الرأي

لم يترك السلف أي شيء للخلف

عمار يزلي
  • 3459
  • 1

كل المؤشرات تشير إلى أن الاستدانة الخارجية من جديد، أصبحت من تحصيل حاصل بعد كل ما حصل. فحملة الاستدانة الداخلية ـ رغم ما طبل لها وزمر ـ لن تفي بالغرض لأسباب كثيرة، أولها أن كل ما دخل الخزينة، يبقى من دون قيمة حقيقية في ظل تراجع قيمة الدينار! ثم إنها موجهة إلى السوق الداخلية. أما ما تحتاجه الجزائر فهو العملة الصعبة، وهذا لن يتأتى إلا بالرهان على الرهن والاستدانة الخارجية، ما يضعف المفاوض الجزائري في المسائل الاستثمارية.

هل رأيتم أين أوصلنا زمن البحبوحة الذي عراه النهب؟ الذي يراد له الآن أن يعفو الله عما سلف وتلف؟ نفس الشيء حدث مع تدمير المؤسسات الوطنية من أجل بيعها لاحقا بالدينار الرمزي! هذه السياسة هي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه: نتقشف ونتسول من الشعب المسلوب المسروق ومن المؤسسات البنكية الخارجية التي بلعت مدخراتنا من سوق النفط عن طرق شركات “استوراد ـ استوراد” التي كانت سببا في إفلاس الخزينة.

هذا في الوقت الذي تلجأ فيه الدولة إلى بيع أملاكها لتصبح مجرد متفرج! حتى إنه الآن يندر أن تجد مسؤولا، وزيرا كان أم برلمانيا أم رئيس حزب وميرا، لا يملك شركة خاصة أو أسهما أو أكثر! ما يعني أننا بعنا الدولة بمالها وعقارها للخواص من أهل دولة النحاس والرصاص لنبني”دولة بين الأغنياء منكم”! هذه الخصخصة التي أوصلت الناس إلى التقشف والخصاصة!

نمت على هذا القلق، لأجد نفسي “وزيرا متسولا”، مهمتي منافسة الأفارقة والسوريين على الأرصفة وأمام الجوامع والمساجد وأمام “الفيروجات”!: يا المومنين.. في سبيل الله! عاونوا خوتكم الأغنياء ربي يغنيكم!.. يا خاوتي لله ماعندناش باش نكملو الشانطيات، لله يا محسنين، ساعدوا دولتكم باش توكلكم!

وتأتيني السندات والمساندات من بعض الناس: هذا يقول لي: راكم تطلبوا اليوم؟ وصلتونا للطلبة؟ الله يجعلكم كي طالبان، اللي مشى ما بان! عجوز راحت تقول لي: والله ما عندي، الدراهم اللي كانوا عندي نتاع المرحوم، خونوهم لي من البوشطة.. ما عندي باش نعاونكم آولدي الله غالب..! وأنا أنتقل من مكان إلى مكان، وصلت إلى مسجد صغير في حي شعبي ورحت أتوسل وأتسول: الله يخلف عليكم يا الخاوة، عاونوا دولتكم المسكينة! عاونوا بوشوارب وحداد، وما تعانوش ربراب، راه باغي يشري لبلاد فوق روسنا! عاونونا أحنا اللي مساكين و”فقرون”.. لله يا مؤمنين، شحال ما كان!.. دينار، دولار، مليار، اللي كان!

وأمر أنا وأحط له “زبلة” كانت لاصقة في نعلي من تحت، فيشرع في الدعاء: الله يخلف عليك، الله يعطيك ما تتمنى، راك عاونتنا وعاونت المستثمرين باش يترفهوا ويفرشكوكم بالشيكولا والحلوة الله يربحك!

عندما دخلت لأصلي، استقبلني العساس وكان مسلحا بعصا “قد رأسه”: وأنا ما تعطيني والو؟ واش؟ أنا جيتك على العين العوراء.. حط “دي ميل”!.. “غريساني نووورمال”!

دفعت له بالخوف”صانميل”.. هذا كل ما كان عندي لتكملة الشهر ومصروف أسبوع! ودخلت قبل أن ينبهني آخر ملتح ويحمل حزاما جلديا كأنه حزام ناسف: اسمع الحاج.. المسجد هذا بريفي.. كل ركعة “بسانميل”.. تخلص قبل ما تركع.. النافلة بـ”ميل سانك”.. والفرض بـ”سانميل”! قلت له: نتاع من هذا الجامع: قال لي: بناه الخليفة وشراه السي صالح (يقصد الملياردير).. قلت له: منذ متى؟ الشهر الماضي صليت فيه باطل! قال لي: خلص واسكت وإلا اخرج.. ها اقرأ القانون معلق قدامك قبل ما تدخل..ما تعرفش تقرا؟

وأفيق وحفيدي الصغير طلب مني “دي ميل” مقابل… قُبلة!

مقالات ذات صلة