لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غنيت يوما
عرف الجزائريون الفنان والمجاهد بوجمعة العنقيس، من خلال “الموندول” أو “القيتارة” التي كانت تظهر معه على شاشات التلفاز، أو حتى في حفلات الأعراس التي كان يحييها، ولكن “الشروق” التي التقته في بيته العائلي، تمكنت من رصد الصورة الأخرى للعنقيس، واسمه الحقيقي محمد بوجمعة، الذي أكثر ما يعرف عنه جمهوره كونه صاحب رائعة “يا بحر الطوفان”، ويحفظون عددا من الروائع التي تفنن في أدائها في مسيرة فنية حافلة تجاوزت النصف قرن.
رجل أنيق وكأنه في العشرين من العمر
كانت الساعة تشير إلى الثانية زوالا، عندما دخلنا بيت الفنان بوجمعة العنقيس، الكائن بحي 5 جويلية بـ“السوريكال“، استقبلنا الفنان الراحل رفقة ابنه في شقته المتواضعة، لم تفارق الابتسامة والكلمات الترحيبية فم الرجل، رغم كونه من الشخصيات الفنية التي ترفض الظهور في وسائل الإعلام، خاصة بعد اعتزاله الساحة الفنية، ولولا إلحاحنا الكبير والمتواصل طيلة أشهر على الرجل –ربما– لما لبى طلبنا، حرص في الأول على إكرام ضيافتنا بشرب الشاي وتناول الحلويات التي عجت بها المائدة التي تم تجهيزها خصيصا لنا، كان الرجل يبدو في كامل أناقته، بطريقة توحي أن ابنه الذي كان يجلس إلى جانبه أخوه وليس ابنه.
عائلة متدينة ومحافظة حتى النخاع
ونحن نهم بالحديث عن محاور اللقاء الذي سبق وأن نشر في جريدة “الشروق” في حلقتين السنة الماضية، وإذا بآنسة متجلببة تدخل إلى الشقة، أخبرني الحاج بوجمعة العنقيس أنها إحدى بناته التي تدرس القرآن الكريم في المسجد المجاور للحي، ذهلنا لما سمعناه، خاصة وأن الصورة التي ترسخت في أذهاننا عن الفنانين وعائلاتهم هي كونهم يعيشون على “النمط الغربي“، لكن ما شاهدناه في بيت الرجل جعلنا نغير بعض الشيء من قناعاتنا، وأخبرنا أنه ينتمي إلى عائلة محافظة، ولكن حبه للفن جعله يشق عصا الطاعة عن عائلته، ليتمكن في النهاية من إقناع عائلته بموهبته، حيث قال في حواره مع “الشروق” في هذا السياق: “ولكنهم في النهاية فرحوا بعد الشهرة التي حققتها منذ الوهلة الأولى، في حقل الأغنية الشعبية، وأحب أن أقول لأن عائلتي كانت تجهل أنني أغني إلى غاية أن أصبحت أحيي الأعراس، فالفن موهبة ربانية، وليس بإمكان الإنسان كبح جماحها مهما حاول هو أو المحيطون به“.
ولم يبد الفنان الراحل اعتراضا عن الخوض في الأسئلة التي طرحناها، فقط ما تعلق بانتقاد الآخرين والإجابات التي تدخل في إطار النميمة والغيبة، كما أسر لنا طيلة الأربع ساعات التي قضيناها معه على العديد من الأمور التي لم يبح بها من قبل، أهمها تراجع قناعته الفنية فيما يتعلق بالغناء، وتأسفه على الوضع الذي تعيشه البلاد في السنوات الاخيرة.
بوجمعة العنقيس كان زميلا للأستاذ عثمان سعدي
وقد تحدث الفنان الراحل بوجمعة العنقيس في آخر حوار أدلى به، وكان من نصيب الشروق“، أنه من مواليد حي القصبة الشهير، رغم كونه ينحدر من منطقة “أزفون” بتيزي وزو، حيث قال: “ولدت بحي القصبة العريق سنة 1927، في “زنيقة” كانت بمثابة “حومة الفنانين” في ذلك الوقت، بحيث ولد فيها غالبية مطربي الفن الشعبي الأصيل، درست في مدرسة “فاتح” التي درس بها كل أبناء القصبة في ذلك الوقت، والتي تحصلت منها على شهادة التعليم الأساسي، ويكفي أن أشير إلى أن الأجيال التي درست بتلك المدرسة إسماء كثيرة، أهمها الأستاذ عثمان سعدي“.
فنان يعشق “الڤيتارة” منذ الطفولة
هكذا كانت بداية “أسطورة” الأغنية الشعبية، بوجمعة العنقيس، مع الأغنية الشعبية والقصيد الذي لم يدرس الموسيقى يوما في المعهد، حيث كان قد صرح لنا في اللقاء الذي جمعنا به، أنها قصة طويلة تمتد إلى طفولته: “بدأت تلك القصة الجميلة والطريفة في نفس الوقت، منذ طفولتي، فمنذ أن كان عمري عشر سنوات، وأنا أتقن اللعب على “القيتارة“، وقبلها كنت دائما أحاول مع أحد أبناء الحي بشكل متواصل حتى يبيعني “قيتارته“، رغم أنني لم أكن أملك حتى ثمنها في ذلك الوقت، ولكن كنت أصر على ذلك بدافع أمنية حب امتلاكها، وبدأت بعده قصتي مع الموسيقى في صمت، ودون أن تسمع عائلتي بي، وخاصة والدي، الذي كان يرفض رفضا قاطعا ممارسة هذا النوع من الهوايات، وبالفعل تمكنت بعد فترة من شراء تلك “القيتارة“، وكنت أخفيها عند حلاق “الحومة“، وهو الذي سماني فيما بعد بوجمعة العنقيس –عم الفنانة مريم عابد– لأنني كنت مدافعا شرسا عن الحاج العنقى رحمه الله، ضد كل من يذكره بالشر“، أصبحت بعدها أقصد مغارة في جبل، حيث كنت أتدرب على مختلف الألحان والأغاني بـ“الڤيتارة“، إلى أن أصبحت أتقن اللعب على “الڤيتارة“.
هذه قصتي مع اللغة العربية التي لم أدرسها يوما
كان الفنان بوجمعة العنقيس يسكن إلى جوار الفنان سي سعيد المداح، المعروف بمؤلفاته الكثيرة في مجال القصيد، كان عمر العنقيس في ذلك الوقت لا يتجاوز العشرة سنوات، حيث كان يحتك به حتى تعلم منه وأخذ عنه، وكلف ابنة أخته وهي مجاهدة بتزويده ببعض القصائد التي كان يكتبها والدها باللغة العربية، رغم أنه كان يجهل قراءة اللغة العربية في ذلك الوقت، وقال متحدثا عن طريقة تعلمه للغة العربية: “وهو الأمر الذي دفعني الى تعلم اللغة العربية، واجتهدت في ذلك دون اللجوء إلى معلم أو مدرس، في الأول كنت أكتب تلك الكلمات باللغة الفرنسية، فسألت عمي وقلت له كيف يمكنني أن أتعلم اللغة العربية، فنصحني بتعلم الحروف في الأول، وقراءتها بمختلف الحركات، وكنت أكتب بطريقة لا يقرأها غيري في الأول، وشيئا فشيئا أصبحت أقرأ القصائد باللغة العربية، وبعدها أصبحت أقرأ القران الكريم إلى غاية اليوم، الإنسان إذا أراد شيئا فبإمكانه تحقيقه، وهكذا كانت البداية بأداء المديح الديني الذي يتماشى مع طبيعة تربيتي المحافظة، وكذا احتراما لطبيعة مجتمعنا الجزائري“.
لو استقبلت من عمري ما أدبرت ما غنيت يوما
هكذا رد الفنان بوجمعة العنقيس على سؤالنا المتعلق بالسمعة السيئة للوسط الفني: “أنا دائما أردد لو استقبلت من عمري ما أدبرت ما فعلتها وما غنيت يوما، لو عادت بي الأيام إلى الشباب ما غنيت أغنية واحدة، رغم أنني والحمد لله، رغم مشواري الفني الطويل، إلا أنني التزمت حدودي مع ربي ومع المحيطين بي كذلك“، وأضاف في سياق آخر: “كل من ابني حكيم ومختار اتجها لأداء الأغنية الشعبية وأحس أنهما يلتزمان بنفس الطريق التي انتهجتها في مشواري الفني، ولو أحسست للحظة أنهما خالفاني لمنعتهما من الغناء“.
كسرت “موندولي” حتى لا أخالف تعليمات جبهة التحرير الوطني
أكد الفنان بوجمعة العنقيس أن جبهة التحرير الوطني التي كان منضويا تحت لوائها إبان الاستعمار الفرنسي أعطتهم أوامر بالتوقف عن الغناء إلى غاية الاستقلال، حيث قال في هذا السياق: “بمجرد أن بدأت الثورة، تلقينا أوامر من جبهة التحرير الوطني بالتوقف عن الغناء، لأنه حان وقت الجهاد من أجل تحرير البلاد من الاستعمار الفرنسي، وأنه بإمكاننا العمل في مجالات أخرى، بينما يجب أن نتوقف عن الغناء إلى أن تستقل الجزائر“.
وأذكر أن شبابا قصدوني من اجل إبلاغي بالأمر، وأحب أن أشير إلى أن هؤلاء الشباب هم الذين حققوا الاستقلال وليس ما نشاهده اليوم من حرمانهم، ولن تقوم لهذه البلاد قائمة حتى يحكمها الشباب “والي فاتو أيامو ما يطمع في ايامات الآخرين“، وتابع الفنان الراحل في سياق متصل: “أعود إلى حديثي، وبالفعل لبينا نداء “الجبهة” ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قمت بكسر “الموندول” حتى لا أغني مرة أخرى وأخالف تعليمات الثورة، وكان أول حفل أحييته بعد الاستقلال في بجاية، كان حفلا بهيجا حضرته كل بجاية، كبيرا وصغيرا“.
هذا ما قاله لنا العنقيس عن الوسط الفني…
“اسمعي يا بنيتي، الوسط الفني صعب للغاية، لأنه ينسي المرء دينه وهويته، خاصة في مرحلة الشباب، ولكن احمد الله على ما أنا عليه، لأنني التزمت بتعاليم التربية الدينية التي ربتني عليها أسرتي، وأقولها وأعيدها لو عادت بي الأيام إلى الوراء لما غنيت مجددا، فحتى الأغنية الشعبية اليوم ليست بمنآى عن كل ما يحدث، كما أنها ليست في المستوى المطلوب، والفرق كبير بين الأغنية الشعبية هذه الأيام وفي عهد الحاج محمد العنقا والهاشمي ڤروابي وغيرهم من شيوخ الأغنية الشعبية.

وأذكر أن الفنان القدير دحمان الحراشي بالرغم من الشهرة التي اكتسبها، إلا أن أغانيه كانت ممنوعة من البث في الإذاعة الوطنية بسبب كلمات بعض أغانيه التي اعتبرت “غير مهذبة” إن صح التعبير، ولإطلاق الأغنية الرايوية، أباحوا أغاني دحمان الحراشي، ثم أغاني الراي، حيث أصبحت هذه الأخيرة تبث بشكل عادي على الإذاعات الوطنية وحتى على شاشات التلفزيون، وبتلك الطريقة وجدوا وسيلة لتشتيت عقول الشعب وشغله عن قضاياه الحقيقة“، وتابع “هذه سياسة.. فقد أباحوا الأغنية “الماجنة” لإشغال الشعب والشباب وجعلهم يرقوصن في بحر الظلام دون أن يشعروا بذلك“.
هذا رأي العنقيس في جزائر الاستقلال
صمت الفنان والمجاهد بوجمعة العنقيس مطولا عندما سألناه عن جزائر الاستقلال، ثم رد: “تاهت الكلمات…، والله حيرونا، يوجد من يمارس السياسة لتحقيق مصالحه الخاصة، وآخرون يمارسونها حبا في البلاد… ما عساني أقول، أتمنى أن ينصبوا رئيسا همه الوحيد بلاده وكيف يخدمها وليس شيئا آخر غير ذلك، ولا يجب الحديث عن الرئيس فحسب، بل وحتى الطاقم الوزاري الذي يسير معه، يجب تحديد المسؤوليات فيما بينهم، فإذا قام هؤلاء بعملهم على أحسن وجه، نجحنا وإذا أهملوا عملهم حدث العكس، وأصبحوا يهتمون بالنهب، وأصبحت مصلحة الشعب آخر اهتماماتهم للأسف“.

الأغنية الشعبية فقدت بريقها
تأسف الفنان الراحل بوجمعة العنقيس على واقع الأغنية الشعبية في اللقاء الذي جمعه بـ“الشروق” قبل سنة، حيث قال: “الأغنية الشعبية فقدت بريقها مع رحيل الهاشمي ڤروابي، حسن السعيد، الحاج مريزق، الحاج منور، وغيرهم من الفنانين الذين نحتوا اسمهم في سماء الأغنية الشعبية الأصيلة، وعندما غادر هؤلاء الساحة الفنية انتهت الأغنية الشعبية، لأن المتواجدين في الساحة اليوم يقتصر أداؤهم على التقليد وإعادة الأغاني السابقة، استغرب من الأمر لماذا لا يؤدون أغان خاصة بهم ويقتصر أداؤهم على إعادة الأغاني، وحتى عندما يتحدث عنهم الجمهور يصفهم بشبيه الفنان الفلاني وبهذه الطريقة لن يتمكن لا من ترك بصمته الخاصة ولا من تكوين مكانة خاصة به في الوسط الفني، لماذا لا يقتدون بنا، وحتى الأغاني التي يقدمونها تفتقر إلى جماليات الأغنية وإلى الإبداع، وهذا يعني أنهم يفتقدون لـ“الموهبة“، والفنان الذي يبدع ليس بفنان، وغالبية الأصوات الموجودة في الساحة لا تعجبني، لأنهم لا يبذلون جهدا من أجل تطوير أنفسهم أو تطوير الأغنية الشعبية“.