العالم

لماذا تريد إفريقيا تصحيح خريطة العالم؟

ماجيد صراح
  • 2395
  • 1
ويكيميديا.
إسقاط ميركاتور.

قد يبدو الأمر غريبا، لكنه حقيقة. خريطة العالم التي نستعملها اليوم، والمعروفة باسم “ميركاتور”، والتي تستخدم منذ قرون، وهي اليوم موجودة في كل مكان: على جدران الأقسام الدراسية، وفي الكتب المدرسية، والتقارير الإخبارية، وشعارات الشركات، والمنصات الرقمية.. ليست دقيقة، إذ تحرّف بشكل كبير حجم دول الجنوب.

هذا ما تشرحه لـ”الشروق أونلاين” رئيسة قسم الاتصالات في منظمة “إفريقيا بلا فلتر” (Africa No Filter)، ليراتو موغواتلي: “خريطة ميركاتور غير دقيقة. فهي تقلّل من الحجم الحقيقي لإفريقيا، بينما تكبّر أوروبا وأمريكا الشمالية. لم يُشَكَّك في هذا التشويه منذ أكثر من 450 سنة، ما يجعلها أقدم حملة تضليل ومعلومات مغلوطة في العالم. يجب أن يتوقف ذلك. استعادة المقياس الحقيقي لإفريقيا أمر أساسي لتغيير الطريقة التي يرى بها العالم القارة، والطريقة التي ترى بها القارة نفسها”.

وأطلقت هذه المنظمة، بالشراكة مع منظمة “سبيك أب أفريقيا” (Speak Up Africa)، في شهر أفريل الماضي، حملة لتصحيح تمثيل القارة الإفريقية في الخرائط، عبر التخلي عن إسقاط ميركاتور لصالح إسقاط الأرض المتساوية لعام 2018، الذي يُعدّ أكثر إخلاصا للأبعاد الحقيقية للقارات.

وقد أعلن الاتحاد الإفريقي دعمه لهذه الحملة في شهر أوت الماضي. وأكدت نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، سلمى مليكة حدادي أن “الخريطة قد تبدو مجرد أداة، لكنها في الواقع ليست كذلك”، مشيرة إلى أن إسقاط ميركاتور رسّخ انطباعا بأن إفريقيا “هامشية”، رغم كونها ثاني أكبر قارة في العالم من حيث المساحة، وتضم أكثر من مليار نسمة يعيشون في الدول الـ55 الأعضاء في الاتحاد الإفريقي.

وتضيف حدادي: “إن إدراك أن التمثيل البصري ليس بريئا، بل هو حامل لسرديات القوة، يمثل لحظة مفصلية في سعي إفريقيا إلى استعادة موقعها في النظام الدولي”.

إسقاط ميركاتور هو أحد أشكال الإسقاط الأسطواني المستعملة في رسم الخرائط، ابتكره عالم الجغرافيا ورسام الخرائط الفلمنكي جيراردوس ميركاتور عام 1569. وقد تم تصميم هذا الإسقاط حينها لخدمة الاستكشاف الاستعماري والتجارة البحرية، وذلك مع بداية الأوروبيين استعمار القارتين الأمريكيتين وبداية الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية الأولى.

وهو ما توضحه لنا موغواتلي قائلة: “الاستعمار لم يقتصر على نهب الموارد، بل شكّل أيضا التصورات ورسّخ الصور النمطية حول إفريقيا من خلال أدوات كثيرة، بما في ذلك الخرائط. والخرائط شكل قوي من أشكال السرد”.

ويظهر أثر هذا التشويه بوضوح على الدول الواقعة جنوب خط الاستواء، وعلى رأسها إفريقيا. فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي توحي فيه الخريطة بأن غرينلاند أكبر من إفريقيا، فإن القارة السمراء في الحقيقة أكبر من القارة الجليدية بـ14 مرة، بل إن غرينلاند وعكس ما يظهر في الخريطة، أصغر حتى من الجزائر. كما يمكن، على سبيل المثال، وضع الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك ومعظم أوروبا داخل إفريقيا، وستظل هناك مساحة شاسعة فارغة.

هذا التقليص لحجم دول الجنوب، ومنها إفريقيا، والمبالغة في حجم مناطق أخرى من العالم، ساهم في ترسيخ صورة جغرافية مشوهة، وانعكس على نظرة العالم إلى تاريخ إفريقيا ومكانتها.

وتؤكد موغواتلي: “تصوِّر خريطة ميركاتور إفريقيا بصريا كقارة صغيرة، هامشية وغير مهمة. فإذا بدت القارة صغيرة، يسهل النظر إليها على أنها أقل تأثيرا. هذا التشويه يقلّل من عظمة إفريقيا وتنوعها ودورها المحوري في تاريخ البشرية والتجارة والابتكار والثقافة. إنه يضعف تأثير القارة”.

ولهذا، تضيف الصحفية الجنوب إفريقية في حديثها إلى “الشروق أونلاين“: “تتجاوز حملة تصحيح الخريطة (CorrectTheMap#) مجرد خريطة؛ فهي تتعلق بالتمثيل الدقيق، والكرامة، وكسر السرديات النمطية عن القارة”.

ويمثل هذا التشويه الخرائطي جزء من ظلم تاريخي أكبر تعرّضت له إفريقيا، يتمثل في التقليل المنهجي من مساهماتها وإمكاناتها ومكانتها.ولتصحيح ذلك، تقول موغواتلي أنه “يجب استبدال خريطة ميركاتور بخرائط ذات مساحات متساوية في المدارس والمناهج الدراسية؛ وتشجيع الحكومات والمنظمات الدولية والمنصات التقنية على اعتماد إسقاطات دقيقة؛ ومساعدة الناس على فهم أهمية الخرائط وكيف تشكّل التحيزات؛ وبالتوازي مع تغيير الخرائط، تعزيز السرديات التي تُبرز الابتكار والريادة والإنجازات الإفريقية لمواجهة إرث السرديات الاستعمارية”.

مقالات ذات صلة