لهذا يخاف المتورطون في الجرائم من النائب العام
المكان .. محكمة الجنايات بجيجل، الزمان.. الأسبوع الماضي ضمن الدورة الجنائية، والقضية اتهام شابين بقتل صديقهما بعد أن قضيا قرابة السنة في الحبس الاحتياطي في محكمة ظلت الأعناق والأسماع تنتظر فيها النطق بالحكم النهائي.
ولكن قبل ذلك على الجميع أن ينتظروا إلتماس النيابة العامة أو كما تسمى محليا بغرّاق دار الشرع، وبين طلبات المحامين الذين دافعوا على المتهمين وصوّروهما مثل الملائكة والتمسوا البراءة للمتهمين مقابل مبالغ مالية تسلموها قبل المرافعة، فتفاءل الأهل بهذه الطلبات، ليأتي الدور على النائب العام الذي قدّم مرافعة طويلة تحدث فيها عن خطورة ما حدث ووصف مقتل الشاب بالفاجعة التي يجب أن نضرب فيها الفاعلين بيد من حديد، ومن صورة الملائكة التي قدمها الدفاع تحوّل المشهد إلى فعل شيطاني وطالبت النيابة بالإعدام حتى يكون الفاعلون مثالا لغيرهما، وهو الالتماس الذي صعق عائلة المتهمين وأغمي على البعض منهم.
المداولة لم تزد عن النصف ساعة حيث نطق بعدها القاضي بالبراءة للمتهمين الاثنين بسبب عدم اقتناع المحكمة بالأدلة المقدمة، ونال المتهمان براءتهما في أجواء من الزغاريد بعد أن عاشا ومعهما عائلاتهما نصف ساعة من التيهان بعد أن طالبت النيابة العامة بالإعدام، هل كان النائب العام قاسيا على المتهم الذي هو بريء حتى تثبت براءته أم كان رحيما بالمجتمع فطالب بقتل الشر من أن أجل أن يحيى المجتمع في الخير؟ أسئلة نطرحها كلما تابعنا محاكمة لمتهمين سواء تعلق الأمر بالمحاكمات العادية أو بالجنايات حيث يتصوّر المتهم أن النائب العام هو عدوّه الأول الذي لا يرحمه ولا يغفر له حتى ولو كان بريئا، ومن هو هذا الرجل الذي يبدو شديدا على الجميع ولا تأخذه بأخذه بأحد رأفة؟
لا سلطة عليه إلا القانون الضمير المهني
يُعرف دور النائب العام على أنه هو من يضمن حق المجتمع الذي يمثله في جلسات المحاكمة ويسهر على تطبيق القانون في المجال القضائي، وعلى عكس النظام الأمريكي وبعض الأنظمة الأخرى التي يتم فيها تعيين النائب العام عن طريق الانتخاب بين القضاة وهو ما يضمن له صلاحيات أوسع وسلطة أقوى، لا تخضع لأية سلطة إدارية أخرى سوى لسلطة القانون والضمير المهني، فإنه وفي النظام القضائي الجزائري يتم شغل وظيفة النائب العام عن طريق التعيين الإداري، مما يعرضه لمختلف أنواع الضغوطات من مختلف الأطراف.
كما أن النظام القضائي الجزائري المستمد في بعض جزئياته من النظام القضائي الفرنسي الموحد يصنف وظيفة النائب العام ضمن خانة القضاة العاديين ولا علاقة لوظيفته بالرتبة التي قد يتقلدها في سلك القضاء ويمثل النائب العام على مستوى المحاكم الإبتدائية وكيل الجمهورية، الذي يتمتع بنفس الصلاحيات والمهام الوظيفية التي تتفرع إلى مهام إدارية يسهر من خلالها على سير المحكمة بالتنسيق مع رئيس المحكمة والإشراف على عمل أمناء الضبط ومختلف أعمال المحكمة، مع السهر على متابعة النشاط القضائي والتدخل في حال وجود أية صعوبات أو عراقيل من شأنها هضم حقوق المواطن، مع التكفل بانشغالاتهم، إضافة إلى مهام قضائية تحددها المادة 36 من قانون الإجراءات الجزائية وتتمثل أساسا في مراقبة أعمال الضبطية القضائية، والسهر على تطبيق القانون من خلال متابعة شكاوى المواطنين واتخاذ الإجراءات الملائمة حسب كل حالة، من خلال إحالة الملف أمام هيئة المحكمة عن طريق الاستدعاء المباشر، أو إرساله للتحقيق أو إحالته عن طريق التلبٌس طبقا لمبدإ الملاءمة وحق السلطة التقديرية التي يتمتع بها وفق القانون.
كما أن له كامل الحق القانوني في تقدير الملفات وإحالة بعضها على الحفظ. ويصنف النائب العام ضمن القضاء الواقف، لأنه يمثل المجتمع في جلسات المحاكمة ويؤدي مرافعاته واقفا ممنوع عليه الجلوس، ويسهر على حماية حقوقه وتطبيق القانون.
العدو الأكبر للمتورطين في الجرائم
وقد ارتبطت مهام النائب العام أو وكيل الجمهورية وسط المجتمع الجزائري بمصطلح “غرٌاق الشرع” غير أن هذا المصلح ابتدعته فئة فقط من المتقاضين، والذين هم في الأساس من المتهمين، الذين يقف وكيل الجمهورية أو النائب العام، ضدهم في جلسات المحاكمة، بعد ارتكابهم لجرائم اقترفوها في حق شريحة أخرى من المجتمع والمصنفون في خانة الضحايا، فيقف النائب العام أو وكيل الجمهورية إلى جانب الحق العام مطالبا بردعهم وتطبيق العقوبات في حقهم، مستندا في ذلك إلى مواد القانون.
وترعب تسمية قاضي النيابة المتقاضين ومختلف شرائح المجتمع، لارتباط مهامه بأوامر فتح التحقيقات في إطار المهام الموكلة إليه لتحريك الدعوى العمومية، وكذا ارتباط صفته بإصدار الأوامر الإيداع رهن الحبس، ناهيك عن صلاحيات تسخير القوة العمومية للتدخل وفك ألغاز الجرائم المرتكبة، وهو ما يجعل من النائب العام الحريص على ضمان حقوق الضحايا سواء كانوا يتمتعون بشخصية معنوية أو طبيعية، مؤهلا لأن يكون ممثلا لكل أطياف المجتمع.
النائب العام.. لسان المجتمع في جلسات القضاء
وغالبية القضايا الكبرى التي شهدتها الجزائر في المدة الأخيرة كان للنائب العام شرف إطلاق التحقيقات فيها، مثل قضية “الخليفة” التي كان بطلها عبد المؤمن خليفة، وقضية اختلاس 2100 مليار سنتيم التي كان بطلها عبد الرحمان عاشور، حيث يقف المجتمع في مثل هاته القضايا مع النائب العام الذي يتكلم باسمه ويُصوّر هذه التجاوزات بالجرائم التي لا يجب التسامح معها كما أن مرافعاته في الجرائم الكبرى مثل قضايا الإرهاب والاختطاف والقتل والاغتصاب والمتاجرة بالمخدرات، ينطق فيها باسم المجتمع، حيث يجلد المتهم قبل القاضي.
وإذا كانت الكثير من الأطراف ومنها المنظمة الجزائرية لحقوق الإنسان تطالب بإلغاء حكم الإعدام الذي تصوره بالقاسي وترى أن الجزائر عليها أن تصبح مثل جميع البلدان التي ألغت هذا الحكم، فإن طلبات النائب العام مازالت تنطق كلمة الإعدام في كل قضايا القتل التي تقترف مع سبق الإصرار والترصد، ومن النادر جدا أن يكون حكم القاضي أشد قسوة من التماسات النائب العام ولكنها في الكثير من الأحيان تكون متشابهة، مما يعني أن النائب العام هو في حقيقة الأمر قاض، ويبقى الفرق بينهما أنه لا يهتم بظروف التخفيف، لأن ما يهمّه هو أن يُرجع للمجتمع حقه المغتصب من طرف المتهمين، وليس من أجل إغراق الدار.