لماذا صوّت المغرب لتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية؟
تخيّل مواطناً مغربياً يسمع كل يوم أن “المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها”، وأن قضية السيادة عليها حُسمت، وأن الجهود الدبلوماسية تسير نحو إخراجها نهائياً من لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة. ثم يقرأ خبراً يقول إن المغرب صوّت لصالح قرار يتعلق بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية!
من الطبيعي أن يسأل هذا المواطن: لماذا؟ إذا كانت الصحراء مغربية كما تقول حكومتي، فمن هو المُستعمِر الذي ينبغي تصفية الاستعمار من إقليمه؟ ولماذا لم تصوّت بلادي ضد القرار، أو على الأقل تشرح بوضوح كيف ينسجم تصويتها معه؟
هذا هو السؤال الذي لم تحظَ إجابته، في الخطاب الإعلامي المخزني المتداول، بالتوضيح الذي يستحقه.
في 15 أكتوبر 2026، صوّت المغرب لصالح قرار اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن الصحراء الغربية، في تصويت أيده 152 بلداً، وعارضته الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما امتنعت سبع دول عن التصويت. وبدلاً من أن تتوقف بعض العناوين المغربية عند هذه المفارقة وتشرحها للقارئ، ركزت على ما اعتبرته مكاسب للموقف المغربي، مستندة إلى الإشارات المتعلقة بالقرار 2797 الواردة في الدباجة وليس في نص منطوق القرار.
لكن السؤال لم يختفِ بتغيير العنوان: لماذا صوّت المغرب لصالح قرار يندرج ضمن مسار تصفية الاستعمار، وهو الذي يؤكد أن الإقليم جزء من أراضيه؟
قد يكون التفسير الرسمي أن المغرب لا يرى تعارضاً بين التصويت وبين موقفه من السيادة، لكن عرض هذا التفسير لا يعفي الصحافة من توضيح حقيقة أخرى: الأمم المتحدة ما زالت تدرج الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ولم يصدر عن هذا التصويت قرار بإخراجها من قائمة الأقاليم المعنية بتصفية الاستعمار.
وهنا تكمن المشكلة. فالمواطن المروكي الذي قيل له إن القضية حُسمت، وإن موعد إخراجها من اللجنة الرابعة بات قريباً، يجد نفسه أمام واقع أممي مختلف: الملف ما زال مطروحاً، والقرار لم يعلن انتهاء مسار تصفية الاستعمار، وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ما زال جزءاً من المرجعية الدولية للقضية.
هل يعني تصويت المغرب أنه اعترف بأنه دولة مُستعمِرة؟ لا، وهل يعني أن المغرب اعترف بالجمهورية الصحراوية؟ لا أيضاً. لكن هذين التوضيحين لا يلغيان السؤال الأساسي: كيف تفسر الدولة تصويتها لصالح قرار يتناول تصفية الاستعمار من إقليم تعتبره جزءاً من أراضيها؟
أما المفارقة الثانية، فهي أن الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تربطهما بالمغرب علاقات استراتيجية، صوتتا ضد القرار، بينما صوّت المغرب لصالحه. وهذا يكشف أن المواقف ليست متطابقة كما قد توحي بعض الخطابات الإعلامية. فلماذا لا تشرح الصحافة المغربية لجمهورها أسباب هذا الاختلاف، بدلاً من الاكتفاء بتقديم النتيجة باعتبارها تأكيداً للموقف المغربي؟
إن المواطن المغربي ليس مطالباً بأن يكون خبيراً في القانون الدولي حتى يفهم هذه المسألة. يكفي أن يعرف أن هناك فرقاً بين أن تقول دولة إن إقليماً تابع لها، وبين أن تظل الأمم المتحدة تدرجه ضمن الأقاليم التي تنتظر تصفية الإستعمار. وهناك فرق أيضاً بين مقترح الحكم الذاتي الذي تدافع عنه الرباط، وبين حسم الوضع النهائي للإقليم وفق تسوية سياسية مقبولة وفي إطار المرجعيات المعنية أي تطبيق القرار 1514 القاضي بحق تقرير المصير للبلدان والأقاليم المستعمرة.
ومن حق المواطن المروكي أن يسأل صحافته: إذا كان التصويت يخدم الموقف المغربي كما تقولون، فاشرحوا لنا كيف؟ وإذا كان لا يتعارض معه، فبيّنوا لنا أين يكمن الانسجام بينه وبين القول إن قضية الصحراء حُسمت نهائياً؟ أما الاكتفاء بعنوان يتحدث عن مكسب دبلوماسي، وترك السؤال الأساسي بلا جواب، فلا يساعد المواطن على الفهم، بل يزيد المسافة بين الخطاب الإعلامي والواقع الأممي.
المعضلة ليست أن المغرب صوّت بنعم أو أن حليفيه صوّتا بلا؛ المعضلة أن المواطن المغربي يريد أن يفهم كيف يمكن لبلاده أن تؤيد قراراً في إطار تصفية الاستعمار، بينما تؤكد في خطابها السياسي أن الصحراء في مغربها؟
هذا سؤال مشروع، ولا يكفي الرد عليه بتكرار الشعارات. فالوثائق الأممية لا تتغير بتغير العناوين، والحقيقة لا تصبح واضحة لمجرد أن الصحافة تصف كل تطور بأنه مكسب.
وحين تكذب العناوين، يبقى السؤال الذي لا يستطيع العنوان إخفاءه: إذا كان المغرب لا يعتبر نفسه دولة مُستعمِرة في الصحراء الغربية، فما تفسير تصويته لصالح قرار تصفية الاستعمار، ولماذا لم يُشرح هذا التناقض للمواطن شرحاً واضحاً ومقنعاً؟