لهذه الأسباب نجح توقيت غار جبيلات الآن!
تقترب الجزائر من طيّ صفحة الإنجاز والدخول فعليا في مرحلة الاستغلال لمشروع غار جبيلات، فيما تستعد السلطات العليا، تنفيذا لالتزام رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أمام غرفتي البرلمان، لتدشين خط القطار الرابط بين بشار وتندوف بكامل مقاطعه في فترة وجيزة عقب استكمال الأشغال، إيذانا بوضع الخط المنجمي الغربي حيّز الخدمة.
ويرى خبراء أن المشروع يرى النور اليوم بفضل تلاقي عوامل عدة، أبرزها الإرادة السياسية، والإصلاح التشريعي الذي جعل المشروع قابلا للتمويل، والنضج التقني في المعالجة والإثراء المعدني، وربط المنجم بسلاسل تحويل محلية، والتخطيط اللوجيستي عبر السكك الحديدية الثقيلة، إلى جانب تقليل كلفة النقل والإنتاج، وغيرها من العوامل التي أسهمت في نجاحه اليوم خلافا للسابق.
هادف: المشروع حقيقي لقدرة الجزائر على كسر تبعية المحروقات
وبهذا الصدد، يؤكد الخبير عبد الرحمن هادف أن مشروع غار جبيلات يمثل اليوم أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تعكس التحول العميق في مقاربة الجزائر للتنمية الاقتصادية، ليس فقط من حيث حجم الاحتياطات أو الطابع المنجمي للمشروع، بل من حيث موقعه ضمن رؤية أشمل لإعادة بناء النموذج الاقتصادي الوطني، فالمشروع لم يعد يُطرح كاستغلال مورد طبيعي مؤجل، بل كرافعة صناعية ولوجيستية وهيكلية جاءت في توقيت تتقاطع فيه الإرادة السياسية مع إصلاح تشريعي عميق ونضج تقني واقتصادي لم يكن متوفرا في السابق.
بداية العد التنازلي للاستغلال وتدشين خط القطار الجديد بشار ـ تندوف بكامل المقاطع
وحسب الخبير، لقد شكّل القانون المنجمي الجديد نقطة تحوّل أساسية في إعادة الاعتبار للقطاع، حيث وفّر وضوحا قانونيا واستقرارا تشريعيا يتلاءم مع طبيعة الاستثمارات الثقيلة طويلة الأمد، هذا الإطار الجديد، المتكامل مع قانون الاستثمار، قلّص من المخاطر غير الاقتصادية وفتح المجال أمام شراكات صناعية قادرة على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، وهو ما جعل مشروعا بحجم غار جبيلات ينتقل من خانة المشاريع عالية المخاطر إلى خانة المشاريع القابلة للتمويل والتنفيذ، وفي الوقت ذاته، بلغ المشروع درجة من النضج التقني سمحت بتجاوز أحد أبرز عوائقه التاريخية، والمتمثل في طبيعة الخام وارتفاع نسبة الفوسفور.
ويرى المتحدث التطور الحاصل في تقنيات المعالجة والإثراء المعدني، إلى جانب حلول الاختزال المباشر، أعاد تعريف الجدوى الاقتصادية للمنجم، خاصة عند ربطه بسلاسل تحويل محلية بدل تصدير خام محدود القيمة. هذا التطور لم يُقلّص فقط المخاطر الصناعية، بل فتح آفاقًا حقيقية لرفع القيمة المضافة للطن المنتج، وهو عنصر حاسم في اقتصاد يبحث عن الاستدامة لا عن العائد السريع. أما البعد اللوجيستي، فقد شهد هو الآخر تحوّلا نوعيا، حيث لم يعد الموقع الجغرافي للمنجم عائقا بنيويا، بل أصبح جزءا من تصور وطني لتطوير الممرات اللوجيستية وربط الجنوب بمراكز الإنتاج والتحويل والموانئ.
كما أن إدماج غار جبيلات ضمن مخطط السكك الحديدية الثقيلة، إلى جانب خيار تموضع وحدات التحويل بالقرب من المنجم، أعاد حساب كلفة النقل والإنتاج، ورفع تنافسية المنتج الوطني في الأسواق الداخلية والخارجية، مع أثر مباشر على التنمية الإقليمية المتوازنة، انطلاقا من هذه الأسس، يكتسب مشروع غار جبيلات بعده الاستراتيجي في مسار خروج الجزائر من تبعية المحروقات.
فالاقتصاد الوطني لا يزال يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والغاز، في حين تبقى مساهمة القطاعات الصناعية غير النفطية محدودة، ما يجعل التوازنات المالية رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، وفي هذا السياق، يقدّم غار جبيلات بديلا عمليا لتوسيع قاعدة الإنتاج والتصدير، مستندا إلى احتياطات تُقدّر بأكثر من ثلاثة فاصل خمسة مليار طن من خام الحديد، وقدرات إنتاج قابلة للتدرّج على مدى عقود، كما أن تحويل جزء معتبر من هذا الإنتاج محليا يتيح تقليص واردات الحديد والصلب التي استنزفت خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات من العملة الصعبة، وهو ما ينعكس إيجابا على الميزان التجاري.
هباش: القيمة الحقيقية ليست في الخام بل في ما سيُبنى حوله
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي فارس هباش أن مشروع غار جبيلات لم يعد مجرد منجم حديد في الجنوب الغربي، بل أصبح أحد أهم مشاريع التحول الاقتصادي في الجزائر، لأنه يجمع بين ثروة طبيعية ضخمة واستثمار هيكلي في البنية التحتية والصناعة والتصدير، فالعائد من المشروع لا يقتصر على بيع الخام، بل يشمل منظومة نمو كاملة تتضمن الاستخراج، النقل، المعالجة الصناعية، التحويل، الاندماج في سلاسل التوريد الإقليمية والدولية، ما يجعله جزءا من استراتيجية أوسع لتنويع الاقتصاد وتعزيز الصادرات خارج المحروقات وخلق أقطاب تنمية جديدة داخل البلاد.
ويبدأ التأثير الاقتصادي للمشروع من حجم الاحتياطي الضخم، حيث يُقدّر احتياطي غار جبيلات بحوالي 3.5 مليار طن من خام الحديد، ما يجعله من أكبر الاحتياطات في المنطقة، هذا الحجم الكبير لا يعني وفرة المورد فقط، بل يوفر استدامة طويلة الأمد، ويجذب الاستثمارات، ويسهّل تخطيط الصناعات الثقيلة، ويعزز الشراكات الصناعية على أساس موارد مؤكدة لعقود، ما يمنح الجزائر، حسب الخبير رصيدا استراتيجيا يمكن تحويله إلى قدرة إنتاجية وصناعية وصادرات متزايدة بمرور الوقت.
وعلى الصعيد الداخلي، يخلق المشروع سلسلة قيمة وطنية للحديد والصلب، حيث يصبح الخام المحلي مدخلا للصناعة، مما يزيد القيمة المضافة داخل البلاد ويوسع شبكة المؤسسات المرتبطة بالقطاع، من المقاولات والخدمات اللوجستية إلى شركات الصيانة، والصناعات الميكانيكية والكهربائية، والخدمات الرقمية والتحكم الصناعي، وبالإضافة إلى العوائد المباشرة، يولد المشروع – يقول هباش – ما يُعرف بـ”الأثر المضاعف”، إذ يرفع كل دينار يُصرف في البنية التحتية والتشغيل والصيانة الطلب على قطاعات أخرى، وينعش الدورة الاقتصادية في مناطق كانت خارج مركز النشاط الصناعي لعقود.
وتتقوى هذه الديناميكية مع توسع الصناعات المحلية، خاصة في الحديد والصلب بالغرب، حيث وصلت القدرة الإنتاجية للمواد ذات القيمة المضافة العالية مثل الصفائح واللفائف إلى 2.5 مليون طن سنويا، ما يجعل القطاع قادرا على التصدير بشكل فعّال، مع هدف مليار دولار صادرات، ليصبح الصلب الجزائري قطاعًا مؤثرا ضمن الصادرات خارج المحروقات.
علاوة على الصناعة الثقيلة، يحرك المشروع قطاعات واسعة على مستوى البنية التحتية، مثل مشروع السكة الحديدية المنجمية بطول يقارب 950 كلم، والذي لا يخدم النقل فقط، بل يخلق شبكة اقتصادية متكاملة تشمل الأشغال العمومية الكبرى، المحطات، ورشات الصيانة، خدمات النقل والتخزين والمناولة، ما يرفع الطلب على المقاولات الوطنية ويعزز قطاع الهندسة والأشغال العمومية كقاطرة تشغيل واستثمار طويل الأمد.
وفي المحصلة، يمثل غار جبيلات فرصة لتعزيز التنمية في الجنوب الغربي من الجزائر، وخلق نشاط اقتصادي مستمر، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع تعزيز موقع الجزائر في سلاسل التوريد الإقليمية، وبناء بنية تحتية استراتيجية، وتحويلها تدريجيا إلى فاعل صناعي إقليمي قادر على المنافسة عالميا.