الشروق تفتح ملف أطماع المعمرين والحركى.. وأويحي يوجه تعليمة إلى 4 وزراء
“لوبيات انتقامية تساعد المعمّرين والحركى على تجريد الجزائريين من أملاكهم”
تكشف تعليمات داخلية وجهها الوزير الأول، أحمد أويحيى، إلى أربعة وزراء يسيّرون قطاعات حساسة، عن الأهمية القصوى التي أضحت الحكومة توليها لموضوع الدعاوى القضائية التي أصبح يرفعها أمام المحاكم الجزائرية بعض قدامى المعمّرين والحركى يطالبون باسترداد أملاك عقارية وأراض فلاحية سبق للدولة أن قررت إدخالها في ملكيتها أو وضعها تحت الحماية، غداة استقلال البلاد.
- الحلقة الأولى
- المراسلة، التي جاءت في ثلاث صفحات بلهجة تهديدية شديدة، هي إحدى الوثائق الموجودة ضمن ملف كبير من عشرات الوثائق الأخرى، اطّلعت عليه الشروق كاملا، وحققت في تفاصيله، طوال شهر، بالاستماع إلى المسؤولين والأشخاص والهيئات ذات العلاقة في الجزائر، واتصلت ببعض نظرائهم في فرنسا، ليكشف بالوثائق والأرقام الرسمية، كيف تنظر الحكومة لخلفيات وأهداف هذه الدعاوى القضائية، وما هو حجمها وأثرها القانوني والسياسي الفعلي، والأسباب التي جعلت الدولة والقضاء في أحيان عديدة في موقف ضعف حيالها، ومسؤولية أعوان الدولة المكلفين بهذا الملف في الوصول إلى هذا الوضع، ووزن هذا الموضوع في المباحثات السياسية والاقتصادية ما بين المسؤولين في الجزائر وفرنسا على مستوى وزراء الخارجية وحتى في بعض القمم الرئاسية، وأخيرا التدابير ذات الطابع الإداري والقانوني والمالي التي بدأت الحكومة بوضعها حيز التنفيذ لمواجهة الإشكالات العديدة التي يطرحها الملف.
- أويحيى يهدد ويتوعد
- شكلت المراسلة التي وجهها الوزير الأول في 26 جانفي 2009 إلى وزراء الداخلية والمالية والعدل والفلاحة، يكلفهم فيها باتخاذ تدابير حدّدها بدقة لكل منهم، نقطة تحوّل في تعاطي مختلف مصالح الدولة وأجهزتها المختصة مع الدعاوى القضائية التي بات يرفعها أمام المحاكم الجزائرية عدد متزايد من قدامى المعمّرين والحركى لاسترداد أملاك عقارية وأراضٍ فلاحية حوّلتها الدولة لملكيتها بعد الاستقلال. وجاء في موضوع المراسلة المطولة، التي اطلعت عليها الشروق ووجه الوزير الأول نسخة منها إلى السيد رئيس الجمهورية “على سبيل عرض الحال”، انها تخص “الطعون المقدمة من قبل رعايا أجانب أمام المحاكم الوطنية من أجل استرداد وتعويض ممتلكات كانوا يحوزونها قبل الإستقلال” وتتعلق “بأراض فلاحية أو محلات تجارية أو مساكن”. ويعتقد أويحيى أن الأمر في خلفياته وأهدافه يتجاوز مجرد نزاع قانوني شخصي وبسيط، ويعطي له دلالات سياسية ترتبط بتاريخ فرنسا الاستعماري في الجزائر، وثورة التحرير تحديدا، حيث يصف ما يسميه “مزاعم قدماء المستوطنين الفرنسيين والحركى، باسترداد ممتلكاتهم العقارية وغير المنقولة بالجزائر” بأنها “تشكل محاولة للتنكّر إلى تاريخ بلادنا المؤلم… ولا شك أن مثل هذه الأفعال ليست عملا معزولا، بل تأتي من منطق مسعى جماعي مستوحى من قبل لوبيات انتقامية” و”مثل هذه الضغوطات تشكل قدحا لذاكرة شهدائنا ولتضحيات شعبنا، وبالتالي، فإنها غير مقبولة”. وقال الوزير الأول “إن تلك الوضعية تستدعي من السلطات العمومية، ردّ فعل حازما ومنسقا، ومن الواجب أيضا أن يفضي إلى ضبط الموقف القانوني للدولة إزاء هذه القضية بشكل نهائي..”. الرد المنسق الذي تحدث عنه الوزير الأول، سيبدأ تنفيذه من خلال جملة من الإجراءات والتدابير، لا يشكل سوى جزء قليل منها استحداث المادة 42 من قانون المالية لسنة 2010 في صيغته الأصلية، التي نصت على “تطهير مجموعة الوثائق الممسوكة بالمحافظة العقارية من التأشيرات التي فقدت حداثتها، على إثر أيلولة ملكية بعض الأملاك العقارية للدولة تبعا لتدابير تأميم أو تحويل للدولة أو معاينة تخلي الملاك لعقاراتهم”، ثم جاءت صيغة موسعة لنفس المادة 42 ضمن قانون المالية التكميلي لسنة 2010، خلال الصيف الماضي، بإقرار عقوبات شديدة بالحبس والغرامة في حق كل شخص أو جهة يوفر غطاء قانونيا أو يساعد في تحويل تلك العقارات خارج ملكية الدولة.
- “تقصير أعوان الإدارة وفرارهم أمام هذه الملفات، أفعال جزائية وخطيرة جدا”
- اعتمد أويحيى في تشخصيه للوضع، على حصيلة رفعت إليه عن عمل المحاكم الإدارية التي نظرت في تلك القضايا وحللت نقاط الضعف والقوة في الملف القانوني لأصحاب الدعاوى من جهة، ومن جهة أخرى دفوعات خصومهم، وهم إمّا الدولة وممثلوها أو أشخاص وهيئات وطنية أصبحت الآن تشغل الأملاك العقارية موضوع النزاع. حصيلة المحاكم الإدارية “عاينت عددا من الوقائع” المرتبطة بالموضوع، ذكر أويحيى منها تقصير الولاة في السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال “سواء بحكم نقص الخبرة أو عن جهل” في تطبيق أحكام المرسوم الصادر في 18 مارس 1963، الذي كان “يلزمهم صراحة في ذلك العهد باتخاذ قرارات بشغور الأملاك التي أصبحت شاغرة بفعل مغادرة مالكيها” وأضاف قائلا، إن “هؤلاء الولاة نادرا ما اتّخذوا مثل هذه القرارات” التي كانت تسمح لمصالح الحفظ العقاري بتسجيلها رسميا ضمن أملاك الدولة، وزاد الأمر تعقيدا أن أصبحت مصالح الحفظ العقاري “تقوم حاليا، وبصفة شبه آلية، بتسليم شهادات السلبية التي تطلب منها من قبل الفرنسيين المقيمين سابقا بالجزائر، لتسجيل شغور الأملاك، وهي وثيقة يستخدمها المعنيون في رفع طعونهم أمام المحاكم الإدارية لبلادنا”، والمقصود بشهادات السلبية، التي تحدث عنها أويحيى، شهادات تؤكد أن الأملاك محل النزاع غير مسجلة على أنها أملاك شاغرة، بالرغم من أنها كذلك فعلا منذ عشرات السنين، مضت على شغلها من قبل جزائريين آخرين، أشخاص أو هيئات ومؤسسات حكومية، في حين أن الجماعات المحلية “التي من حقها قانونا، أن تدافع عن مصالحها ومصالح المجموعة الوطنية في القضايا التي ترفع من قبل هؤلاء الأجانب، أمام الجهات القضائية، لا تولي، لأسباب عديدة، كل العناية التي تقتضيها هذه المنازعات”.
- ويخلص الوزير إلى أن كل ذلك “يضع المحاكم الوطنية في مواقف قد تجبرها على استخلاص العبر القانونية، وقد تخاطر حتى باتخاذ قرارات إيجابية لصالح عرائض مقدمة من مواطنين أجانب”.
- الأمر الآخر الذي شغل بال الوزير الأول وأثار انزعاجه، وجعل جزءاً كبيرا من المراسلة يخرج عن طابعه التقني والإداري، لتتحول في بعض مقاطعها إلى ما يشبه خطابا سياسيا بطابع تاريخي، هو مطالب الحركى في هذا الخصوص. ويقول عن ذلك، مخاطبا الوزراء الاربعة، “من جهة أخرى، وفضلا عن هذه الوضعيات الخطيرة المرتبطة برعايا أجانب، فقد تناهى إلى علمي بأن المحاكم تواجه صعوبات أمام مطالب رعايا جزائريين من خونة الوطن إبان الحرب التحريرية، الذين يتطلّعون اليوم، عن طرق العدالة، إلى استرداد أراض فلاحية وضعتها الدولة تحت الحماية، بفعل السلوك المخزي للمعنيين…”.
- خطأ الإدارة لا يبرر ادّعاء العدالة بجهل الوقائع
- ويكشف أويحيى عن إجراءات تأديبية ومتابعات جزائية اتّخذت فعلا في حق بعض أعوان الدولة المتورطين في التغطية على محاولات المعمّرين والحركى استعادة الأملاك المؤمّمة وتسهيل مهمتهم “وقد أتيح لنا، بالفعل، وأن سجلنا، للأسف، وفي عديد المناسبات، ضرورة تقويم أعمال هؤلاء الأعوان ومسؤولي الإدارة العمومية، التي تندرج ضمن الأفعال المجرمة والتهاون في تسيير الأملاك العمومية، وضمن الابتزاز وحتى الرشوة” ويشير إلى الأضرار البالغة التي سبّبها ذلك، حيث “كلفت هذه الأفعال، مبالغ هامة على حساب الخزينة العمومية، ومساسا بالممتلكات العمومية، وكلما تمّت معاينتها، كانت محل تنبيه، وعقوبات إدارية، وموضوع متابعات قضائية، عند الاقتضاء”، لكنه يعود فيما يشبه رسالة موجهة للجهاز القضائي، ممثلا بوزير العدل، ليؤكد على أن فشل الإدارة أو تقصيرها في معالجة ملف الأملاك والأراضي التي تركها المعمّرون والحركى وراءهم، ضمن الإطار التشريعي والقانوني الذي كان سائدا “لا يمكن أن تستخدم حجة لمزاعم الأجانب ولخونة الوطن، ولا يمكن أيضا، أن تكون عذرا بالنسبة لأيّة سلطة وطنية، أكانت قضائية أو إدارية أمام هذا الملف”. ويذهب الوزير أكثر في توضيح مسؤولية الجهاز القضائي في هذا الجانب، ليقول: “ومن هذا المنطلق، فإن العدالة التي تعمل، في أي مكان في العالم، على أساس القانون ووفقا لقناعة القاضي، لا يمكنها أن تدّعي بجهل الوقائع، خاصة وأن الأمر يتعلق بوقائع تخص الأمة بأسرها، وحينها فإن قرارات العدالة في بلادنا، تصدر “باسم الشعب”. ويذكر الوزير الأول أن هذه الوقائع “تكتسي خطورة بالغة، بالنظر إلى النتائج التي قد تترتب عنها، والمتمثلة تحديدا في: خيانة ذاكرة أولئك الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل الاستقلال، من جهة. والمساس بشكل خطير بالاقتصاد الوطني، من جهة أخرى، بما أن كل سابقة تشكل، في القانون، عنصرا للاجتهاد القضائي” كما يقول. ونفس الأمر بالنسبة للجزائريين الذين اشتروا من المعمرين قبل أو بعد رحيلهم أملاكا عقارية بعقود لم تمتثل للقانون وعدّت “صورية وغير صحيحة”.
-
-
- تطور القوانين الخاصة بأملاك المعمّرين الشاغرة
- تعاطت الدولة مع الأملاك الشاغرة والمؤسسات الصناعية والتجارية التي تركها المعمّرون وراءهم بعد الاستقلال، والأراضي الفلاحية التي كان يملكها ويستغلها الحركى، بكثير من القوانين والتشريعات لسد الفراغ وضبط طريقة تسييرها واستغلالها، وأول نص قانوني تكلم عن الأملاك الشاغرة التي تركها المعمرون والحركى وراءهم هو الأمر الصادر في 24 أوت 1962 والذي نص على جملة من التدابير لحماية وحفظ الأملاك الشاغرة، وقد حدد هذا الأمر مهلة 03 أشهر للأشخاص الذين غادروا ممتلكاتهم أن يعودوا إليها في الأجل المذكور وإلا اعتبرت أملاكهم شاغرة وتحول ملكيتها للدولة، ويمنع بيع الأملاك الشاغرة وإقامة مراقبة على المعاملة التي جرت غداة الاستقلال، ثم عملت السلطات بموجب مرسوم صدر في 23 / 10 / 1962 على منع كل معاملات البيع والإيجار للأراضي الزراعية في الأملاك الشاغرة باستثناء العقود التي أبرمت لصالح المجموعة المحلية العمومية ولجان التسيير الذاتي المعتمدة من طرف السلطات العمومية وتعتبر العقود المبرمة قبل ذلك التاريخ كأنها لم تكن. ثم صدر بعد ذلك مرسومان مؤرخان في 18 و22 مارس 1963، الأول يتعلق بتأميم المؤسسات ذات الطابع الصناعي والتجاري وذات الطابع المالي المنجمي، والصناعة التقليدية وكذا الاستغلالات الفلاحية التي كانت محل معاينة شاغرة لو لم تكن نشيطة أو مستغلة بصيغة عادية، بينما يتضمن المرسوم الثاني تسيير الاستغلالات الفلاحية الشاغرة، ثم أصدر الرئيس بومدين بعد ذلك في 06 ماي 1966 أمرا يتضمن أيلولة ملكية الأملاك الشاغرة التي كانت ملكا لأشخاص للدولة. وقد سويت في هذا الإطار الآلاف من حالات الأملاك الشاغرة، ومنها على وجه التحديد السكنات ذات الطابع الاجتماعي (السكنات)، التي أصبح يقطنها جزائريون، كانوا يؤدون مستحقات الإيجار لدواوين الترقية العقارية، ليعقبه بعد 5 سنوات، الأمر المتضمن الثورة الزراعية ر في 08 / 11 / 1971 وهو الأمر الذي أمّم ما تبقّى من أراضي المعمّرين والحركى الموضوعة تحت حماية الدولة.
- وتميّزت الفترة الممتدة بين 1981 و1993 بصدور عدة نصوص قانونية تهدف من خلالها التنازل عن بعض الأنواع من العقارات التابعة للأملاك الوطنية وفقا لشروط وإجراءات معينة قصد تمليكهم حقوق استغلال الأراضي الفلاحية مع الاحتفاظ بحق الملكية، كما تهدف هذه القوانين إلى وضع حد لعمليات تأميم الأراضي في إطار الثورة الزراعية. ولهذا صدر القانون المؤرخ في 07 / 02 / 1981 المتضمن التنازل عن الأملاك العقارية ذات الاستعمال السكني أو المهني أو التجاري أو الحرفي التابعة للدولة والجماعات المحلية ومكاتب الترقية والتسيير العقاري والمؤسسات والهيئات العمومية. وبيعت أغلبيتها الساحقة في سنة 1982، لمستأجريها من قبل دواوين الترقية العقارية.
تطالعون في الجزء الثاني :
اتفاقيات غير معلنة سمحت لبقايا المعمرين ببيع أملاكهم وتحويل أموالهم لفرنسا