لماذا تخلى العريس عن البرنوس الأبيض؟
تأخذ الأزياء التقليدية النسوية، في التراث، نصيب الأسد. لكن اللباس التقليدي الرجالي هو الأصل، ومنه استمدت المرأة كل إبداعها، منها الجبادولي والقفطان، وأيضا البرنوس الذي تخرج به العروس من بيت الطفولة، تحت جناح والدها إلى بيت زوجها، لبدء حياة جديدة، عريس ينتظرها متوشحا بالبرنوس الأبيض في ليلة زفافه. لكن، أين هذا البرنوس؟ ولم بدأ العرسان بتعويضه بالكوستيم، الذي ليس من تقاليدنا؟
يُعدّ البرنوس رمزًا عريقًا في الثقافة الجزائرية، يجسد معاني الشهامة والرجولة، حيث يُرتدى في المناسبات الخاصة والأفراح، كعلامة عن الفخر والاعتزاز. لم تقتصر رمزيته على الجانب الاجتماعي فقط، بل امتدت لتشمل البُعد الوطني، إذ ارتبط بتاريخ المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وكان جزءًا من هوية قادة النضال مثل الأمير عبد القادر. كما أصبح البرنوس اليوم رمزًا ثقافيًا يُقدم كهدية للشخصيات المرموقة ويُرتدى في المحافل الرسمية لتمثيل الهوية الجزائرية. وإلى جانب ذلك،
يبقى البرنوس جزءًا أصيلًا من التراث الشعبي، يُحافظ عليه ويُورث عبر الأجيال، مما يعكس تمسك الجزائريين بأصالتهم واعتزازهم بتاريخهم.
الأمثال الجزائرية مجدت البرنوس وصنعت منه رمزا للرجولة، فيقال عن الذي يلبس البرنوس إنه رجل “تراس” أي شهم، والذي يلبس برنوسين إنه “راجل ونص” ويرافق البرنوس الرجل الجزائري في كل مظاهر الحياة حتى يوم زفافه، فيرتديه فوق بدلته السوداء، برنوس العريس عادة ما يكون أبيض لنقاوته وارتباط هذا اللون ارتباطا وثيقا بالتقاليد، وكأن العريس يحتفل بالبدايات الجديدة وفي آن واحد يكرم الأجداد وتضحياتهم الجسام في سبيل الاستقلال والحرية.
في السنوات الأخيرة، لم يعد العريس يهتم بارتداء البرنوس الأبيض في ليلة الحناء أو يوم الزفاف، بعدما كان التصور الشعبي للرجل في ذلك اليوم يختصر كل معاني الرجلة والشهامة، فبعد أن كان العريس يظهر فوق حصانه مرتديا الزي التقليدي الجزائري وبرنوسه الأبيض الناصع يشع نورا، صار التقليد الأوروبي هو الرائج من بدلة التوكسيدو والليموزين أو السيارات الرباعية الفارهة، ناهيك عن قصات الشعر الغريبة، وغيرها من العادات البعيدة كل البعد عن الأعراف والقيم.
العرسان يتكلمون عن البرنوس
للغوص في أغوار الموضوع، سألنا بعض الشباب عن سبب الاختفاء التدريجي للبرنوس في مراسم الزفاف الرجالية، أنس قال إن البرنوس رمز الرجلة، ولا يمكنه الاستغناء عنه يوم زفافه، خاصة أنه يحتفظ ببرنوس جده إلى هذا اليوم الخاص في حياته. عادل متزوج حديثا، أكد أنه لم يكن ينوي ارتداء البرنوس يوم زفافه، بعد أن اشترى بدلة عرسه من إيطاليا، غير أن والدته ألحت عليه، فاستجاب لطلبها، ويقول: “حين دخلت القاعة ببرنوسي، أحسست بكل معاني الاعتزاز بتراثنا وتقاليدنا ورأيت في أعين جدي مدى افتخاره بي والحمد لله أني سمعت كلام أمي”.
منير، ثلاثيني، عاشق للموضة، يقول إنه سيتزوج قريبا، لكنه لن يرتدي البرنوس، وهذا القرار ليس لأنه لا يعتز ولا يفتخر به، إلا أنه لا يجده عمليا يوم الزفاف، ويخفي شكل البدلة التي كلفته الكثير ولا يرى ضيرا في أن يرتديه في مأدبة العشاء التي تسبق العرس.
سليم، مغترب في النرويج، التقينا به على المواقع كان قد وضع في صفحة للتراث صورته بالبرنوس الأبيض يوم زفافه الذي أقامه في العاصمة أوسلو، فما سره. يروي سليم قصة البرنوس: حين غادرت الوطن قبل 15 سنة، شعرت بالإحباط الشديد، ومن بين الأغراض والملابس وضعت برنوس أبي الذي ارتداه يوم زفافه كي يذكرني به أينما أكون، وشاء الله ألا أحضر جنازته، فحز الأمر في نفسي، يوم زفافي كانت فكرة ارتداء برنوسه أكثر ما شغل بالي، ولم أهتم بالبدلة بقدر ما اهتممت بذاك البرنوس الغالي”.
خلال رصد الآراء الذي أجريناه، كان هناك إجماع عند النساء على أهمية البرنوس كزي للعريس، ولا يمكنهن تصور زوج المستقبل من دونه، خاصة أنه رمز قوي جدا مرتبط بالهوية الجزائرية.
ومادامت الكلمة الأخيرة في العادات والتقاليد تعود للمرأة وما دامت محافظة على أزيائها التقليدية، فلا خوف على البرنوس الرجالي من الاندثار.