الرأي

لماذا يجب على كل جزائري حفظ خريطة وطنه كمنزله؟

حين يقف الجزائري المتأمل أمام خريطة وطنه، فإنه لا ينظر أبدا إلى مجرد مساحة هندسية صمّاء خلت من الروح، ولا يطالع خطوطا وهمية باهتة تخطها أقلام الجغرافيين أو تتلاعب بها أهواء الجغرافيا السياسية العابرة؛ بل إنه يلامس ببصره ووجدانه قارة مصغَّرة مروية بالدم الزكي الطاهر، وممهورة بتضحيات جيل جبَّار من الشهداء الأبرار والمجاهدين الأخيار، الذين أقسموا على أن تبقى هذه الأرض وحدة متراصة صلبة لا تقبل التجزئة ولا التهميش.

ووسط زحمة الحياة اليومية المعاصرة وتفاصيل العصر الرقمي المتسارع، غالبا ما تضيق مساحات الوعي المكاني في أذهان الأجيال الحالية، لتنحصر للأسف في حدود المدن الضيقة، أو الأشرطة الساحلية المألوفة، غافلة تماما عن حقيقة ساطعة مفادها أن الأوطان الكبرى لا تحرسها الجيوش المرابطة والثكنات العسكرية وحدها، بل يحرسها قبل ذلك كله «وعيٌ مكاني» راسخ، وذاكرة جغرافية متيقظة في عقول أبنائها وبناتها، أطفالا وشبابا وشيوخا.

ومن هنا تبرز الأهمية البالغة لذلك الطرح الإبداعي والعميق الذي قدَّمه الباحث والقدوة العلمي البارز الدكتور بلقاسم حبة، حين غادر مؤقتا دفة اختصاصه التقني والعلمي ليغوص في جغرافيا وطنه، عارضا درسا بصريا وهندسيا في غاية الأهمية حول “مركز الجزائر” وأبعادها القارية المترامية الأطراف. إن هذا الفيديو القصير، والذي بثه منذ مدة، في ظاهره البسيط، يبدو تمرينا جغرافيا أو طرائف علمية ترفيهية، لكنه في جوهره الفلسفي والوطني يمثل بيانا حقيقيا وعميقا لترسيخ “الكاداستر المعنوي والوجداني” لأرض الجزائر، لاعتبار أن معرفة الأرض تفصيليا وحفظ حدودها عن ظهر قلب هو الدرع الأول والأساس المتين لعدم ضياعها مرة أخرى، في لجب التاريخ ومتاهات الجغرافيا الرخوة التي تستغل جهل الأبناء بحدود آبائهم وأجدادهم لتمرير مشاريع التمزيق والتغفيل المنهجي عبر التاريخ القديم والمعاصر على حد سواء.

أولا: الذاكرة التاريخية ودروس الماضي

إن الحديث عن جغرافيا الجزائر لا يمكن أن يستقيم بأي حال من الأحوال بمعزل عن استدعاء الذاكرة التاريخية المثقلة بدروس المآسي والانكسارات التي علمنا إياها التاريخ القديم والحديث بمراراته العميقة؛ فالشعب الذي يجهل جغرافية وطنه، أو يتعامل مع ترابه بعقلية السهولة والتفريط والإهمال، هو شعبٌ مرشح دائما لإعادة إنتاج أخطاء الماضي من دون أن يدري، ومن دون أن يتعظ بما خلفته الهزائم من جروح لا تسعها الذاكرة الفردية وحدها.

ولعل استحضار صدمة الاحتلال والتوغلات الاستعمارية المتعاقبة، وعلى رأسها محطة سنة 1830 المشحونة بالعبر المؤلمة وما تلاها من تمدد أليم ومنهجي نحو العمق الصحراوي مستغلا غياب الوعي المجالي، يضع كل مواطن جزائري وأمامه هذه التجربة التاريخية المريرة أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية مضاعفة لا محيد عنها. لقد أدرك الاستعمار قديما، كما تدرك القوى الطامعة في مقدرات الشعوب دائما وفي كل العصور، أن اختراق الأوطان لا يبدأ غالبا من الواجهات الكبرى المنيعة، بل يبدأ من الجهل بالأطراف، واستسهال تركيز الحضور البشري والمؤسساتي في المراكز الحضرية الكبرى على حساب الهوامش والبوادي والقِفار الممتدة التي تشكل الدرع الحقيقي والعمق الاستراتيجي للبلاد.

ومن هنا، فإن محاولة الدكتور بلقاسم حبة تفكيك الوهم الشائع والأبدي بأن أبعاد الجزائر تنحصر حصرا في المحور الطولي المعتاد من الشمال إلى الجنوب، وتأكيده المدلل بالأرقام الهندسية الدقيقة أن الامتداد العرضي من الشرق إلى الغرب، كبوابات تندوف وجانت الإستراتيجية، أطول وأوسع بكثير، يمثل صدمة إيجابية توقظ من البلادة الذهنية وتدفع العقل الجمعي الجزائري إلى إدراك السعة الحقيقية لبيته الكبير الذي ورثه عن أجيال المقاومة والتحرير.

إنها دعوةٌ صريحة ومبطَّنة لكي يدرك الجميع أن الجزائر ليست مجرد شريط ساحلي جميل وخلاب تداعب أمواجه الشواطئ، بل هي امتداد قاري عظيم ومترامي الأطراف يتطلب حراسة واعية، وانتماء شامل لا يفرق بين تراب الشمال الأغلى وتراب الجنوب الأعظم الذي يشكل نبض السيادة وروح الوطن ومستقبله الواعد في مواجهة كل التحديات الإقليمية والدولية المعاصرة التي تحيط بالبلاد من كل حدب وصوب.

ثانيا: هندسة السيادة والعقيدة الأمنية الشاملة

وحين نمعن النظر بتأمل معمق في تلك الدائرة الهندسية الكبرى التي رسمها الدكتور حبة لتطوق خريطة الجزائر بأكملها، تلك الدائرة التي سمّاها بحق “دائرة الوحدة” وتمرُّ بأقاصي الحدود بدءا من المثلث الحدودي الجنوبي الشرقي الحساس مع ليبيا والجنوبي مع النيجر ومالي، مرورا بالنقطة الشمالية حيث تلتقي الجزائر وتونس بالبحر المتوسط، وصولا إلى التخوم الغربية المنيعة مع موريتانيا والصحراء الغربية، فإننا ننتقل مباشرة ومن دون إبطاء إلى فقه الأمن القومي والعقيدة الدفاعية الشاملة التي يجب أن تسود عقولنا.

إن مركز هذه الدائرة الهندسية، الذي تقاطع بدقة ليزرع في قلب الصحراء الجزائرية وتحديدا بالقرب من قرية “تيغنتور” الهادئة الواقعة في إقليم ولاية عين صالح بين مدينتي المنيعة وعين صالح على مسار طريق الوحدة الإفريقية العريق، ليس مجرد نقطة تقاطع مجردة على ورق رسم هندسي جاف؛ بل هو “الصفر المقدَّس” للبوصلة الجزائرية الجديدة التي يجب أن تُعاد صياغتها في أذهان الأجيال الصاعدة واللاحقة.

عندما تصبح تيغنتور هي المركز الحقيقي للوعي، وينسحب هذا المفهوم على عقول الأجيال الصاعدة، فإن مفهوم الاتجاهات الأربعة يتغير جذريا في الوجدان؛ فالشمال لم يعد مجرد العاصمة أو الساحل المكتظ، والجنوب لم يعد مجرد مهجر بعيد ومنسي في ظن الجاهلين، بل تصبح كل جهة من هذه الجهات منطلقةً عن وعي راسخ من ذلك القلب النابض في الصحراء الكبرى المعطاءة.

هذا التمترس الذهني يجعل كل جزائري وجزائرية يشعران بأن مسقط رأسيهما، مهما تبعد مسافاته الجغرافية عن المركز الإداري، يقع على مسافة متساوية تماما من الاهتمام والحب والحرص والحراسة، مما يكسر إلى الأبد أي نظرة جهوية ضيقة أو استعلاء مركزي مقيت، ويذيب المسافات الجغرافية في بوتقة المواطنة الحقيقية المتكاملة التي لا تعرف التجزئة ولا التفرُّق تحت أي ظرف من الظروف.

ثالثا: ثقافة “الكاداستر الوطني”

ولعل أعمق وأبرز ما يمكن استخلاصه من هذا الطرح الفريد هو تحويل مفهوم “الوطن” في عقول الأطفال والشباب والشيوخ إلى ملكية خاصة ومصانة تماما، تشبه إلى حد كبير تلك العلاقة الحميمية والواعية التي تربط المالك الحريص بقطعة أرضه أو منزله الخاص، وهي ما  يمكن الاصطلاح عليها بـ”ثقافة الكاداستر الوطني” الواعية.

عندما يتعلم الطفل في مقاعد الدراسة الابتدائية، والشاب في المدرَّجات الجامعية العريقة، والشيخ في محيطه الاجتماعي والأسري، أن حدود الجزائر ليست مجرد خطوط سودٍ باهتة على خريطة مدرسية قابلة للتمزيق أو النسيان مع تطاول الزمن، بل هي أوتادٌ حقيقية وخطوط أمن وأمان لا يجوز التفريط فيها أبدا ولو بلغ الأمر ما بلغ، فإننا نكون قد بنينا سدا منيعا من الوعي الجمعي الحصين الذي لا تهزه الرياح ولا تستطيع الإشاعات المغرضة اختراقه.

إن معرفة تفاصيل الخريطة الدقيقة، وحفظ مسارات الحدود بدقة متناهية، وإدراك البعد الاستراتيجي لكل كيلومتر مربع من هذا الوطن مترامي الأطراف، هو التحصين الحقيقي والفعلي ضد محاولات الاختراق والتغفيل الفكري والجغرافي الذي تمارسه الدوائر المغرضة.

وبهذا، فإن رسالة الدكتور بلقاسم حبة، وإن بدت في قوالبها الأولى رياضية وهندسية جافة للوهلة الأولى، إلا أنها تعبّر عن أسمى معاني التربية الوطنية المعاصرة؛ إذ تدمج العلم الدقيق بالوجدان الوطني الخالص، وتصنع جيلا واثق الخطى، يدرك تمام الإدراك أن بقاء الجزائر حرة منيعة ومستقلة يبدأ أولا وقبل كل شيء من استيطان جغرافيتها الحقيقية في عقول وضمائر أبنائها وكل الشعب، لتبقى أرض المليون ونصف المليون شهيد، من جانت المشرقة إلى تندوف الأبية، ومن عنابة الساحلية إلى تمنراست الشامخة، أمانةً غالية لا مساومة فيها ولا تفريط مهما تبدلت الظروف وتغيرت الأزمان وتوالت التحديات على هذه الأمة العريقة.

إن الحديث عن جغرافيا الجزائر لا يمكن أن يستقيم بأي حال من الأحوال بمعزل عن استدعاء الذاكرة التاريخية المثقلة بدروس المآسي والانكسارات التي علمنا إياها التاريخ القديم والحديث بمراراته العميقة؛ فالشعب الذي يجهل جغرافية وطنه، أو يتعامل مع ترابه بعقلية السهولة والتفريط والإهمال، هو شعبٌ مرشح دائما لإعادة إنتاج أخطاء الماضي من دون أن يدري، ومن دون أن يتعظ بما خلفته الهزائم من جروح لا تسعها الذاكرة الفردية وحدها.

مقالات ذات صلة