لو عاد بي الزمن إلى الوراء لبقيت في بيتي مع أولادي
الفنانة الجزائرية العريقة، “حسنة البشارية”، أو كما تلقب بـ”سيزاريا إيفورا الجزائر”، المنحدرة من بلدة القنادسة الصّغيرة، الواقعة غرب بشار، المقيمة حاليا في مدينة دبدابة.. ولدت سنة 1950م، وسط عائلة فنية، انشغلت بعشقها للفن والطابع القناوي، وهو النمط التقليدي للتعبير في جنوب الجزائر. كان والدها، سي سالم، مقدم زاوية سيدي بلال، “اشتهر بحبه للعزف على آلة “القومبري”، ووالدتها “خادمة في البيوت”، عاشت حياة صعبة، بعد أن تزوج والدها من امرأة أخرى. تمردت حسنة على البيئة الصحراوية، المليئة بالتناقضات، حيث لا يسمح فيها للمرأة بأن “تدنس” آلة مقدسة، وهي القومبري، ما جعلها تكسر هذه القيود وتعزف عليها، وتوصلها إلى العالمية… غنت حافية القدمين، وعزفت على مسارح العالم، رفقة نجوم “البلوز”، وأصبحت المرأة الوحيدة في منطقة المغرب العربي، التي تعزف على القومبري.
تعرضت لوعكة صحية واليوم تعودين إلى الغناء كلمينا عن الأوقات الصعبة التي مررت بها وكيف اجتزت محنة المرض؟
المرض قضاء من الله، حاجة الله، ليس لدينا قدرة على معرفة متى نمرض وكيف نشفى، تعرضت لوعكة صحية سنة 2016، ألزمتني البقاء في مستشفى مصطفى باشا، لمدة أربع أشهر. عرفت حينها قيمتي بين أهلي ومحبي فني، غمروني بعطفهم، ووقفوا إلى جانبي، تحملوا تكاليف علاجي، واستقدموا لي أكفأ الأطباء في الجزائر، كانت القاعة تغص بالجماهير التي تزورني كل يوم وفي كل وقت، إلى غاية أن المستشفى منع الصحفيين من التصوير، وقلص وقت الزيارة.. هذا الحب، جعلني أتفطن من جديد، وأشعر بأنني قد أتعافى وأعود إليهم وأمتعهم بفني.
هل وقف إلى جانبك المسؤولون عن قطاع الثقافة؟
طبعا، الجميع وقف معي في محنتي. ولا أنسى زيارة وزير الثقافة، عز الدين ميهوبي، إلى بيتي في بشار، وأهداني باقة من الورد. لا أنسي أي شخص وقف معي ودعمني، خاصة المسؤولين في الإذاعة.
هل ترين اليوم أن الفنان خاصة من الجنوب مهمش ومنسي ولا يحظى بحقه في الظهور؟
لا أستطيع الحديث في هذا الموضوع، ولا أعرف، ربما قد يجيبونكم هم…
تسكت قليلا ثم تطلب مني عدم الحديث في السياسة، لأنها لا تحب ذلك ثم تقول: أنا امرأة فن وموسيقى، أغني وأقيم حفلاتي ثم أعود إلى بيتي.. لا أهتم بما يحدث حولي، ولا أتدخل في شؤون الفنانين، ولا أهتم إلا بعائلتي.. أنا “خاطيني البوليتيك”.
وصلت إلى العالمية في حين لم يتمكن غيرك كيف ذلك؟
ولن يستطيعوا، لأن انطلاقتي إلى العالمية كانت بعد أن توجهت إلى فرنسا في 9 جانفي 1999. اتصل بي صحفي من الإذاعة، وطلب مني التوجه إلى فرنسا، وحرص وأصر على أن أحضر القومبري. ترددت في البداية، وخفت، وقلت له: لا أستطيع، لأنني أخاف من والدي إذا عرف أنني أعزف عليه. فهذه الآلة، كما تعرفون، لا يعزف عليها إلا الرجال فقط، مثلها مثل “الفردة”، وبعض الآلات الموسيقية، التي يمنع على المرأة أن تعزف عليها. لكن، تحت إصراره، ذهبت وأخذت القومبري معي، وأحييت أول حفلة في ملهى “الكاباريه سوفاج” بباريس، الذي عرف أجواء غير معهودة، حيث تنقل الجمهور من كل مناطق فرنسا، لحضور الحفلات التي أحييتها. وكان “الكاباريه سوفاج”، لمدة 15 يوما، محجوزا لحسنة البشارية، والمتوافدون عليه لم يكونوا يقدّرون بعدد. لأول مرة، عرف إقبالا وتزاحما من هذا الشكل. عندما بدأت أغني وأعزف القومبري، لم أصدق نفسي. بدأ الحضور في “الجذب”، ويقعون على الأرض، بعد أن وصلوا إلى درجة الإغماء وفقدان الوعي.. قلت في نفسي، وأنا حائرة، كيف عمل القومبري فيهم كلّ هذا؟ وأي سحر هذا الذي حل بهم؟ ومنذ ذلك الوقت، بدأ عزفي يصل أرجاء العالم، وذهل الناس من أدائي. تصدرت صفحات جريدة “لوموند”، وكل الصحف الفرنسية تحدثت عني، طيلة 15 يوما، ووصفوني بـ”الديفا” الإفريقية.
عملت ألبوم “الجزائر جوهرة” الذي حقق لك الانتشار والنجاح الباهر ما مشاريعك اليوم؟
عندما وصلت العالمية، كنت أبلغ من العمر 48 سنة، واليوم عمري 68 سنة. أهتم بنفسي جيدا، وأعالج حتى أستطيع الاستمرار في الغناء. نعم، في 2009 أصدرت ألبومي “الجزائر جوهرة”، وحقق لي الانتشار عبر العالم، في فرنسا، بلجيكا، ألمانيا.. وأنا أحضّر اليوم لألبوم غنائي جديد، سيصدر في مطلع السنة الجارية 2019، أعمل عليه منذ فترة في فرنسا، إضافة إلى جولتي الغنائية مع فرقة “اللمة البشارية”، التي أسستها الفنانة سعاد عسلة، منذ أربع سنوات. وقد قمنا بجولة غنائية لمدة شهرين بين بلجيكا وفرنسا، ونحن بصدد جولة أخرى إلى اليابان والولايات المتحدة الأمريكية.
لماذا يمنع على المرأة العزف على آلة القومبري ونحن نعرف أن البيئة الصحراوية بيئة متفتحة خاصة للمرأة؟
هذا خطأ. المرأة، في وقت سابق لم يكن لها الحرية بالشكل الذي تعيشه حاليا. اليوم، كل شيء مباح، لكن في وقتنا، الفتاة يجب ألا تبقى خارج البيت حتى وقت المغرب.. العائلات كانت محافظة جدا، عكس اليوم، فلم يكن يسمح للفتاة بأن تعزف على القومبري، لأنه آلة للرجال فقط. ووالدي، حتى وفاته، لم يلمحني أعزف على القيثارة أو القومبري، رغم أنني كنت أحيي الأعراس وحفلات الختان وحفلات الخطوبة..
من هو والدك؟

والدي، سي سالم، عازف وصانع “قنابر”، ويضرب “لمحلة”، ومعلم “قناوي”، وكان مقدم زاوية صوفية في بشار. كنت أندسّ بينهم منذ أن كنت صغيرة، لأتعلم العزف. وقد صنعت قومبري بنفسي، وكلما جاء والدي من الحقل، أهرب إلى سطح المنزل، وأختبئ حتى لا يراني أعزف.
ووالدتك؟
لم تكن تهتم بالموسيقى.. كانت تعمل منظفة في البيوت.
متى بدأت الغناء وإحياء الحفلات لأول مرة؟
عندما تزوج والدي من امرأة أخرى، ووالدتي على قيد الحياة، أنجب منها 6 إخوة، فطلب مني والدي، ذات مرة، أن أحضر لحفل ختان أخي حسين، ففرحت كثيرا، لأن والدي وافق على غنائي. ومنذ ذلك الحين، وأنا أحيي كل أنواع الحفلات في بشار وخارج بشار. في تلك السنوات، من لم “يحضر حسنة” في حفلته كأنه لم يقم عرسا..
اليوم هل تربحين الكثير من المال من الغناء؟
طبعا، أربح الكثير.. حتى النساء في فرقة “اللمة”، استطعن أن يساعدن ويعلن عائلاتهن ويساعدن أزواجهن ويعشن حياة كريمة.
لو عاد بك الزمن إلى الوراء ماذا ستفعلين؟
لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لبقيت في بيتي أعزف وأربي أبنائي فقط، وأطمح إلى الحج.
يقصدك الكثير من الأجانب اليوم في بشار ما هي اهتماماتهم بالموسيقى الصحراوية؟
اهتمامهم الكبير بآلة القومبري وكل الطبوع الموسيقية.. القناوي، فيلالي، مغربي، راي.. كل ما هو موجود في التراث الجزائري الصحراوي يثير اهتمام الأجانب.