العالم
الدور الوظيفي للرباط يحتم على الغرب التكفل بتوفير الحماية له

لهذه الأسباب يسارع رعاة نظام المغرب لإنقاذه في كل مرة !

محمد مسلم
  • 8743
  • 0
ح.م

بشير محمد لحسن: فرنسا هي حامية المملكة وما يصدر غير مستغرب
حسام حمزة: واشنطن تحاول إنقاذ القصر العلوي خوفًا من تراجع دوره

كلما تعرض النظام المغربي لنكسة سياسية أو دبلوماسية أو قانونية، إلا وسارع حماته للدفاع عنه بكل السبل، وعدم تركه لمصيره، ويمكن تلمس هذه المقاربة من خلال قرائن وشواهد سابقة، وأكثرها فجاجة ما حصل منذ السنة المنصرمة وإلى غاية أيامنا الراهنة.
في أكتوبر 2024، ومباشرة بعد قرار محكمة العدل الأوروبية، القاضي بعدم قانونية اتفاقية الصيد والزراعة الموقعة بين النظام المغربي والاتحاد الأوروبي، والذي خلف صدمة كبيرة وهز أركان القصر إلى درجة أن الخارجية المغربية قالت إن هذا القرار “لا يعني المغرب”، سارع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون لزيارة الرباط، وخطب في البرلمان ليقول واهما بأن الصحراء الغربية مغربية، متحديا القضاء الأوروبي.
مطلع الشهر الجاري، وعلى بعد أيام من انتهاء مهلة اتفاق الصيد استنادا إلى قرار محكمة العدل الأوروبية، والتي صادفت الرابع من أكتوبر 2025، سارعت الدول الأوروبية إلى الالتفاف على القرار، وجددت اتفاقية الصيد مع النظام المغربي، في تحد صارخ لقرار العدالة الأوروبية.
وقبل أقل من أسبوع، وبينما كانت أركان القصر العلوي تهتز تحت هتافات الشباب المغربي المطالب بتصحيح الوضع السياسي والاقتصادي المتردي ومحاسبة المتسببين في ذلك، سربت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع لائحة ستعرض على مجلس الأمن الدولي نهاية الأسبوع الجاري، يسعى إلى تقويض مبادئ وقرارات الأمم المتحدة، بالقفز على القرار الأممي الصادر في سنة 1991، القاضي بإقامة استفتاء تقرير مصير الشعب الصحراوي، ومحاولة فرض مخطط الحكم الذاتي، الذي طرحه النظام المغربي في سنة 2007.
المشهد لا يحتاج إلى عناء تفكير لفك تشفير ألغازه، ويمكن تلخيص ذلك في السؤال التالي: هو لماذا يسارع حماة النظام المغربي كل مرة من أجل إنقاذه في مشهد دعائي يستهدف تخدير الشعب المغربي الغارق في الفقر والبطالة، وتحويل أنظاره بعيدا عن قضاياه المصيرية، والمثير في الأمر هو أنه حتى كرة القدم تم توظيفها في هذه المسرحية سيئة الإخراج… ترى ما رأي المحللين في كل هذا؟
يعتقد بشير محمد لحسن، الباحث في جامعة إشبيلية بإسبانيا، أن النظام المغربي هو مجرد أداة وظيفية بأيدي القوى الغربية، مكلف بأدوار يؤديها، مقابل حصوله على الحماية السياسية والاقتصادية، من تلك القوى. ويقول بهذا الصدد: “التدخل الغربي لإنقاذ النظام الوظيفي في المغرب ليس بجديد ولعلنا نتذكر التدخلات منذ بداية احتلال المغرب بالصحراء الغربية”.
ويضيف المحلل: “لقد اعترف السفير الفرنسي في الأمم المتحدة قبل سنة بأن الطائرات العسكرية الفرنسية تدخلت في بعض المعارك التي انهزم فيها جيش المغرب وقتل فيها الكثير من المقاتلين والشعب الصحراوي معا. لذلك كلما كان المغرب في ضيق تدخلت الدول الغربية التي تعتبر نظام المخزن نظاما وظيفيا يجب حمايته حتى ولو بالتدخل العسكري المباشر”.
وكشف الباحث في جامعة إشبيلية تورط الولايات المتحدة الأمريكية في دعم النظام المغربي على حساب حقوق شعب مسلوب السيادة، قائلا: “حتى الولايات المتحدة الأمريكية، حسبما نشر في الوثائق السرية التي كشف عنها، تؤكد أيضا أن الجدار العازل الذي أقيم في الصحراء الغربية كان فكرة أمريكية صهيونية لوقف تقدم الصحراويين”.
ويتحدث بشير محمد لحسن، عن تورط إسبانيا، المستعمرة التاريخية للصحراء الغربية، في دعم النظام المغربي: “لقد تكشّف في إسبانيا أن مخطط الحكم الذاتي فكرة مصدرها رئيس الحكومة الإسبانية الاشتراكي خوثي لويس ثاباتيرو، والذي هو أكبر حليف لنظام الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية، ويدافع عن أطروحة الاحتلال المغربي في الصحراء الغربية في دول أمريكا اللاتينية، كما يُستعمل كمدافع عن الاحتلال المغربي في الداخل الإسباني”.
ولذلك ليس بجديد، يضيف المتحدث، أن تهب الدول الغربية لإنقاذ النظام المغربي كلما كان أمام انتصار يحققه الشعب الصحراوي، خاصة لما يتعلق الأمر بانتصار من الناحية القانونية، كما حصل مع قرار محكمة العدل الأوروبية الذي أكد بأنه لا توجد أية روابط سيادة أو تبعية بين الصحراء الغربية والمغرب.
وتوقف الباحث بجامعة إشبيلية عند التورط الفرنسي في دعم محميته المغربية، وأشار هنا إلى دور الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون: “فرنسا كما هو معلوم هي حامية النظام المغربي. وقد سارع ماكرون للقيام بزيارة إلى المغرب وخطب أمام البرلمان هناك مدافعا عن سيادة المغرب (المزعومة) على الصحراء الغربية”.
وبرأي الباحث، فإن مشروع لائحة الولايات المتحدة الأمريكية المرتقب عرضها على مجلس الأمن الدولي، تندرج في سياق التأثير على الانتصارات التي حققها الشعب الصحراوي ضد النظام الوظيفي في المغرب، وقال “بعد كل هذه القرارات والانتصارات التي حققها الشعب الصحراوي، تلجأ إدارة ترامب بضغط من اللوبي الصهيوني، لأن نظام المخزن طبع مع الكيان وقدم تنازلات أمنية وعسكرية واجتماعية وثقافية وحتى اقتصادية كبيرة جدا من أجل دعم إسرائيل، مقابل حصوله على هذا الدعم”.
لذلك، يضيف بشير محمد لحسن، ليس بغريب أن يحصل النظام المغربي على هذا الدعم من أجل إنقاذه، والمتمثل في المقترح الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى مجلس الأمن. وتساءل: “هل ستوافق باقي البلدان التي تتمتع بحق الفيتو، وحتى ولو تم تمريره فلن يتمكن من تجسيده وسيكون لاغيا، لأن جبهة البوليساريو كانت قد أكدت بأنها لن تنخرط في أي مقترح لا يشمل تقرير المصير”.
وبرأي الباحث، فإن نظام المخزن يحاول إلهاء شعبه بكرة القدم، وهي أفيون الشعوب كما يقال، من أجل حرف مطالب “جيل زاد”، والتي بدأت تأخذ طابعا سياسيا بعدما كانت مطالب اجتماعية واقتصادية. “اليوم يطالب الحراك الشعبي في المغرب بمحاسبة المسؤولين الفاسدين، والتساؤل عن الملك الذي هو غائب تماما عن البلاد ولا يضطلع بمهامه، وقام بتسليم التسيير لنخبة فاسدة تتصرف في ثروات الشعب المغربي”.
من جهته، يرى حسام حمزة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، أن وضعية “الحليف الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية من خارج منظمة حلف شمال الأطلسي التي يتمتع بها المغرب منذ 2004، هو تصنيف يمنحه موقعا مميزا في الاستراتيجية الأميركية، سواء من حيث التعاون الأمني والعسكري أو من حيث المكانة السياسية مقارنة بدول شمال إفريقيا”.
بيد أن هذا الموقع الذي مثل لسنوات ضمانة لاستقرار العلاقة مع واشنطن، وفق حسام حمزة، صار اليوم مهددا بتحديات داخلية وإقليمية متداخلة دفعت الإدارة الأميركية إلى التحرك في اتجاه غير متوقع تمثل في الإعلان عن وساطة محتملة بين الجزائر والمغرب.
ورغم أن هذه المبادرة قد تبدو، حسب أستاذ العلوم السياسية، في ظاهرها خطوة دبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين بلدين جارين، فإن توقيتها ومضمونها يوحيان بأنها محاولة إنقاذ للمغرب، تهدف إلى احتواء ارتدادات أزمة داخلية متفاقمة، والحفاظ على توازنات إقليمية دقيقة في فضاء مغاربي مضطرب.
ويضيف: “في ظل ما يشهده المغرب من فقدان الثقة في المؤسسات، وتآكل الشرعية الاقتصادية للحكومة، وتراجع قدرة القصر على امتصاص الغضب يبدو بأن واشنطن أدركت خطورة الوضع الداخلي لحليفها فبادرت إلى إطلاق مبادرة دبلوماسية تمنح المخزن متنفسا خارجيا يعيد توجيه اهتمام الرأي العام من الداخل إلى ما سماها “القضايا الوطنية الكبرى”.
وانطلاقا من هذا التحليل، يقول حسام حمزة، يمكن اعتبار أن الإعلان عن الوساطة الأميركية يمنح الرباط، ولو مؤقتًا، فرصة لاستعادة المبادرة ولو شكليا، عبر تقديم نفسها كفاعل إقليمي منفتح على الحوار بدعم من واشنطن، بدل أن ينظر إليها كدولة مأزومة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومتراجعًا إقليميا.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة، وفق المتحدث، أن الجزائر عززت موقعها إقليميا خلال الأعوام الأخيرة بفضل دورها النشط في إفريقيا والمغرب العربي، وبفضل ثقلها الطاقوي في السوق الأوروبية. ووفقا للمنظور الأميركي، أوجد هذا الصعود الجزائري، حسب أستاذ العلوم السياسية، نوعا من الخلل النسبي في ميزان القوى المغاربي جعل واشنطن تخشى من تراجع الدور المغربي الذي اعتمدت عليه طويلاً كحليف عسكري وسياسي ثابت.
من هنا، يضيف المتحدث، يمكن القول أيضا إن الوساطة جاءت كآلية تحاول إعادة التوازن الرمزي والسياسي بين الجزائر والرباط ومنح الأخيرة جرعة من “الوزن الدبلوماسي” تساعدها على الخروج من عزلتها المتنامية دون المساس بالمصالح الجزائرية بشكل مباشر.
ويخلص الأستاذ بجامعة الجزائر إلى أن المبادرة الأميركية “يمكن اعتبارها إجراء وقائيا للحفاظ على النفوذ الأميركي في شمال إفريقيا في وقت تتراجع فيه مكانة فرنسا التقليدية وتتسع فيه هوامش الحضور الروسي والصيني”.
وعليه، فإن أي اهتزاز داخلي في المغرب، أو تراجع لموقعه الإقليمي، قد يفتح الباب أمام قوى غير غربية لملء الفراغ، معتبرا المبادرة ليست غاية في ذاتها، بل هي وسيلة لإعادة تثبيت المغرب داخل المدار الغربي، وإظهار واشنطن كضامن لاستقراره واستمرارية موقعه كحليف رئيس من خارج الناتو، على حد تعبيره.

مقالات ذات صلة