لهذه الأسباب تحوّل الموقف الفرنسي من الهجوم إلى الدفاع مع الجزائر
لعناني: باريس فقدت أدوات الهيمنة
زكري: سياسة التصعيد لم تحقق شيئا
كيف ولماذا تحوّل الموقف الفرنسي في الأزمة مع الجزائر، من الهجوم إلى الدفاع؟ وهل اكتشفت باريس أخيرا أن التصعيد العلني لا يحقق لها المكاسب التي كانت تنتظرها، وأنه قد يمنح الجزائر مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية؟ إنها أسئلة باتت مطروحة من قبل الكثير من المراقبين للعلاقات الجزائرية – الفرنسية، ولاسيما بعدما جنحت النخب السياسية والدبلوماسية والإعلامية في باريس، إلى تفادي التصعيد.
والغريب في الأمر أن من ينصحون اليوم بتبني النهج الجديد، كانوا صقورا مع بداية الأزمة، وعلى رأسهم السفير الفرنسي الأسبق بالجزائر، كزافيي دريانكور، الذي تجند منذ تقاعده في سنة 2020 من أجل التنظير لسياسة المواجهة والتصعيد مع الجزائر في كتبه ومساهماته وحواراته الصحفية، التي تحوّلت إلى خارطة طريق لليمين المتطرف في فرنسا.
وبدأ هذا التحوّل في الإستراتيجية الفرنسية تجاه الجزائر، منذ المساهمة التي كتبها الدبلوماسي الفرنسي المتقاعد، والخبير بمعهد “مونتين”، ميشال ديكلو، في جريدة “لوموند” الفرنسية بتاريخ 11 سبتمبر المنصرم، والتي لخصها في عبارة مركزة: “ستكون العلاقة بين الجزائر وفرنسا، أكثر استفادة إذا ما أُديرت بعيدا عن الأضواء وبقدر أكبر من الهدوء، ومن وجهة النظر الفرنسية، ستكون أوراق قوتنا أقوى كلما توقفنا عن منح الجزائر فرصة الاستفادة من التصعيد المنهجي وإضفاء الطابع الدرامي على الخلافات”.
ولم يلبث مؤجج الفتن، السفير الفرنسي الأسبق بالجزائر، كزافيي دريانكور، أن التحق بهذا التوجه، في الكتاب الذي أصدره الخميس المنصرم (15 أكتوبر 2026)، تحت عنوان: “دبلوماسية من دون دبلوماسيين”، والذي ضمنه أيضا نصيحة جد متأخرة مفادها أن “دبلوماسية الصمت وتقليل الضجيج في إدارة الأزمة مع الجزائر هي أقوى أدوات النفوذ الفرنسي”.
هذا التحوّل يعني من بين ما يعنيه، أن بعض النخب الفرنسية المتنفذة، وبعد مراجعتها لحصيلة التصعيد بين البلدين على مدار أكثر من سنتين، وصلت إلى نتيجة مفادها أن الضجيج الذي أثارته بعض الأوساط الفرنسية، أدى إلى تداخل الملفات السياسية والقضائية والهجرة والذاكرة، الأمر الذي جعل الخلاف أكثر تعقيدا واستعصاء على الحل .
والواقع أن ما تدعو إليه هذه النخب من تفادي الضجيج السياسي والإعلامي في إدارة الأزمة مع الجزائر، قد بدأ العمل به منذ ما ناهز السنة، وبالضبط منذ مغادرة وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو روتايو قصر بوفو، وتعويضه بالوزير الحالي لوران نونياز، وهو الذي فصل نهجه منذ البداية بأنه يرفض التصعيد مفضّلا أسلوب التهدئة، ما يعني أن ما قاله الدبلوماسيان المتقاعدان، ينسجم مع التوجه الجديد للحكومة، وبالمقابل، ينبه بعض الأصوات المنفلتة إلى أن مصلحة باريس تكمن في النهج الجديد، لأن السلوك التصعيدي لم يجلب غير الضجيج الذي يقود إلى تراجع قوة ونفوذ دولة تصنف على أنها كبرى.
وتعليقا على هذا التحوّل في موقف بعض النخب الفرنسية بشأن كيفية إدارة الأزمة مع الجزائر، يرى النائب السابق عن فرنسا، سعد لعناني، أن الكثير من النخب في فرنسا أصبحت تفكر بطريقة أكثر عقلانية بعدما اصطدموا بجدار الصد الجزائري الذي لم يكونوا يتوقعوه، ولفت إلى أن من يدفعون إلى تبني هذا النهج، هم مجرد واجهة للجهات التي تشرف على إعداد إستراتيجية الدولة الفرنسية وتوجهاتها.
ويعتقد البرلماني السابق أن “فرنسا اليوم ليست فرنسا سابقا، إنها تعيش مشاكل عويصة اقتصادية واجتماعية وهوياتية، وهذه المشاكل هي التي جعلت هذه النخب تفكر بشكل أكثر عقلانية، لأنهم لو يستمرون في نهجهم الأول، فكأنهم يدفعون إلى القيام بعمل عسكري”، كما لفت إلى أن الهيمنة كانت تعتمد في السابق على البعد العسكري، في حين أنها أصبحت اليوم اقتصادية بالدرجة الأولى.
وبرأيه، فإن تراجع الدور الفرنسي على الصعيد الاقتصادي رادع لبروز قوى صاعدة منافسة، على غرار تركيا وإسبانيا ودول أقصى شرق آسيا، من دون نسيان العملاق الصيني، وهو ما حدّ من هامش مناورة الطرف الفرنسي، الذي لم يفقد فقط ورقة الاقتصاد، بل خسر أيضا عوامل أخرى مهمة في النفوذ مثل الثقافة واللغة، مقابل اتساعه أمام الجزائر التي طوّرت من أدائها وعززت من شراكاتها، علما أن الفرنسيين كانوا قد اشتكوا مؤخرا من مقاطعة الجزائر لقطع غيار عتاد الحماية المدنية (سيارات وشاحنات رونو) المستورد من فرنسا .
أما رئيس “مرصد محاربة الإسلاموفوبيا” في فرنسا، عبد الله زكري، فيذهب إلى القول بأن جنوح الفرنسيين إلى التهدئة والعمل بعيدا عن الضجيج، إنما راجع لاقتناعهم بأن “الضغط الإعلامي لم يوفر بالضرورة أدوات إضافية لحل الملفات العالقة”، فضلا عن اقتناعهم بأن “المواجهة العلنية قد تساعد الجزائر على تقديم الخلاف باعتباره مشكلة في النهج الفرنسي نفسه، لا مجرد خلاف ثنائي حول ملف محدد، ما قد يدفع أطرافا أوروبية ودولية إلى متابعة الأزمة أو التدخل في بعض جوانبها”.
ولم يستبعد عبد الله زكري أن “يؤدي التصعيد الذي يراد منه الضغط على الجزائر إلى إضعاف قدرة فرنسا على حماية مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية فيها. فكلما طال الجمود، ازدادت صعوبة الفصل بين الخلاف السياسي والتعاون العملي”، علما أن السفارة الجزائرية بباريس لا تزال من دون سفير منذ اندلاع الأزمة في صائفة 2024.
ولفت رئيس “مرصد مكافحة الإسلاموفوبيا” إلى وجود اختلاف داخل المؤسسة الدبلوماسية الفرنسية بشأن كيفية التعامل مع الجزائر، فهناك اتجاه يميل إلى المواجهة والضغط العلني، واتجاه آخر يرى أن التصعيد المتكرر يفاقم الأزمة ويقلّص فرص المناورة الفرنسية، وهو توجه بدأ يكسب المزيد من التأييد على حساب الطرف الذي يدعو إلى التصعيد.