّ خذلان هذا؟ كم من لغة في بلادنا حتى تضيق بها؟ كم من دين؟ كم من نَسب؟ كم من عِرق؟ نحن دولة مُوَحَّدة بطبيعتها، فكيف تكاد أقلية من خلف الستار تُصوِّرنا وكأننا أعراقٌ ولغات وثقافات وكيانات متعددة لا أنساب بينها. بل إنها تنشر العداوة بيننا يوما بعد يوم وكأننا لم نعش قرونا مع بعضنا البعض بتنوعنا وتكاملنا الذي قل نظيره عبر العالم؟

ألا ينبغي أن يدفعنا هذا إلى اليقظة وإلى إزالة تلك الغشاوة التي باتت تمنع بعضنا من النظر إلى بعض؟ ألا يُنبِّهنا هذا إلى أن خلف منصات التواصل الاجتماعي التي تكاد تصنع الرأي العام لدينا اليوم، مَن يُريد ببلدنا شرا ولديهم نظرة بعيدة المدى لذلك؟

فكيف يكون للشر نظرة بعيدة المدى ولا يكون للخير؟

أليس من واجبنا أن نسأل: كيف نستطيع إفشال المخططات الخبيثة بعيدةِ المدى ضد بلدنا برؤية مستقبلية أبعد منها؟ أليس هذا هو أكبر رهان لنا اليوم ونحن نحتفل بعيد استقلالنا التاسع والخمسين؟

إنهم يريدوننا أنْ نغرق في مشكلاتنا اليومية، في بركة ماء صغيرة، يجعلون منها محيطا لُجِّيًّا لا مجال للنجاة منه، في لقمة عيش يُريدوننا الاقتتال من أجلها، في جزئياتٍ متناهية في الصغر يريدونها أن تكبر في أعيننا وتُصبح شغلنا الشاغل في الوقت الذي ينفردون بالاستيلاء على المستقبل وصناعته بالكيفية التي يشاؤون.

إننا في مرحلة مفصلية من تاريخنا، إما أن نتحد حول مشروع مستقبلي أو سيتم تقسيمُنا إلى مجموعات فرعية يرسمون لكل منها مشروعها الضيِّق الخانق والقاتل… لذلك فإنَّ لقاء الفرقاء اليوم أصبح أكثر من ضرورة. واللقاء ينبغي أن يكون إلزاميا وليس اختياريا. وإذا ما تَحلَّى الجميع بالوطنية، سَعوا إلى وحدةٍ حقيقية بعيدا عن الشعارات المُزيَّفة والعناوين الأيديولوجية المُستفِزة والمُثيرة للفتنة، وبعيدا عن صراع المفردات، والغلبة بالكلمات، والأقوال والعناوين البرَّاقة، إذا كانت هذه هي شروط اللقاء فإننا بالضرورة سنتمكَّن من رسم معالم المستقبل. وسيتم كشفُ المتلاعبين بالمصطلحات، الباحثين عن فذلكة الكلام، الذين يعلمون أنهم لا وجود لهم إلى ضمن النقاش الأجوف والخلاف المبهرج الطنّان… هؤلاء ينبغي كشفُهم وعزلهم وإبعادهم بالصَّرامة الوطنية اللازمة، لأنه لم يعد اليوم مجالٌ لمزيد من التلاعب بمصير بلد ضحى من أحله ملايين الشهداء.

مقالات ذات صلة