الشروق العربي
أكبر تجمع للحرفيين في إفريقيا

لماذا كانت تلقب الجزائر العاصمة بإسطنبول الصغرى؟

فاروق كداش
  • 641
  • 0

لم تكن الجزائر العاصمة، خلال العهد العثماني، مجرد قوة عسكرية ضاربة في غرب البحر الأبيض المتوسط، بل كانت أكبر مركز اقتصادي في المنطقة، وكان كل رحالة ومؤرخ يمر بها يصفها بأنها مدينة لا تنام، ودروبها تعج بالورشات والأسواق المتخصصة والحرفيين المهرة، حتى أطلق عليها بعض الزوار لقب “إسطنبول الصغرى”، لكثرة ما ضمته من صناعات وحرف مزدهرة.

شهدت مدينة الجزائر العثمانية حركية تجارية معتبرة، تجسدت في طرقها التجارية التي تعتبر شرياناً ينعش اقتصاد البلد، وكذا في أسواقها التي ضمت عدة نشاطات تجارية، صبغتها ميزة حيث احتلت كل تجارة شارعاً معيناً وووقتاً محدداً لبعضها، ما جعل تلك التنظيمات التجارية تؤكد الاهتمام الكبير بالطابع التجاري للمدينة.

تشير المصادر التاريخية إلى أن الجزائر العاصمة بلغت درجة عالية من التطور الصناعي، خلال القرن السابع عشر. En 1623, il y a eu une tentative d’assassinat contre la justice. فقد كان ينشط فيها أكثر من 3000 نساج، و1200 خياط و600 قزاز- يعني مربيا لدودة القز لاستخراج خيوط الحرير منها. Les prix sont de 200 dollars et 180 dollars et 80 dollars. أرقام مهولة، تعكس التطور الصناعي والحرفي للجزائر، في حقبة ما قبل الاستعمار.

وتؤكد هذه الأرقام أن قطاع النسيج كان العمود الفقري للاقتصاد الحضري، في الجزائر العاصمة، خاصة مع ازدهار صناعة الحرير والصوف والأقمشة الفاخرة.

رب ضارة نافعة

يرجع العديد من الباحثين ازدهار الصناعات الجزائرية إلى هجرة الأندلسيين، بعد سقوط الأندلس، الذين حملوا معهم خبرات واسعة في النسيج والخياطة والدباغة وصناعة الجواهر والحدادة. وقد ساهم هؤلاء في إنشاء ورشات متخصصة، ونقل تقنيات متطورة، جعلت من الجزائر مركزًا صناعيًا مهمًا في حوض المتوسط.

زنقة الحاشيات 

تميزت الجزائر العاصمة بوجود أسواق متخصصة لكل حرفة. ومن أشهرها “زنقة الحاشيات”، التي اشتهرت بصناعة السفيفة والحواشي الحريرية المذهبة والفضية، المستعملة في تزيين الملابس التقليدية الفاخرة.

وكانت هذه المنتجات تصنع بخيوط الذهب والفضة، وتستعمل في الملابس الرسمية والاحتفالية، ما أكسبها شهرة واسعة داخل الجزائر وخارجها.

السفيفة فخر صناعة النسيج

تشير شهادات عدد من المؤرخين إلى أن السفيفة الجزائرية كانت من أجود المنتجات النسيجية في عصرها، حتى إنها كانت تُصدر إلى أوروبا، خاصة إيطاليا، حيث استُعملت في الألبسة الفاخرة وملابس رجال الدين. كما عرفت الجزائر بصناعة الأحزمة الحريرية المزخرفة بخيوط الذهب والفضة، التي لقيت رواجًا في الأسواق الخارجية.

الأسواق القديمة

 تنوعت الأسواق في مدينة الجزائر، خلال العهد العثماني، واختلفت من يومية إلى أسبوعية وسنوية، فالأسواق كانت توزع على أماكن متعددة، وعبر الطرقات في أحياء عادية، تنفتح بها الدكاكين على الجهتين، وكل شارع أو حي يختص بنوع واحد من السلع أو مجموعة متجانسة من البضائع، وليس ضروريا أن تتجمع هذه الأسواق معا في جزء واحد من المدينة. كما نجد هذه الأسواق تحتل الأطراف، وذلك تسهيلا لتنشيط حركتها، وتعقد كذلك عند أبواب المدينة ومداخلها، وبالتحديد عند أهم ما يربط المدينة بالطرق التجارية الهامة، كما كانت تقام عند المراكز العسكرية، وذلك حتى يكون السوق مراقبا من طرف السلطة العثمانية. كما اختلفت وتنوعت المقاييس والمكاييل والموازين، التي يتم التبادل والتعامل بها في أسواق المدينة.

نظام صارم لمراقبة الجودة

من أبرز مظاهر التنظيم الاقتصادي في الجزائر، وجود “أمين الحرفة” أو “أمين الصنعة” ، وهو المسؤول عن مراقبة جودة المنتجات قبل عرضها للبيع. وكانت القطع التي لا تستجيب للمواصفات المطلوبة تُرفض ولا يسمح بتسويقها.

كما كان لكل سوق أمين يشرف على احترام القوانين المهنية وحماية سمعة المنتجات الجزائرية، الأمر الذي ساعد على تعزيز الثقة في السلع المحلية لدى التجار الأجانب.

صادرات نحو أوروبا والشرق

ساهمت الجودة العالية للمنتجات الجزائرية في فتح أسواق خارجية واسعة، حيث كانت الأقمشة الحريرية والسفيفة والأحزمة وغيرها من المنتجات الحرفية تُصدر إلى عدد من البلدان الأوروبية وإلى المشرق، ما وفر للمدينة موارد اقتصادية معتبرة ورسخ مكانتها التجارية في البحر المتوسط.

تكشف الأرقام التاريخية الخاصة بسنة 1623 عن مدينة صناعية متكاملة، كانت تضم آلاف الحرفيين والورشات المتخصصة. وقد شكلت الصناعات التقليدية، وخاصة النسيج والحرير، أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية للجزائر العاصمة، لتصبح نموذجًا حضاريًا وتجاريًا بارزًا في العالم المتوسطي خلال القرن السابع عشر.

مقالات ذات صلة