الرأي

لن تسقط الراياتُ الجزائرية

بقلم: د. أحمد لطفي شاهين
  • 657
  • 0

قام الاحتلال الفرنسيّ بالسيطرة على أرض الجزائر وشعبها بالقوة العسكرية وعصابات مستوطنين، وذلك لاستنزاف خيراتها وطمس هُويتها الثقافية وتغيير لغتها، واستعباد الشعب الجزائري وقمعه بكل الأساليب، وهي نفس الإستراتيجية التي يتبعها الاحتلال الصهيوني مع الشعب الفلسطيني منذ عام النكبة 1948 م، لكن الشعب الجزائريّ الحُرّ لم يرضَخ للعدو المحتلّ فاجتمع عددٌ من الشباب الجزائري المثقف الواعي في منزل أحد الفدائيين لرسم معالم المشروع الوطني الجزائري التحرري والذي جاء كنقيض حتمي للاحتلال الفرنسي البغيض، وبرز ليغرس بذرة الأمل للشعب الجزائري المناضل الذي أرهقته الويلات المتتابعة من جرائم الاحتلال الفرنسي.

بدأت الثورة بهبات وكتابات وشعارات من هؤلاء الشباب المثقف لإسقاط النفوذ الفرنسي على مقدرات وثروات الجزائر والذي كان في ظاهره يدّعي أن سبب وجوده هو تهيئة الشعوب لحكم نفسها بنفسها، ويخفي مهمته الرئيسية التي جاء من أجلها وهي سرقة مقدرات وثروات وخيرات الجزائر ثم تبع ذلك تشكيل مجموعات بسيطة من الفدائيين بأبسط الأسلحة المتاحة لمقاومة المحتل الفرنسي، ولم يفلح الاحتلال الفرنسي بشكله المؤسساتي وأفكاره الحضارية في أن يُقنع الجزائريين بمبررات وجوده لأنه كان يناقض نفسه عندما يقتلهم ويسرق خيراتهم ويستولي على  أرضهم مستعينا بعصابات من المستوطنين والمرتزقة لا أصل لهم ولا دولة ولا حدود لمطامعهم وجرائمهم، فارتكبوا أبشع المجازر التي عرفها التاريخ بحق شعبٍ أعزل وهي نفس السياسة التي اتبعها الاحتلال الصهيوني مع الشعب الفلسطيني إذ هُوجمت القرى الآمنة وقُتل وشُرد الآلاف من ديارهم، فجاءت ثورة تحرير الجزائر في 1954، كأول حركة وطنية شعبية جزائرية خالصة لا همّ لها سوى تحرير الجزائر بكل الوسائل المتاحة العسكرية منها والسياسية.

أصبحت الجزائر قدوة للشعوب الحرة في العالم كله وأصبح العلم الجزائري رمزا للتحرر والحرية وأصبح يرتفع في فلسطين في تحدي واضح للاحتلال الصهيوني ورسالة واضحة أن مصير الاحتلال الصهيوني إلى زوال وإلى اندحار تماما كما اندحر الاحتلال الفرنسي عن أرض الجزائر.

من هنا بدأت ملامح المشروع الوطني الجزائري بالتكوين، وبدأ شكل الثورة الجزائرية يتشكل في وعي ووجدان المواطن الجزائري والعربي في كل مكان وخصوصا الشعب الفلسطيني والذي رأى في الثورة الجزائرية أملاً مشرقاً للتحرير والعودة، خصوصاً أن الثورة الجزائرية فتحت أبوابها لكل أحرار العالم دون أن تقيِّدها إيديولوجيا محددة أو عرق أو مذهب أو طائفة بل شارك الشعب الجزائري كله في هذه الثورة وارتقى إلى العلياء أكثر من مليون شهيد على مذبح الحرية والاستقلال، وأصبحت الجزائر قدوة للشعوب الحرة في العالم كله وأصبح العلم الجزائري رمزا للتحرر والحرية وأصبح يرتفع في فلسطين في تحدي واضح للاحتلال الصهيوني ورسالة واضحة أن مصير الاحتلال الصهيوني إلى زوال وإلى اندحار تماما كما اندحر الاحتلال الفرنسي عن أرض الجزائر.

لقد بدأت الثورة الجزائرية فجأة وبشكل مباغت أربك الاحتلال الفرنسي  وبدأت طوابير الناس والعمال الباحثين عن فرصة عمل ولقمة عيش بدأوا يتحولون فجأة إلى فدائيين مقاتلين بشراسة وأرتال عسكرية تدك مستوطنات المحتل بحممها الغاضبة، وتقتحم حصونه وتشعل الأرض تحت أقدام الغاصبين.

معارك دامية خاضتها المقاومة الجزائرية من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية العربية الإسلامية الجزائرية، فلفتت أنظار العالم كله إلى القضية الجزائرية من خلال ظهور مناضلات جزائريات ومناضلين جزائريين يمتلكون الروح الفدائية والثقافة وقوة الكلمة والتعبير.

استطاعت الثورة الجزائرية لفت أنظار هذا العالم الذي خدعته الماكنة الإعلامية الأوروبية، والتي قلبت له الحقائق فحوّلت الضحية إلى جلاد في معظم الأحيان، لكن الكذب حباله قصيرة وسرعان ما سقط زيف الرواية الفرنسية وتضامن الأحرار من العالم كله مع الثورة الجزائرية التي لم تترك الثورة طريقاً لتحرير الجزائر إلا وسلكته، عسكريا وشعبيا وسياسيا، ونفس هذا النهج أخذته الثورة الفلسطينية قدوة بمعنى الكلمة ولا تزال الثورة الفلسطينية مستمرة تستمد القوة والعنفوان من الثورة الجزائرية ومن الدعم الجزائري المتواصل الذي لم ينقطع لحظة، ولذلك نجد العدو الصهيوني حاقدا على الجزائر دوما ويحاول الاصطياد في المياه العكرة مع جيران الجزائر، لكن القيادة الجزائرية واعية لهذا المنزلق الخطير ولا يمكن أن يتوجه السلاح الجزائري إلا نحو أعداء الأمة العربية الإسلامية.

إنني إذ أبارك ذكرى استقلال الجزائر، فإنني أؤكد أن الاستقلال يعني أن الدولة حرة من الاحتلال المادي وحرة من سيطرة القوى الخارجية بعد زوال القوى العسكرية المحتلة؛ فالدولة المستقلة هي دولة حرة في صنع قراراتها وتحديد سياساتها بما يخص التنظيم الحكومي والنظام الاقتصادي والتعليم والثقافات الاجتماعية، وحرة في استخراج مواردها وحرة في تحديد أسعار مواردها، فالاستقلال الحقيقي يعني أن لا تتعرَّض الدولة لسيطرة وتحكم أي أطراف خارجية أبدا وأن يكون القرار السياسي حرا يملك تقرير مصير الشعب. وأن لا يكون الناس مستعبَدين لغيرهم من البشر والدكتاتوريين على اختلاف أشكالهم سواء أوروبيين أو أسيويين أو أمريكان… وحتى تنهض الأمة بعد الاستقلال الحقيقي لابد من خطوات كثيرة اذكر لكم أهمها من باب حب الجزائر والحرص على مصالح الجزائر:

1- الارتقاء بالنفس من خلال رفع مستوى الوعي والتدريب في جميع مجالات الحياة علميا ومهارياً.

2– تعزيز ثقافة السلوك الايجابي اليومي في كل مجالات الحياة منذ الطفولة حتى التقاعد من خلال مناهج دراسية أخلاقية.

3- نقطة مهمة جديدة: (الحفاظ على قوة وتماسك الأسرة) حتى لا يكون المجتمع مفكك لان الأسرة هي النواة الأولى في المجتمع وهي الحاضنة للطفل فإما أن يكون أداة بناء ضمن أسرة ناجحة أو يكون معول هدم ضمن أسرة مفككة ونلاحظ أن الهجمة اليوم على الأسرة والأم لتخريب مجتمعاتنا فانتبهوا.

4– تحقيق المواطنة والشراكة في الوطن من خلال الانتخابات النزيهة والوضوح في الأداء الحكومي ووجود معارضة نزيهة ذات دور رقابي وحرية الإعلام وسيادة القانون بعدالة بحيث يعمل الجميع لتحقيق مصلحة الشعب.

5– التنمية الاقتصادية المستدامة للحفاظ على حقوق الأجيال الحالية والقادمة، وذلك من خلال ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية والبحث عن بدائل نظيفة للطاقة الخضراء وزيادة مساحة الرقعة الزراعية واستثمار المياه بشكل نموذجي سواء مياه الأمطار أو الأنهار أو حتى مياه الصرف الصحي.

6– تصحيح صورة الإسلام أمام الجميع، فالإسلام دين العدالة والتسامح والرحمة والعدالة، وكل مبادئ الإسلام مطبقة عمليا في اليابان وأوروبا دون تصريح، واكبر الأمثلة الناجحة في تطبيق مبادئ الإسلام سنغافورة التي طبقت الزكاة وأنشأت بنك الزكاة علما أن نسبة المسلمين هناك 15  % فقط فما بالكم إذا طبقت في دولة عربية إسلامية معظم شعبها مسلم.. صدقوني ستكون هناك نهضة اقتصادية غير مسبوقة بأموال مباركة.

7– ختاما أنصحكم بقراءة كتاب (شروط النهضة) للكاتب والمفكر الجزائري العبقري (مالك بن نبي) وهو متوفرٌ على الانترنت بصيغة “بي دي أف” من   160 صفحة فقط، كتاب جميل راقي رائعٌ مفيد جدا،

ومجال الحديث في شروط وخطوات النهضة مجال واسع لا ينتهي وهو مفتوح أمامكم للإبداع في ذكرى الاستقلال، إذ يجب أن نقف مع أنفسنا ونعمل تقييم لسياساتنا وإدارتنا لمقدراتنا وشعوبنا وواقعنا ونجدد عزيمتنا ونشحذ همتنا لنواكب التطور العالمي.. ونحن نستطيع أن نكون في أعلى مراتب الأمم إذا كنا مستقلين فعلا.

كل عام والجزائر بألف خير ودامت رايات الجزائر عالية خفاقة ودامت الجزائر قدوة لكل الأحرار.

مقالات ذات صلة