لماذا نتكاسل في القيام بحقّ الله؟!
الصلوات الخمس حقّ الله، لا يجوز للعبد أن يقوم إليها متثاقلا، بل ينبغي له أن يقوم إليها نشطا فرحا راجيا فضل ربّه ورحمته. هذا فيما يتعلّق الصلوات الخمس، كيف بصلاة الجمعة التي هي أجلّ وأهمّ صلاة في الأسبوع؟ الجمعة يوم عيد، ويفترض أن يكون أحبّ الأيام إلى قلب كلّ عبد مؤمن، ينتظره ليشحن فيه قلبه ويجدّد إيمانه. ويفرحُ بقدومه، ويغتسل فيه ويتجمّل ويتطيّب، ويبكّر إلى المسجد، ليتعرّض لرحمة ربّه، وبين عينيه أن يدرك ساعة الإجابة والرّضوان.
في مقابل هذه الحال التي يفترض أن يكون عليها كلّ مسلم؛ إذا كان العبد يشعر بأنّ يوم الجمعة هو أثقل يوم على نفسه، ويقضي ليلته ونهاره في الغفلة والمعاصي والنّوم الطّويل الزّائد على الحاجة، ولا يأتي صلاة الجمعة إلا في آخر اللحظات قبيل انتهاء الخطبة، وربّما يبحث عن أيّ سبب ليتخلّف عن الجمعة؛ فحريّ به أن يراجع نفسه قبل أن يختم الله على قلبه، يقول النبيّ –صـلى الله عليه وسلم-: “لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين”.
إنّنا لو عدنا إلى أنفسنا لنبحث عن الأسباب التي جعلتنا نتثاقل في حقّ الله ونتكاسل عن الصّلوات، فإنّنا سنجد أنّ أوّل سبب هو تعلّق قلوبنا بالدنيا. قلوبنا التصقت بالدّنيا حتّى أصبحت هي همّنا الأكبر الذي نحمله بالليل والنّهار.. ولنا أن نتخيّل لو أنّ الصّلاة في المسجد أجرها أموال توضع في الجيوب، 500 دج لكلّ صلاة و1000 دج لصلاة الفجر خاصّة، أي بمجموع 3000 دج لخمس صلوات، هؤلاء الذين يصلّون في بيوتهم من دون عذر، هل سيتركون الصّلاة في المساجد؟ لنتخيّل لو كان أجر التبكير للجمعة مالا، 5000 دج –مثلا- لمن يحضر في الساعة العاشرة، و3000 دج لمن يحضر الساعة الحادية عشر، و1000 دج لمن يحضر الساعة الثانية عشر؛ هل نتوقّع أن يبقى في المساجد مكان فارغ بعد العاشرة صباحا؟ لقد تنبّأ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- بهذه الحال التي نعيشها، فقال –عليه الصّلاة والسّلام-: “والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء” (البخاري).
ومن الأسباب التي جعلتنا نتثاقل في حقّ الله ونتعامل مع الصّلاة كأنّها عمل زائد نتخلّص منه في أقصر وقت: إدمان اللغو.. اللغو الذين رغّبنا مولانا في أن نعرض عنه حتّى نجد حلاوة الصلاة ولذّة الخشوع فيها، فقال: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون))؛ هذا اللغو أصبح جزءًا مهما من حياتنا، حتى أدمنّا عليه.. أمست حياتنا مبنية على “القصرة” والحكايات والكلام الذي لا يبني دنيانا ولا يصلح آخرتنا.. خاصة بعد شيوع مواقع التواصل؛ حيث اللهث العجيب خلف مقاطع التفاهة والضحك، تلك المقاطع التي يقضي معها كثير من المسلمين ساعات طويلة دون كلل أو تعب أو ملل، حتى إذا حان وقت الصلاة أحسّت نفوسهم بأنّها تقطع عنهم لذّة اللغو ومتعته، فسارعوا إليها بأنفس قلقة وقلوب مضطربة فينقروها نقرا ليعودوا إلى اللغو، وربّما يصلّون في المساجد لكنّهم يتمنّون أن يكون الوقت الذي يقضونه في المسجد أقصر ما يكون ليعودوا إلى متعتهم.. الواحد منهم إذا وجد الإمام يقدّم درسا، تأفّف وتضجّر وربّما جلس خارج المسجد ينتظر انتهاء الدّرس، لأنّ نفسه أدمنت اللغو وقلبه قسا عن ذكر الله، ولا يريد ما يلهيه عن اللغو.. ويا ويل الإمام إذا أطال الصلاة حتّى تجاوزت عشر دقائق.. الدقائق التي زادها الإمام في الصّلاة أو زادها في درسه أو خطبته، ينظر إليه ذلك العبد الذي أدمن اللغو على أنّها جريمة ويحكم على الإمام بأنّه فتّان ومنفّر ولا يراعي حال المرضى وكبار السنّ. مع أنّه هو في ذاته صحيح معافى، ومشكلته أنّ تلك الدّقائق الزّائدة بالنسبة إليه هي حق الهاتف والقصرة وليست حقّ الصّلاة والخطبة!