حواري مع إبليس !!
ألم شديد في كل أنحاء جسدي ,, أصوات لقهقهة مخيفة مصحوبة بنبرة ساخرة ,, رائحة كريهة تذكرني بشاحنة تجميع نفايات البيوت ,, جفاف رهيب في حلقي ,, و بدون شعور إبتلعت ريقي من شدة العطش ,, أحسست بجسدي ملقى على أرض يابسة تكاد تمزق عظامي ,, حرارة شديدة تحيط بي من كل الجهات ,, حاولت جاهداً أن أفتح عيني لأعلم أين أنا ,, لكن مهلاً ! عيني مفتوحة ! ما هذا الظلام الحالك ! دققت النظر أكثر لعلي أستطيع رؤية شئ من حولي ,, لكن لا يوجد شئ آخر غير هذا السواد المخيف ! ما سر هذا الظلام الدامس ! و الى متى سوف يدوم !
تساءلت بيني و بين نفسي : هل أنا أحلم ! نعم ليس هذا إلا بأحد الكوابيس المزعجة التي تأتيني بين الحين و الآخر ,, تذكرت وقتها بأن آخر شئ فعلته قبل هذه اللحظة كانت قراءتي لكتاب إسمه عجائب الملكوت ,, حرارة المكان تزداد ,, ظلام لا ينتهي ,, العفاريت ,, سكان المنازل ,, الجن ,, إبليس ,, أسماء سبحت في بحر مخيلتي ,, نعم هذه الأسماء مرت علي في ذلك الكتاب ,, آآخ صداع حاد ,, عيناي ستنفجران من أثر هذا الصداع القوي ,, لم يسبق لي أن أحسست بهذه الآلام الرهيبة في أحلامي ! وجبة العشاء ,, قفزت الى ذهني تلك العبارة ! تنهدت قليلاً و أطلقت زفرة حارة ,, حمداً لله ,, هذا مجرد كابوس و السبب وجبة العشاء الدسمة التي تناولتها في وقت متأخر من الليل ,, هذا ما أقنعت نفسي به ,, سلمت نفسي الى هذا الحلم مترقباً وقت إنتهائه و كم تمنيت وقتها أن يوقظني أحد أفراد أسرتي لكي تنتهي هذه المأساة ,,
أصوات غريبة من حولي ! أناس يهتفون و يتمتمون بعبارات غير مفهومة ! صراخ و عويل ! أصوات لحيوانات ! عويل الذئب ,, نباح الكلب ,, زئير الأسد ,, أردت أن أميز شيئاً من بين تلك الأصوات لكن دون جدوى ,, فأصوات الحيوانات كانت ممزوجة بلغة غريبة لم أسمع بها قط ,, بلغ الشك بي أقصى درجاته ,, كيف يكون هذا حلم و أنا أشعر بكل شي من حولي و كأنه حقيقة ! رفعت يدي اليمنى جاهداً و بصعوبة لكي أعضها ,, قلت لنفسي لعل تلك الآلام السابقة مجرد تخيلات ليس إلا ,, الآن سوف أتأكد من ذلك بنفسي ,, قربت يدي الى فمي و عضضتها ,, تباً !!! هذا ليس بحلم !! تحولت القهقهة الساخرة التي سمعتها في البداية الى ضحكة هستيرية عالية كادت تصم أذني !!
هتفت صارخاً : من أنت ؟ و ماذا تريد مني ؟ كررتها مراراً و تكراراً لكن اكتفى صاحب الضحكة بالإستمرار بضحكته بشكل جنوني متجاهلاً كل نداءاتي ,, إختفت الأصوات الغريبة التي ترددت على مسامعي سابقاً و لم اعد أسمع إلا تلك الضحكة المخيفة ,, أدركت وقتها بأني في مكان مغلق و مهجور لأن تردد صدى الضحكة كان شديد جداً و يأتيني من كل الإتجاهات ,,
و فجأة ,, برز في وجهي شعاع ضوئي بحجم الإبرة ,, و بدأ قطر هذا الشعاع بالإزدياد تدريجياً ,, وضعت يدي على عيني لأحميها من هذا الشعاع الرهيب ,, خصوصاً و قد أمضيت ساعات طوال في تلك الظلمة العتماء ,, أخفيت عين و فتحت الأخرى بصعوبة لأرى سر هذا الشعاع ,, بدأت تتضح الرؤيا قليلاً ,, نظرت الى نفسي و إذا بي مرتدياً لباس نومي ,, إذاً هذا الشخص أخذني من غرفة نومي الى هذا المكان المجهول ,, رفعت رأسي قليلاً مرة أخرى بإتجاه مصدر الضوء ,,
يا إلهي !! سقط فكي الى الأسفل في ذهول ,, ولم أصدق عيناي و أنا أشاهد هذا الشخص الواقف أمامي ! لقد كان نسخة طبق الأصل مني ! أنا بشحمي و لحمي ! خيم الصمت و الوجوم في المكان و أنا أراقبه بحذر و كأني أرى نفسي في المرآة ,, كان يقف صامتاً ,, عاقداً حاجبيه ,, مشبكاً كفيه خلف ظهره ,, ينظر الي بثقة و بنظرة ساخرة و كأنه يستهزئ بمنظري و أنا أرتعد خوفاً ,, أخذ يسير نحوي بخطوات هادئة حتى صار على بعد شبر واحد فقط من جسدي الملقى على الأرض ,, وقف أمامي يراقبني بصمت و إبتسامته الساخرة لم تفارق شفتيه ,, تحفزت كل خلايا جسدي في تلك اللحظة حتى شعرت بأن هرمون الأدرينالين وصل ذروته من شدة صعوبة الموقف ,,
إنهض ولا تخف ,,
إزدرت لعابي بصعوبة ! فلقد كان صوته مشابهاً لصوتي تماماً ,, أجبته في صوت خافت : لا أستطيع النهوض لأن جسدي منهك ،،
مد يده نحوي فدفعتها بعيداً و أنا أهتف في غضب : لا تلمسني ,,
أعاد الى مسامعي ضحكته الجنونية العالية و هو يقول : عجبي منكم يا معشر الإنس ,, تسمعون و تطيعون كلامي بدون تردد و ترفضون أن ألمس أجسادكم ,, و أخذت ضحكته تزداد و تزداد ثم هز كتفيه في لامبالاة و أردف قائلاً : أردت فقط أن أعاونك على النهوض فإن أبيت هذا شأنك ,,
فكرت قليلاً ,, و إذا بي أتيقن بأنه لا بديل غير قبولي بذلك ,, فأجبته بعصيبة : حسناً ,, أعني على النهوض ,,
سحبني من يدي بقوة ,, وقفت أمامه وكأن الأرض تدور من حولي و أنا أنفض التراب عن ثيابي ,, ملتفتاً اليه ,, متسائلاً : من أنت ؟ و ماذا تريد مني ؟ و ما هذا المكان الذي نحن فيه الآن ؟ و لماذا تقمصت شخصيتي ؟
أجابني في مرح مصطنع : هل سأمت مني يا صديقي ؟ مهلاً لا تستعجل الأمور ,, دعنا نخرج من هذه الغرفة و نذهب الى مكان ملائم للنقاش و الحديث ,,
أجبته في حزم : لن أتحرك من مكاني هذا قبل أن تجيب على أسئلتي ,,
أشار بسبابته نحوي و هو يبتسم في دهاء : يبدوا أنك عنيد يا فتى ,, ثم أردف و إبتسامته تزداد اتساعاً : أنا إبليس الذي أغوى أبيك النبي آدم و زوجته حواء ,, و لا أريد منك شيئاً فأنت كنت تقرأ عن شخصيتي فقررت أن أدعوك الى هنا لكي تعرف ما تشاء عني ,, أما بخصوص المكان فهو مسكني في باطن الأرض ,, أما بخصوص تقمصي لشخصيتك فلا أحسبنك تقوى على رؤيتي بصورتي الحقيقية ,, أنهى عبارته و هو يغمز بعينه و يبتسم بخبث ,,
تساءلت متحيراً : ماذا يريد هذا اللعين حقاً مني ؟ هل أبدأ بتلاوة آياتٍ من الذكر الحكيم لكي أصرفه عني ؟ أم أقتنص فرصة وجودي معه و أحاوره لربما أعرف عنه ما كنت أجهله ,, أخذ الفضول يراودني ,, و إزداد شغفي لحواري معه ,,
أومأت رأسي بإيجاب و قلت في هدوء : أنا موافق يا مستر إبليس ,,
إتبعني يا صديقي ,,
سرت من خلفه بخطوات متزنة حتى خرجنا من تلك الغرفة المظلمة ,, و إذا بنا ندخل قاعة كبيرة و لا حظ إبليس الإنبهار الذي بدا واضحاً في ملامح وجهي و أنا أشاهد تلك المخلوقات الغريبة التي جلست حول طاولة مستديرة و كأن لديهم إجتماع هام ,,
سألته : من هؤلاء ؟
أجاب : هؤلاء هم ذريتي ,, ألم تسمع قول الله : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ,,
التفت اليه و سألته في إهتمام : و لماذا هم مجتمعون ؟
مط شفتيه و أجاب بهدوء : هذا الإجتماع يومي ,, و فيه نتباحث في كيفية إغواءكم يا معشر الإنس ,, ثم أردف بمرح : و في النهاية نقوم بتكريم أحد الأعضاء الموجودين ,,
تكرمونه على ماذا ؟
أجاب بثقة : على عمله ,, إن كانت حصيلة يومه أعداد كبيرة من الإنس تركت عبادة الله وعصت أمره ,, و عبثت بالأرض فساداً ,, فنكافئه على هذا العمل الشيطاني المشرف ,,
لعنكم الله جميعاً ,, صرخت بحنق و لا شعورياً بتلك العبارة ,,
أدار الجميع عيونهم الى مصدر الصوت ,, رفع إبليس يده و قال : دعكم منه فهو صديقي ,, سكت جميع أعضاء الإجتماع الشيطاني ,, ثم أمرهم بالخروج ,,
راقبتهم و هم يغادرون القاعة ,, الى أن وقعت عيناي على فتاة بارعة الحسن !! نادرة الجمال !! إبتسمت في وجهي إبتسامة عذبة و هي تهم في مغادرة القاعة !!
أدرت وجهي الى إبليس و سألته بشغف : من تلك الحسناء ؟!
ضحك في مرح و هو يجيب : هل أعجبتك ؟ لا أستطيع لومك يا صديقي ,, فهذه الحسناء سحرت بجمالها أغلب معشر الإنس ,, مال الي هامساً و هم يردف بخبث : هذه عزيزتنا دنيا ,,
رددت الكلمة بتساؤل : دنيا ؟!
رفع حاجبيه بدهشه و هو يضحك ,, نعم يا صديقي ,, دنيا ,, الدنيا التي كرس أصحابك معشر الإنس كل جهودهم و أوقاتهم من أجلها و تناسوا الآخرة ,,
قفز الى ذهني مباشرة قوله تعالى : إنما هذه الحياة الدنيا متاع و إن الآخرة هي دار القرار ,, هذا الخبيث يعلم من أين تؤكل الكتف ,, تجاهلت قوله و سألته بحزم : ماذا تريد مني الآن ؟
خيم الصوت وهلة ,, ثم جاء صوت إبليس بارداً كالثلج و هو يقول : إجلس يا صديقي ,,
سحب الكرسي الموجود أمامي و جلست و أنا أراقب نظراته الخبيثة ,,
لماذا كنت تقرأ عني ؟ سألني بهدوء شديد ,,
أجبته في حدة : شئ جميل أن يعرف المرء عدوه ,, ألا توافقني على ذلك ؟
قهقه ضاحكاً : تعجبني جرأتك يا فتى ,, ثم أردف : و ماذا تعرف عني ؟
أجبته و أنا لا أزال محتفظاً بتك النبرة الحادة : و من لا يعرف من هو إبليس ,, أول من كفر بربه و أستكبر و الذي أنزل الله عليه اللعنة الأبدية ,, الجني الخبيث الذي أبى أن يسجد لسيد......
قفز في وجهي مقاطعاً كلامي و هو يصرخ : الجني ؟! تلت تلك الصرخة ضحكة إستهجان قوية ,, نظر الي ثم قال في سخط : و من قال لك بأني من الجن ؟
أجبته بثقة و من دون تردد : وإذا قلنا للملائكة إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ,,
لمحت بريق عجيب في عينه ,, إبتسم و هو يرتشف كأساً من شراب غريب اللون ,, ثم قال : ألم تقرأ قول ربك عندما قال : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين ,, كذلك قوله : وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ؟
أومأت رأسي بالإيجاب قائلاً : نعم ,, و أين المشكلة في إستدلالك بتلك الآيتين الشريفتين ؟
برقت عيناه ببريق النصر ,, ثم إستطرد بحماس : الآية التي إستدليت بها أنت كانت صريحة و تشير بأني من الجن ,, و لكت الآيتين الأخريات أشرن بشكل واضح على أني كنت من الملائكة ,, لاحظ قول ربك : سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ,, و إلا أداة إستثناء ,, هل رأيت كيف أن القرآن يناقض بعضه بعضاً يا صديقي ,, مال نحوي و هو يغمز بعينيه و أسنانه الصفراء البغيضة بدأت واضحة من تلك الإبتسامة الخبيثة ,,
أيقنت بأنه حان دوري الآن بإستخدام إسلوبه الساخر ,, رفعت حاجبي الأيمن و أنا أتصنع الدهشة قائلاً : مستر إبليس ! لم أعهدك بهذا الغباء !
إحتقنت الدماء في وجهه و صاح غاضباً : كيف تجرؤ يا هذا ! لا تحاول التهرب من سؤالي و أجبني ,,
تنهدت قليلاً ثم أردفت : لو شبهنا الملائكة بقوم من الأقوام ,, و شبهناك أنت يا إبليس بالحمار ,, لم أستطع إخفاء ضحكتي التي بدأت واضحة على نبرات صوتي و أنا أشبهه بالحمار و أعلم أن الحمار خيرٌ بألف مرة من هذا اللعين ,, واصلت حديثي بثقة و سخرية : و قلنا ,, وصل القوم من المدينة إلا حمارهم ,, فهل هذا يعني بأن الحمار و القوم يدلان على معنى واحد ؟ أكملت حديثي و أنا أراقب نظراته الحادة : الله تبارك و تعالى في الآية الأولى أوضح بشكل قاطع الدلالة بأنك من الجن ,, فالمسمى بإبليس و هو أنت أصبح معلوم لدينا بأنه من الجن في الآيات الأخريات ,, و الإستثناء لا يعني إطلاقاً بأنك من الملائكة ,, أنا أعترف بأن أعمالك كانت أعمال الملائكة و لكنك لست واحداً منهم ,,
ابتسم إبليس إبتسامة مريرة ,, و جرع الكأس كله دفعة واحدة ثم قال : برافوو ,, عليّ أن أعترف بأن محاولتي باءت بالفشل ,,
تساءلت بحيرة شديدة : محاولتك ؟!؟ ماهي غايتك من كل ذلك ؟
ضحك بشكل هستيري و قال : آه يا صديقي ,, لو تعلم كم من رفاقك من معشر الإنس أصبحوا ملحدين و مشركين بالله فقط لأني وسوست لهم بأمور سخيفة كهذه ,, أكمل و هو يواصل ضحكته : أستغل ضعف إيمانهم و إبتعادهم عن تدبر كلام الله في القرآن و أحاول أن أوهمهم بأن القرآن متناقض ,, و هذا تكتيك بسيط و سهل علينا معشر الشياطين و لدينا أساليب كثير غيرها ,,
تساءلت في نفسي : هل حقاً هناك من يذهب الى هاوية الإلحاد بسبب أمور تافهة ,, كجهله بالمعنى المراد من قوله تعالى أو قضية الناسخ و المنسوخ ؟! لم أستبعد هذا الأمر و زادني يقيناً إعتراف زعيم الشياطين و أكبرهم ,,
نعم يا مستر إبليس ,, فعلاً لديك أساليب عجيبة في الإغواء ,,
إنتفخت أوداجه و هم بألقاء المزيد من الكلمات ,, و لكني قاطعته متسائلاً : و لماذا لا تترك معشر الإنس في حالهم و تترك عنك إغوائهم ؟؟
أجابني في لا مبالاة ,, لقد وعدت ربك بأن أجعلهم كلهم على ضلال إلا عباده المخلصين ,, ألم تقرأ قول ربك على لساني : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ,, ما الذي يمنعهم من السير على طريق الهدى و إخلاصهم في طاعة ربهم و تطبيق كل أحكامه ؟ لماذا تلوموني و تلعنوني و تنسبون الي التهم جزافاً و أنتم مخيرين في ذلك و لديكم القدرة على صدي ؟
أقنعي كلامه ,, فعلاً لا يستطيع إبليس الإقتراب شعرة واحدة من عباد الله المخلصين ,, هو فقط قادر على من في قلوبهم مرض و من هم مهيئين للإصغاء الى وسوسته ,,
قطع حبل أفكاري قائلاً : هل تعلم يا فتى بأنك تراني مراتٍ عديدة في اليوم الواحد ؟
لم أفهم المغزى من كلامه هذا ,, و سألته : أين و متى رأيتك يا عدو الله ؟
لوح بيده قائلاً و وهو يضحك : كثيراً كثيراً يا فتى ,, لربما بعد هذا اللقاء سوف تفهم معنى عبارتي هذه ,,
كم تمنيت لو يخبرني بقصده من عبارته تلك ,, تجاهلت الأمر و قلت : أود معرفة الكثير عنك ,, أخبرني عن نفسك ,,
صفق كفه بالأخرى و هو يضحك و قال : كم أنت مضحك يا فتى ,, سوف تعرف الكثير عني لكن ليس الآن ,,
تساءلت بدهشة : و لماذا ؟
أجاب بسخرية و هو يدنوا مني قليلاً : ألا ترغب بالذهاب الى عملك ؟
تباً ,, لقد أمضيت وقتاً طويلاً مع هذا المعتوه ,, و لا اعلم كم هي الساعة الآن !!
قفزت من مكاني و شددته من قميصه بقوة قائلاً : أريد العودة الى بيتي الآن أيها الخبيث ,,
أجابني بخبث : لا شأن لي بذلك ,,
وقفت حائراً لا أعلم ماذا أفعل ,, لا أريد أن أتأخر عن الذهاب الى العمل فلدي مهام كثيرة يجب علي إنهاؤها ,, تصاعدت الدماء الى رأسي من شدة الغضب ,, و فجأة تذكرت سبيل النجاة الوحيد ! نعم ! الله ,, هو خير معين ,, مسكت إبليس من رقبته و أنا أصرخ في وجهه : قل أعوذ برب الناس ,, ملك الناس ,, إله الناس ,, من شر الوسواس الخناس ,, الذي يوسوس في صدور الناس ,, من الجنة و الناس ,,
ظلام دامس ,, صداع شديد ,, لا ليس مرة أخرى ! لا أريد الذهاب الى ذلك المكان مرة أخرى ! فتحت عيني و نظرت من حولي و إذا بي في غرفتي ! الحمد لله الحمد لله ,, أخيراً أنا في أمان ,,
نهضت من فراشي و ركضت مسرعاً الى الحمام ,, إرتديت ثيابي بسرعة و أنا أهرول الى سيارتي مودعاً أبي و أمي ,,
ركبت السيارة ,, و أنا في الطريق أفكر بذلك الكابوس المخيف ,, و فجأة !! و من دون قصد مني !! انحنيت بسيارتي قليلاً بإتجاه إحدى السيارات في الشارع ,, فأنزل السائق نافذة السيارة و هو يهتف : إشفيك أثول أنت ؟ سكران سكران ؟ صج إنك حمار ,,
لم أعلم سر هذه البذاءة و هذا الغضب العارم !! لم أكن أقصد أن أنحني بسيارتي عليه ! و تساءلت : لماذا كل هذه الشتائم ؟
وصلت مقر عملي ,, صعدت الى الطابق السابع و توجهت الى مكتبي ,, و أثناء سيري سمعت صوت موظفان يقول أحدها للآخر : دريت ؟ فلانة اللي معانا بالشركة سمعتها مو زينة و أنا أعرف واحد من ربعي يقول إنها رايحة فيها ,, أجابه الآخر بهدوء : اترك عنك هالسالفة ,, يقولون مديرنا سكان مرته حده يخاف من مرته ,,
إستغربت من هذا الكلام ! مع أني تعودت سماع تلك الأنواع من النميمة ! و لكن في هذا اليوم بالذات بدت لي غريبة !!!!
حان موعد أذان الظهر ,, ذهبت مسرعاً الى المسجد مستغلاً فرصة إعطائنا نصف ساعة لأداء فريضة الصلاة ,, دخلت المسجد ,, و لم يكن هناك سوى قليل من المصلين !!! كان هذا المنظر مألوفاً لدي ! و لكن في هذا اليوم بدى غريباً !!!!
رجعت الى البيت ,, إرتديت ملابس الرياضة و توجهت الى النادي ,, و أثناء قيامي بالتمارين ,, رن جرس هاتف زميلي ,, سمعته و هو يقول : ألو ها يمه ؟ خير ليش داقة ؟ شنو تبين أوديج المستوصف ؟ لا لا موفاضي أنا الحين ,, دقي على أي احد ثاني يوديج ,,
ما هذا !!!! لماذا الأمور تبدوا غريبة لي !!! مع إنها مألوفة !!!
رجعت الى البيت ,, فتحت التلفاز على أحد القنوات الفضائية و إذا بهيفاء وهبي تتمايل و تتراقص بجسدها و الناس أمامها يهتفون و يزغللون !!
حملت كتبي متوجهاً الى الجامعة ,, و عند دخولي البوابة ,, رأيت في الساحة بنت و ولد جالسين في وضعية غريبة تثير التساؤل و هم يتهامسون !! دخلت الى كفتيريا الجامعة ,, و لفت إنتباهي مجموعة بنات يرتدين لباس فاضح و هن جالسات على أحد الطاولات و يضحكن بشكل مقزز جداً !!
يا الله !! لماذا تبدوا الأمور غريبة !!! ما سر ذلك !!
و فجأة !!
تردد على مسامعي صوت إبليس و عبارته الغامضة عندما جلست معه ,, والتي وددت أن أعرف المغزى من ورائها هو يقول : هل تعلم يا فتى بأنك تراني مراتٍ عديدة في اليوم الواحد ؟
و استمر صوته بترديد العبارة : هل تعلم يا فتى بأنك تراني مراتٍ عديدة في اليوم الواحد ؟ هل تعلم يا فتى بأنك تراني مراتٍ عديدة في اليوم الواحد ؟ هل تعلم يا فتى بأنك تراني مراتٍ عديدة في اليوم الواحد ؟ يعقبها صوت ضحكته العالية !!!
وقفت متسمراً في مكاني ,, أراقب الدنيا و الناس من حولي ,, ثم همست بخفوت : نعم ,, ها قد ألتقينا مرة أخرى يا إبليس