اقتصاد
رفضوا الرقمنة... وتورطوا في تأجير السجل والاستيراد الوهمي:

لهذه الأسباب شطب متعاملون أنفسهم من السجل التجاري!

إيمان كيموش
  • 13323
  • 0

باشرت وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، بالتنسيق مع مصالح وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، تنفيذ إجراءات رقمنة واسعة شملت مختلف مفاصل النشاط التجاري، بهدف تسهيل تسجيل النشاطات الاقتصادية، تبسيط الإجراءات الإدارية، اختصار الآجال لفائدة المتعاملين الاقتصاديين والتجار، غير أن هذه الرقمنة، التي رُوّج لها كآلية لتحديث القطاع وتحسين الخدمة العمومية، كشفت في المقابل عن الوجه الآخر للسوق، إذ وضعت حدا للتجاوزات والممارسات غير القانونية التي كانت سائدة في السابق، لاسيما ما تعلق باستغلال السجلات التجارية، لتأجيرها لآخرين، وممارسة نشاطات وهمية. 
ودفعت هذه الاجراءات عددا معتبرا من المتلاعبين إلى شطب سجلاتهم التجارية طوعا، مخافة الانكشاف أمام منظومة رقمية قائمة على الربط البيني وتبادل المعطيات.

البرنامج التقديري للتجارة الخارجية يفرض الانضباط مع الضرائب و”الكناص”

وحسب معطيات وقفت عليها “الشروق”، باشرت مصالح وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، بالتنسيق مع وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات ومصالح الضمان الاجتماعي، عملية واسعة للتأكد من هوية ووضعية أصحاب السجلات في إطار عملية تطهير واسعة، شملت من جهة كشف حقيقة نشاط المستفيد الحقيقي، ومن جهة أخرى التدقيق في طبيعة ممارساته التجاريه المصرّح بها فعليا.
وتندرج هذه العملية في إطار مسعى حكومي لتنظيم النشاط التجاري، وتعزيز الشفافية، ووضع حدّ للتجاوزات التي عرفها القطاع خلال السنوات الماضية، لاسيما ما تعلق باستغلال السجلات التجارية في أنشطة وهمية أو غير مطابقة للتصريحات الرسمية.
وأفادت نفس المعطيات أن عملية ضبط النشاطات التجارية أدّت إلى شطب عدد معتبر من السجلات التجارية، بعد تبيّن أن أصحابها إمّا لا يمارسون أي نشاط فعلي، أو يستغلون سجلاتهم لأغراض غير قانونية، وتشير التحقيقات الأولية إلى أن جزءا كبيرا من هؤلاء كانوا يقومون بتأجير سجلاتهم التجارية لأشخاص آخرين، فيما تورّط آخرون، خاصة من أصحاب شركات الاستيراد، في ممارسة ما يُعرف بـ”التصنيع الوهمي”.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر “الشروق” أن وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، وخلال إعدادها للبرنامج التقديري الخاص بالمصنّعين، طلبت معطيات دقيقة من وزارة التجارة الداخلية ومصالح الضمان الاجتماعي (الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للأجراء وصندوق غير الأجراء) وحتى الضرائب، تتعلق بطبيعة السجل التجاري والنشاط الحقيقي الذي يمارسه هؤلاء المتعاملون ومدى انضباطهم أمام مصالح الضمان الاجتماعي والضرائب .
هذا التنسيق البيني كشف وجود عدد معتبر من المتعاملين المصرّحين كنشاط “تصنيع”، من دون وجود أي ورشات أو وحدات إنتاج حقيقية على أرض الواقع، وهو ما دفع بالكثير منهم إلى المبادرة بشطب سجلاتهم التجارية تفاديا لأي متابعات قانونية محتملة.
وحسب المعطيات الأولية، تم إحصاء أزيد من 20 ألف شركة وهمية، أغلبها مسجّل على أساس ممارسة نشاط الاستيراد بحجة التصنيع، أو في إطار الإنتاج والخدمات، من دون أي نشاط فعلي مطابق للتصريحات، أو تأجير سجلاتها لأشخاص آخرين.
وفي الإطار ذاته، أفادت مصادر “الشروق” أن عددا كبيرا من التجار فضّلوا شطب سجلاتهم التجارية بدل الانتقال إلى السجل الإلكتروني، في خطوة فُسّرت بتخوّفهم من متطلبات الشفافية التي تفرضها الرقمنة، وما تتيحه من ربط آني بين مختلف المصالح الإدارية والمالية والاجتماعية.

البرامج التقديرية لعمليات الاستيراد تنهي التحايل على الدولة
ومن جهة أخرى، شكّلت المنصة الرقمية الخاصة بالبرامج التقديرية لاستيراد المواد الأولية، التي أطلقتها وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، خطوة نوعية في مسار تنظيم التجارة الخارجية وتعزيز الشفافية، حيث أسهمت بشكل فعّال في وضع حدّ لممارسات التحايل التي كان يلجأ إليها بعض المستوردين.
وقد مكّنت هذه المنصة من ضبط عمليات الاستيراد عبر اعتماد شروط تسجيل دقيقة وواضحة، تُلزم المتعامل الاقتصادي بالتصريح الحقيقي بنشاطه، وضمان التصريح بالعمال لدى هيئات الضمان الاجتماعي، إلى جانب الالتزام الكامل بالواجبات الجبائية، وهو ما جعل من عملية إيداع البرامج التقديرية أداة رقابية فعّالة، تُقصي المتعاملين الوهميين وتمنع تسرب الامتيازات إلى غير مستحقيها.
وفي هذا السياق، برز الدور المحوري للعمل الحكومي التنسيقي بين مختلف القطاعات، لاسيما التجارة، المالية، الجمارك، الضمان الاجتماعي، حيث ساهم تبادل المعطيات وربط الأنظمة المعلوماتية في كشف العديد من حالات التصريح الكاذب ومحاولات التحايل على القوانين، سواء من خلال تضخيم الفواتير أو استيراد مواد لا تتوافق مع النشاط الحقيقي للمؤسسة.
كما سمحت هذه الآلية الرقمية بتوجيه الاستيراد نحو تلبية الحاجيات الفعلية للمؤسسات المنتجة، خاصة في مجال المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، بما يضمن استمرارية النشاط الصناعي، ويحافظ في الوقت ذاته على احتياطي الصرف، ويعزز مبدأ ترشيد الواردات.
ويُجمع المتابعون على أن اعتماد البرامج التقديرية عبر منصة رقمية شفافة يمثّل نقلة نوعية في حوكمة التجارة الخارجية، ويعكس توجهاً واضحاً نحو إرساء مناخ اقتصادي قائم على النزاهة، وتكافؤ الفرص، ومحاربة كل أشكال الغش والتحايل، في إطار إصلاحات عميقة تهدف إلى حماية الاقتصاد الوطني ودعم الإنتاج الحقيقي.
وأكد متابعون أن  نجاعة المنظومة الجديدة للبرامج التقديرية، التي لم تعد تكتفي بدراسة الأرقام على الورق، بل تقوم بتحليل شامل لوضعية المتعامل من حيث عدد العمال، حجم الإنتاج، القدرة التخزينية، السجل الجبائي، ما يسمح بالتمييز بين المؤسسات المنتجة الحقيقية وتلك التي تنشط فقط في الاستيراد بغرض المضاربة أو إعادة البيع.

مقالات ذات صلة