لهذه المزايا… “غار جبيلات” مشروع القرن في الجزائر!
توقعات بصادرات تتجاوز 12 مليار دولار سنويّا وخلق 25 ألف منصب شغل
هياكل معدنية للسكن والسيارات والميكانيك.. وتوفير الحديد لتغذية الصناعة الوطنية
يُجمع الخبراء على أن منجم غار جبيلات بات “مشروع القرن” في الجزائر، بالنظر إلى إمكاناته الاقتصادية الهائلة التي تُكشف لأول مرة، فالمعطيات التي حصلت عليها “الشروق” تؤكد أن المشروع قادر على ضخّ أكثر من 12 مليار دولار سنويا من صادرات الحديد خارج المحروقات، وتحويل الجزائر من بلد مستورد إلى مصدر عالمي للحديد.
كما سيساهم في خلق ما يفوق 25 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتموين مصانع السيارات التي أمر رئيس الجمهورية بتطويرها في مجلس الوزراء الأخير، وتزويد مشاريع السكن ذات الأولوية الحكومية بالهياكل المعدنية، إلى جانب دعمه للصناعات الثقيلة، والميكانيكية، والكهرومنزلية، والسكك الحديدية.
ويُعد هذا المشروع الأبرز والأكثر تميّزا ضمن مشاريع حقبة الرئيس عبد المجيد تبون، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وجيوسياسية عميقة، أبرزها إدماج الجنوب الغربي لأول مرة في خارطة التصنيع الوطني.
منجم عملاق يغير قواعد اللعبة الاقتصادية في الجزائر
وفي السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي فارس هباش، في تصريح لـ”الشروق” أن منجم غار جبيلات يُعد رهانا كبيرا لمستقبل التعدين والصناعة في الجزائر، نظرا لما يحمله من إمكانات ضخمة على المستويات المحلية والوطنية والدولية، إذ يقع المنجم على بُعد حوالي 160 كيلومتر جنوب شرق مدينة تندوف، في منطقة صحراوية صعبة التضاريس لكنها غنية بالثروات المعدنية، وقد تم اكتشافه سنة 1952 باحتياطات تُقدّر بـ3.5 مليار طن من الحديد، منها 1.5 مليار طن قابلة للاستغلال الصناعي، بنسبة تركيز حديد تتراوح بين 55 و58 بالمائة، ما يجعله واحدا من أغنى المناجم غير المستغلة في العالم، سواء في المنطقة العربية والإفريقية أو عالميا.
ويرتبط المشروع بعدة منشآت مرافقة، أبرزها خط السكة الحديدية بطول 950 كيلومتر بين تندوف وبشار لنقل الخام إلى موانئ التصدير أو المصانع، وهو مشروع يعرف وتيرة إنجاز متسارعة، كما يشمل إنشاء محطات لتحلية المياه لتوفير الموارد المائية الضرورية للمنجم، إضافة إلى مصانع معالجة لفصل الفسفور وتحويل الخام إلى منتجات قابلة للتصنيع أو التصدير.
ويقدّر الغلاف الاستثماري لإنجاز المشروع بكافة مراحله ما بين 7 إلى 10 مليار دولار، مع قدرة إنتاجية مبدئية تتراوح بين 2 إلى 3 مليون طن سنويا خلال الفترة 2022 – 2025، ترتفع لاحقا لتصل إلى 40 أو 50 مليون طن سنويا بعد 2026. ومن المتوقع أن تستفيد من هذه المادة الحيوية عدة قطاعات، على رأسها صناعات الحديد والصلب بأنواعها، وصناعة السيارات التي يوليها رئيس الجمهورية أهمية خاصة وأمر بتطوير مساهمتها في ترقية الصناعة بنسبة 12 بالمائة في مجلس الوزراء الأحد الماضي، والميكانيك، والبناء، والصناعات الكهرومنزلية والدقيقة.
هذه أسباب تهميش المنجم… والمعطيات تغيرت بعد 2019
ويشير هباش، إلى أن المنجم ظل مهمشا لعقود بسبب مجموعة من العوائق المتداخلة، منها التقنية والجيوسياسية والاقتصادية، فقد شكّل ارتفاع نسبة الفسفور في الخام تحديا تكنولوجيا كبيرا نظرا لعدم توفر تقنيات المعالجة المكلفة في العقود الماضية، كما شكّل الموقع البعيد، وصعوبة توفير البنية التحتية من مياه وكهرباء وطرق وسكك حديدية، أحد أكبر العوائق أمام استغلاله.
ويُضيف أن غياب الشركاء التكنولوجيين القادرين على الاستثمار في مشاريع معالجة الفسفور واستخلاص الحديد، إلى جانب هيمنة قطاع المحروقات على الاقتصاد لعقود، كلها عوامل أخّرت استغلال هذا المورد الاستراتيجي، إلى أن تغيرت المعطيات ابتداء من 2019، مع صعود إرادة سياسية واضحة نحو التنويع الاقتصادي، كان من أبرز تعبيراتها إعادة بعث غار جبيلات من جديد.
مزايا الشراكة مع الصين
ويُشدد هباش، على أن الإرادة السياسية الحالية لرئيس الجمهورية شكلت نقطة تحول حاسمة، إذ لم تقتصر على التصريحات، بل وفرت الموارد المالية، وربطت المنجم بمشاريع استراتيجية على غرار شبكة السكك الحديدية والمياه والطاقة، ما يمثل قفزة نوعية في مسار الاقتصاد الوطني، ويبرز في هذا السياق إبرام شراكات تكنولوجية مع شركات كبرى، خصوصًا من الصين، على غرار شركة “سينوستيل” التي تمتلك تكنولوجيا دقيقة لمعالجة خامات الحديد العالية الفسفور، إلى جانب حلولها الأقل تكلفة.
ويلفت إلى أن هذه الديناميكية ستمكن الجزائر من إنتاج كميات ضخمة من الحديد، تُوجه نحو مشاريع استراتيجية كبرى مثل مشاريع السكن بمختلف صيغها، ومشاريع السكك الحديدية، وصناعة السيارات، عبر توفير الصفائح المعدنية والهياكل، ما يتيح قيام سلسلة صناعية متكاملة قادرة على تلبية حاجيات مصانع السيارات الوطنية، وحتى تلبية حاجيات مصانع الحديد التي تعهدت بتصنيع هياكل السيارات مثل مركب “توسيالي” وغيره.
كما يُمكن للقطاع الميكانيكي أن يستفيد بدوره من هذه المادة الحيوية، سواء في تصنيع الآلات أو قطع الغيار، فضلا عن فتح فرص التصدير نحو الأسواق المجاورة، أما من حيث المردود المالي، فإن غار جبيلات قادر على أن يتحول إلى أحد أهم مصادر العملة الصعبة خارج قطاع المحروقات، وذلك من خلال دعمه للتصنيع المحلي، ورفع القيمة المضافة للموارد المعدنية.
ويرى هباش أن المشروع سيمثل قفزة جبائية أيضا من خلال الضرائب على الشركات المنجمية، ما سيرفع من مداخيل الدولة ويُعزز احتياطي النقد الأجنبي، كما سيخلق آلاف مناصب العمل المباشرة وغير المباشرة، بما ينعكس على التنمية المحلية لولايات الجنوب، ويُقلص من الفوارق الجهوية عبر إدماج مناطق الجنوب الغربي في الدورة الاقتصادية الوطنية.
ويُؤكد أن الخطط المرتبطة بغار جبيلات لا تقتصر فقط على استخراج وتصدير الحديد، بل تتضمن توجها واضحا نحو التثمين الصناعي، عبر إنتاج مواد نصف مصنعة وتامة الصنع، ما يمنح قيمة اقتصادية مضافة أكبر، ويُمهّد لبروز الجزائر كلاعب صناعي محوري في إفريقيا وأسواق البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.
ولا يغفل هباش التأثير الجيوسياسي لهذا المشروع، إذ يُمكّن الجزائر من تعزيز دورها الإقليمي، وربط منطقة تندوف المعزولة سابقا بباقي أنحاء الوطن، وتحويلها إلى قطب اقتصادي يرتبط بإفريقيا ويشكل نقطة عبور تجاري حيوي.
ويختم الخبير تصريحه بالتأكيد على أن غار جبيلات ليس مجرد منجم، بل مشروع وطني ضخم قادر على إعادة رسم خارطة الاقتصاد الجزائري، وتحقيق نقلة نوعية نحو اقتصاد متنوع وصناعي، شريطة التسريع في التنفيذ وتحقيق النتائج على أرض الواقع.
نقطة تحول كبرى في الجنوب الغربي
أما الخبير الاقتصادي مراد كواشي، فيصف منجم غار جبيلات بأنه “مشروع استراتيجي بامتياز”، معتبرا إياه “الأكثر تميزا على الإطلاق ضمن المشاريع الكبرى التي أُطلقت خلال حقبة الرئيس عبد المجيد تبون”، لما يحمله من أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة، قادرة – حسبه – على فك العزلة عن منطقة الجنوب الغربي التي طالما عانت التهميش ولم تنل نصيبها من التنمية.
وأكد كواشي في تصريح لـ”الشروق” أن المشروع سيُحوّل الجزائر من مستورد للحديد إلى بلد مُصدّر، مع إطلاق كميات ضخمة للتصدير، ما سيدعم ميزان المدفوعات ويعزز حضور الجزائر في الأسواق العالمية.
وأضاف أن الأثر المحلي للمشروع سيكون فوريا، من خلال خلق عدد كبير من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وربط المنطقة بشبكة من المشاريع المرافقة، على غرار النقل البري وخط السكة الحديدية المنجز بين بشار وتندوف، الذي سيُسهّل تدفق السلع والبضائع ويدفع بعجلة النشاط التجاري.
ويرى المتحدث أن هذا المشروع سيسهم في بناء نسيج صناعي جديد في الجنوب، عبر دعم المقاولاتية وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مضيفا أن فلسفة الدولة لم تعد قائمة على تصدير المادة الخام، بل على خلق قيمة مضافة محلية عبر الصناعات التحويلية، لما لها من مردودية أكبر للاقتصاد الوطني.
وفي ختام تصريحه، شدد الخبير الاقتصادي على أن مشروع غار جبيلات يمثل رافعة قوية لزيادة الصادرات خارج قطاع المحروقات، وتحسين البنية التحتية في الجنوب، ورفع مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الخام من 5 إلى 15 بالمائة مستقبلا تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إذا ما تم استثماره بالشكل الصحيح.
الوزير السابق عمار تو في دراسة علمية تحليلية موثقة لـ”الشروق”:
الجزائر تجاوزت كل العوائق التقنية في غار جبيلات.. وهذه الأرباح المنتظرة
أكدت دراسة حصريّة لـ”الشروق”، أعدها الوزير السابق في عدة قطاعات حكومية، عمار تو، أن منجم غار جبيلات يكتنز احتياطيا هائلا يُقدر بـ3.5 مليار طن من الحديد، يمكن أن يدر عائدات تصدير سنوية تصل إلى 14 مليار دولار، كما تؤكد الدراسة نجاح الجزائر في تجاوز العوائق التقنية والجيواستراتيجية التي عطلت استغلال المنجم منذ سنة 1952، وتضعه اليوم في قلب مشروع صناعي وطني لتحويله بدل تصديره خاما.
وتتضمن الدراسة التي أعدّها الوزير تو سنة 2023، أن منجم غار جبيلات بولاية تندوف يُعد إحدى أهم الأوراق الجيو-اقتصادية التي يمكن للجزائر أن تراهن عليها في أفق التحرر من التبعية المطلقة للمحروقات، حيث يقدّر المخزون القابل للاستغلال من الحديد بنحو 3.5 مليار طن في المساحة التي تمت دراستها فقط، وهو ما يمثل نظريا ما بين 10 إلى 14 مليار دولار سنويا من الصادرات، أي ما يعادل 15 إلى 20 بالمائة من قيمة صادرات الجزائر السنوية من المحروقات حاليا، وذلك انطلاقا من سنة دخوله الإنتاج، بعد الانتهاء من المرحلة الأولى التجريبية، والتي يُتوقع خلالها استخراج ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين طن من خامات الحديد تُنقل بالشاحنات.
وتُقدّر الاستثمارات الإجمالية المتوقعة لاستغلال المنجم، باستخراج كامل المخزون المذكور، بنحو 20 مليار دولار، وقد عرفت سنة 2022 بروز عزيمة أكيدة للشروع في استغلال الثروات المعدنية الصناعية غير الطاقوية، ومن بينها منجم غار جبيلات، الذي ظل غير مستغل منذ اكتشافه سنة 1952، وهو ما تفسره، وفق الدراسة، ثلاثة عوائق تم تداولها اعتباطيا بين العامة والخاصة، وهي بُعد المنجم عن مناطق التصنيع والتصدير، حيث يبعد حوالي 1800 كلم عن سواحل الغرب الجزائري، و2400 كلم عن مصنع الحديد والصلب بالحجار بعنابة، بالإضافة إلى انخفاض محتوى الحديد نسبيا، وارتفاع نسبة الفسفور في الخامات، بالنظر إلى تكنولوجيات الاستخراج والاستخلاص المحدودة في مختلف المراحل السابقة، رغم أن الجزائر كانت في السبعينيات زاهرة في ميدان التصنيع، ومنها تشييد مركب الحديد والصلب بالحجار.
هذا المنجم، الذي كان عنوانا مؤجلا للثروة، عاد بقوة إلى واجهة الأولويات بعد سنة 2022، تاريخ اتخاذ قرارات فعلية بالشروع في استغلاله، توجت بزيارة رئيس الجمهورية إلى ولاية تندوف يوم 30 نوفمبر 2023، حيث أشرف على تدشين بداية استغلال وتحويل معدن الحديد من منجم غار جبيلات، وإطلاق أشغال إنجاز خط السكة الحديدية المرتبط به، في أفق دخول مرحلة الإنتاج الكامل سنة 2026.
تموين توسيالي وبلارة
وحسب ذات الدراسة، التي أعدها الوزير، تتزايد حاجات مركب الحديد والصلب التركي “توسيالي” المتواجد بمدينة أرزيو بولاية وهران إلى خامات الحديد، حيث يتم توسيعه – وقتها – بمصنع جديد لإنتاج الصلب المسطح، تماشيا مع الحاجات الجزائرية الجديدة المرتبطة بصناعة السيارات المتنامية.
يُضاف إلى هذه الحاجات، تلك التي يعاني منها مركب الحديد والصلب الجزائري القطري بمنطقة بلارة قرب مدينة جيجل، والذي يوفر إلى غاية اليوم طاقات إنتاج تفوق مليونين ونصف مليون طن، في انتظار استلام خطوط إنتاج إضافية لاحقا لبلوغ خمسة ملايين طن.
ويستعمل مركبا “أرزيو” و”بلارة” كمادة أولية خردوات الحديد المسترجعة والمستوردة، والتي تصل إلى نحو 12 مليون طن سنويا بقيمة تناهز المليار دولار، وهو ما يجعل من خام حديد غار جبيلات مصدرا محليا بديلا واستراتيجيا لتغطية هذه الحاجات.
وتبقى الإشكاليات المبدئية المطروحة، كما جاء في الدراسة، متعلقة من جهة بالسؤال حول أفضلية استغلال الثروات لصالح الأجيال الحالية أم تأجيلها للأجيال القادمة، ومن جهة أخرى بالتساؤل حول الجدوى الاقتصادية من تصدير الخامات المعدنية الخام مقابل تصنيعها محليا وتصدير منتجاتها، خاصة في ظل الحاجة العاجلة إلى وسائل الدفع الخارجية، وتعقيدات ولوج الأسواق الدولية.
غير أن رئيس الجمهورية، خلال زيارته إلى تندوف سنة 2023، رفع وقتها بوضوح مبدأ تصدير المنتجات المصنعة بدل المواد الخام كهدف أسمى في الآجال المنظورة، ليبقى هذا التوجه رهانا يتطلب التفعيل الواقعي ضمن رؤية مندمجة تتجاوز منطق العائد السريع نحو بناء اقتصاد صناعي حقيقي، ومتجذر في ثرواته الوطنية.
رفْع الحديد وخفْض الفسفور إلى مستويات عالمية
وحسب دراسة الوزير السابق عمار تو، فقد قطعت الجزائر أشواطا معتبرة في تجاوز العوائق التقنية التي عطلت استغلال منجم غار جبيلات لعقود، لاسيما فيما يخص نسبة الحديد المرتفعة نسبيا ونسبة الفسفور غير المقبولة وفق المعايير الصناعية العالمية.
وقد أظهرت نتائج دراسات مخبرية أن الجزائر نجحت في رفع نسبة الحديد من 57 إلى 65 بالمائة، وتخفيض نسبة الفسفور إلى 0.17 بالمائة، وهي مستويات كانت سابقا عائقا تقنيا كبيرا، بينما تُعوّل اليوم على الشريك الصيني لتطوير تقنيات إضافية تضمن تحقيق المعايير المطلوبة دوليا.
ويُنتظر أن يستهلك مركب جديد للحديد والصلب في بشار جزءا من إنتاج منجم غار جبيلات، وذلك لصناعة عوارض وسبائك السكك الحديدية، في إطار تنفيذ المخطط الوطني لتوسيع شبكة النقل بالسكك، حيث من المنتظر دخول هذا المركب مرحلة الإنتاج في أفق سنة 2030.
وترتبط انطلاقة هذا المركب الجديد بإنجاز خط السكة الحديدية الرابط بين المنجم ومدينة بشار، وهو المشروع الذي وضع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون حجره الأساسي نهاية نوفمبر 2023 خلال زيارته إلى تندوف، كما سيرافق هذا التطور إعادة بعث منجم الفحم الحجري بمنطقة العبادلة، وتحديدا منجم “مينونات”، الذي ظل مغلقا منذ الاستقلال إلى جانب منجم “القنادسة”، بعدما فُضّلت الكهرباء المنتجة بالغاز الطبيعي على الفحم الحجري.
وتشير الدراسة إلى أن مركب الحجار بعنابة لجأ قبل سنتين إلى استيراد شحنة فحم حجري، وقد يحتاج إلى أخرى، ما يعزز مسار إعادة إحياء هذه المناجم، دون نية لاستعمال الفحم في توليد الكهرباء، طالما أن 99 بالمائة من إنتاج الكهرباء في الجزائر مصدره الغاز.
نائب رئيس جمعية المصدّرين علي باي ناصري لـ”الشروق”:
غار جبيلات سيفتح الأبواب لتصدير 30 مليار دولار خارج المحروقات
– المشروع رافعة للإدماج الصناعي وقيمة مضافة لكافة خطوط الإنتاج
– الجزائر ضمن قائمة Top 10 عالميا من حيث الموارد المنجمية
– “يجب إحداث القطيعة مع تصدير المواد الخام والانتقال لتثمينها محليا”
“مشروع غار جبيلات سيجعل من الجزائر قطبا إقليميا وعالميا في مجال الحديد والصلب، وسيكون له انعكاسات ايجابية على كافة خطوط الإنتاج الصناعي بمختلف القطاعات، ما سيمكّن من بلوغ صادرات غير نفطية بـ30 مليار دولار على الأقل، شريطة الانخراط في تثمين الموارد المنجمية الجزائرية محليا وخصوصا تنويع المنتجات ذات القيمة المضافة العالية”.
هكذا ردّ الخبير في التصدير، والنائب الأول لرئيس الجمعية الوطنية للمصدّرين الجزائريين، علي باي ناصري، على سؤال لـ”الشروق” بخصوص مشروع غار جبيلات في ولاية تندوف، باعتباره جزءا من خطة الحكومة لتنويع الاقتصاد، والآثار والآفاق الاقتصادية المتوقعة لهذا المشروع الضخم.
وكما هو معلوم، فقد تم الانتهاء قبل أيام من أشغال إنجاز خط السكة الحديدية الرابط بين تندوف وغار جبيلات على مسافة 135 كلم، بحسب ما أعلنت عنه الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية، ما سيسمح بتدعيم ورشات الشطر الآخر من المشروع العملاق، والذي يربط على مسافة 575 كلم تندوف بحماقير، مرورا بأم العسل، بوسائل لوجستية وبشرية هامة.
وسبق لوزير الطاقة والمناجم، محمد عرقاب، أن كشف، خلال جلسة استماع أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، أن وحدة المعالجة الأولية بمنجم غار جبيلات ستدخل حيز الإنتاج في ديسمبر 2025، بطاقة تقدّر بـ4 ملايين طن سنويا، وذلك في إطار المرحلة الأولى من استغلال هذا المشروع المنجمي الضخم.
وأوضح الوزير، حينها، أن الأشغال انطلقت فعليا بعد فتح المنجم، في وقت يجري فيه إنجاز أول وحدة لإنتاج مركز الحديد بالمنطقة الصناعية توميات في ولاية بشار، بالشراكة بين شركتي “فيرال” و”توسيالي”، بطاقة إنتاجية تقدّر بمليون طن سنويا، على أن تدخل حيز التشغيل في جويلية 2026، تزامنا مع استلام خط السكة الحديدية الرابط بين غار جبيلات وبشار.
الانتقال من وضع المستورد إلى المصدّر
وأوضح الخبير باي ناصري، في هذا السياق، أن الجزائر ما تزال إلى اليوم تستورد خامات الحديد من البرازيل، غير أن مشروع غار جبيلات سيمكّنها من الانفكاك من التبعية وتحقيق منتوج وطني خالص في مجال الحديد، ما سيعزز من القيمة المضافة.
وعلّق محدثنا بالقول: “بفضل هذا المشروع الإستراتيجي، سننتقل من حالة المستورد إلى المصدّر، وسنرفع من القيمة المضافة للاقتصاد”.
وأشار المتحدث إلى أن التكلفة المنخفضة للطاقة في الجزائر وما ينجر عنها من انخفاض تكلفة الإنتاج بصفة عامة، فإن مشروع غار جبيلات سيمنح الجزائر قدرة تنافسية إقليمية وعالمية، وهو ما سيجعل الحديد الجزائري منافسا شرسا في الأسواق الدولية.
تثمين الموارد المنجمية بقيمة مضافة عالية
غير أن بلوغ هذه الغاية، يستدرك النائب الأول للجمعية الوطنية للمصدّرين الجزائريين، يتطلب تنويع المنتجات المعدنية المصنعة بإعطائها قيمة مضافة أكبر، وعدم التركيز فقط على حديد التسليح.
وذكر باي ناصري، أن المستقبل الصناعي للجزائر يكمن في تثمين الموارد المنجمية، خصوصا عبر منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة عالية ذات محتوى تكنولوجي مرتفع، مثل الفولاذ المسطّح وخيوط الصلب وغيرها، لكونها توفر قيمة مضافة أعلى بكثير من حديد التسليح الذي يباع بسعر منخفض نسبيا.
وقال في هذا الإطار: “1 طن من خيوط الصلب يمنحنا 100 دولار مقابل 20 فقط في حديد التسليح، لذلك وجب التوجّه نحو تثمين المنتجات المنجمية”.
وشدّد الخبير على ضرورة إحداث القطيعة مع سياسات تصدير المواد الأولية كما هي، والتحوّل نحو تثمينها محليا، عبر إدماجها في صناعات تحويلية، تشمل قطاع النقل وصناعة القطارات والسيارات والصناعات الكهرومنزلية وغيرها، مؤكدا أن “الهدف الأول والنهائي هو تثمين المواد الأولية للبلاد”.
ولفت علي باي ناصري إلى أن الجزائر تصنّف ضمن قائمة “Top 10” عالميا من حيث حجم وتنوّع الموارد المنجمية، لكن الاستفادة الحقيقية منها تظل رهينة التصنيع المحلي والتكامل القطاعي، مضيفا أن “الصناعات الحديدية والمعدنية ستعطي قيمة لكل خطوط الإنتاج وستفتح أبواب التصدير بشكل واسع”.
وأكد باي ناصري دعمه لما ذهب إليه الخبيران المعروفان على الساحة الوطنية، علي كفايفي ونصر الدين كازيتانتي، باعتبارهما مرجعا في مجال المناجم، بخصوص إمكانية بلوغ الجزائر سقف 30 مليار دولار من الصادرات المنجمية، في حال تم تثمينها محليا، قائلا: “أنا أدعّم ما قاله الخبيران بقوة، وهذا رقم يمكن تحقيقه بسهولة”.
وخلص الخبير ناصري إلى أن غار جبيلات ليس مجرد مشروع منجمي، بل رافعة إستراتيجية قادرة على إحداث إدماج وطني، وتحقيق طفرات في التصدير والقيمة المضافة، بما يمكن أن يرفع صادرات الجزائر مستقبلا إلى سقف 100 مليار دولار في حال تمّ تثمين الثروات المنجمية واستغلالها بالصورة المثلى.
في آفاق المخطط الخماسي 2026.. الخبير عمر هارون لـ”الشروق”:
الاستثمارات الصينية في الجزائر قد تبلغ 40 مليار دولار
بكين ترى في الجزائر سندا رئيسيا في مشاريع طريق الحرير الجديد
يؤكد أستاذ الاقتصاد وخبير الطاقة، الدكتور عمر هارون، أن الصين تدرك ما تمتلكه الجزائر من احتياطات هائلة لخام الحديد، زيادة على موقعها الإستراتيجي القادر على إيصاله إلى كل قارات العالم، والذي تعتبره الصين سندا رئيسيا لإنجاز مشاريعها في طريق الحرير الجديد، باعتباره الشريان الاقتصادي الحقيقي للسلع الصينية.
ويتحدث الدكتور هارون في حوار مع “الشروق”، عن التعاون الاقتصادي الجزائري – الصيني والزخم الذي يعرفه منذ وصول الرئيس، عبد المجيد تبون، إلى سدة الحكم وتوقيع البلدين على الخطة الخماسية الثانية للتعاون الإستراتيجي الشامل للفترة 2022-2026.
ما هي أهمية مشروع غار جبيلات بالنسبة للشريك الصيني؟
تدرك الصين جيّدا أن الجزائر تملك احتياطات ضخمة من خام الحديد قدّرت مبدئيا بحوالي 3.5 مليار طن وهو ثامن احتياطي عالمي، والجزائر قادرة على توفير بنى تحتية قوية في مجال النقل لتحويل ما قد يفوق 50 مليون طن من خام الحديد سنويا حين يصل المشروع لطاقته الإنتاجية الكلية، من دون أن نغفل قدرات الجزائر في توفير الطاقة بأسعار تنافسية، كل هذا مرتبط بشكل وثيق بموقع الجزائر الإستراتيجي القادر على إيصال خام الحديد إلى كل قارات العالم.
كل هذا تعتبره الصين سندا رئيسيا لإنجاز مشاريعها في طريق الحرير الجديد الذي تعتبره الشريان الاقتصادي الحقيقي للسلع الصينية، تحت شعار “حزام واحد.. طريق واحد”، حيث وصل اقتصاد بكين إلى 20 ترليون دولار ويتوجه بخطى ثابتة ليكون الاقتصاد رقم واحد عالميا.
ما الثقل الإستراتيجي للمشروع في تعزيز الشراكة الجزائرية – الصينية؟
تاريخيا العلاقات الجزائرية – الصينية قوية ومتميزة جدا، فالصين أول دولة غير عربية اعترفت بالحكومة المؤقتة الجزائرية في 1958 واستمر الأمر في تطوّر مستمر إلى أن وصل رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون للحكم، حيث وبعد التعاون الوثيق في أزمة “الكوفيد 19″، وقّع البلدان الخطة الخماسية الثانية للتعاون الإستراتيجي الشامل للفترة 2022-2026 لتكثيف التواصل والتعاون في كافة المجالات الاقتصادية والتجارية والطاقة والمناجم، وتعتبر الصين أكبر مستورد عالمي لخام الحديد حيث فاقت واردات الصين 137 مليار دولار سنويا.
وهو ما يؤكد حجم احتياج السوق الصينية لخام الحديد مما يجعل الشراكة الجزائرية – الصينية في مجال المناجم مفتاحية، سواء تعلق الأمر بغار جبيلات الذي يتوقع أن تصل عائداته إلى 16 مليار دولار سنويا، أو بمناجم جبل العنق في تبسة التي يستهدف فيها إنتاج الفوسفات المدمج باستثمارات صينية تصل إلى 7 مليار دولار، وحتى مناجم تالة حمزة – واد أميزور التي تحتوي على احتياطات كبرى من الرصاص والزنك، لتتواصل في قطاعات أخرى، على غرار الصناعات الدفاعية وصناعة السيارات والبنى التحية باستثمارات كبرى قد تبلغ 40 مليار دولار خلال المخطط الخماسي المبرمج في آفاق 2026 وهو ما يتناغم واستهداف الاقتصاد الجزائري بلوغ 400 مليار دولار كناتج داخلي خام في آفاق 2027، والذي سيتحقق بالتحالف الإستراتيجي القوي مع الصين كأحد أهم الشركاء الاقتصاديين للجزائر.
ما هي الآفاق التي يفتحها المشروع لاستغلال الموارد الطبيعية في الجزائر بالشراكة مع الطرف الصيني؟
لا يمكن حصر ما تمتلكه الجزائر من موارد طبيعية، لكن الرؤية الجديدة للاقتصاد الوطني، منذ قدوم الرئيس تبون، تعتمد على اعتماد مبدأ تقليص تصدير المواد الخام على حالتها والرفع من صادراتنا من المواد نصف المصنعة والمصنعة وهو ما استحدث فرصا كثيرة للاستثمار سواء في مجال الطاقة الأحفورية حيث رفعت الجزائر من طاقتها للتكرير حتى حققت الاكتفاء في بعض المواد كالبنزين أو في المجال المنجمي، إذ تقتضي عملية استخراج خام الحديد تكريره وتحويله إلى مواد نصف مصنعة ومصنعة لتصديره، وهو ما يرفع من عوائد الجزائر ويرسي دعائم حقيقية للصناعة الجزائرية.
ويقابل كل هذا ضرورة الحصول على التكنولوجيا ونقلها إلى الجزائر مما يزيد من فرص تسريع وتيرة تطوّر الاقتصاد الوطني، الذي يحقق معجزات تنموية خاصة في مجال النقل بالسكك الحديدية، وأفضل مثال على ذلك الخط الرابط بين غار جبيلات ووهران، مرورا بتندوف إلى بشار ثم النعامة، وصولا إلى ميناء وهران، فتتحوّل مسافة 1600 كلم من كابوس يؤرق التنمية إلى فسحة لا تتجاوز بضع ساعات، وبذلك يتحوّل المشروع الاقتصادي إلى رافعة لحل العديد من المشاكل الاجتماعية لسكان المنطقة وأداة قوية للرفع من وتيرة تنمية العمق الجزائري.
أي آثار متوقعة للمشروع في تنمية الجزائر وتعزيز موقعها كمصدّر عالمي لمادة الحديد؟
غار جبيلات قادر على إنتاج 5 مليون طن في المرحلة الأولى سنويا وصولا إلى 50 مليون طن بعد انتهاء كل مراحله، وهو ما سيغير وجه الصناعة الثقيلة في الجزائر، خاصة مع وجود 3 مصانع وطنية لإنتاج حديد البناء والصفائح الحديدية، الأمر الذي سيحوّل الجزائر إلى واحدة من أكبر الدول المصدّرة للحديدة المصنع ونصف المصنع من جهة، ويغير وجه الصناعات الثقيلة في الجزائر، من خلال إمكانية توطين عديد الصناعات، على غرار صناعة هياكل السيارات، صناعة الحاويات، صناعة السفن، وغيرها من الصناعات الثقيلة، والتي لا يمكن إلا لقلة قليلة من الدول في العالم أن تتحكّم فيها.
كما أن امتلاك الجزائر لقدرات كبيرة في إنتاج الطاقة النظيفة يجعلها قادرة على إنتاج خام حديد وحديد مصنع ونصف مصنع صديق للبيئة وفق مراحل تحترم الشروط العالمية في هذا المجال وهذا ما يرفع الطلب على منتجات الحديد الجزائري ويرفع ثمنها.