الرأي

ليأتِينّ على النّاس زمان!

سلطان بركاني
  • 66
  • 0

كثيرة هي الأحاديث والآثار التي تكشف عن شيء ممّا هو كائن في آخر الزّمان، وتبيّن أحوال النّاس فيه، وتنذر المسلمين وتحذّرهم وتشير لهم إلى الخلل وتُجلّي لهم سبيل الخلاص.. ولكنْ لعلّ ممّا يُؤسف له حقيقة أنّ أكثر المسلمين ما عادوا يهتمّون بهذه الأحاديث والآثار؛ لا يبحثون عنها ولا يلتفتون إليها، مع أنّ ما تضمّنتْه أكثره ينطبق تماما على زماننا هذا الذي نعيشه.. على خلاف ما كان عليه أمر صحابة النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- الذين عُهد عنهم شدّة اهتمامهم بمعرفة الفتن القادمة، حتى يعلموا سبيل الخلاص منها.

كان أجدادُنا وآباؤنا، إلى عهد قريب، يهتمّون برواية الآثار التي تتحدّث عن أحوال النّاس في آخر الزّمان، حتى تحوّلت إلى أقوال دارجة تصاغ في شكل حكم. تجد الواحد منهم يقول لك مثلا: “الناس لملاح راحو، واللي بقاو جياحو، واللي يجيك يجيك غير على صلاحو”، “راح ذاك الزمان وناسو، وجا هذا الزمان بفاسو، اللي يتكلم بالحق يكسروا لو راسو”، “يجي زمان يرجع فيه الواطي غالي، والحر يرجع تالي”، “يجي زمان يرجع فيه الخو بغبارو (غريب)، والصاحب يَخْدع صاحبو في دارو”، “يجي زمان يرجع الصّادق مَهْبول، والكاذب كلامو مَقْبول، والحق بين الناس مَجْهول”، “يجي زمان، الأسواق تتْلاقى، والقلوب تتفارق وتتْشاقى”، “يجي زمان تتبدل فيه الفْصول، الصيف يرجع شْتا، والْحَرْث ما يعطي مْحصول”… إلى آخر ما هنالك من الأمثال التي لها أصل في أحاديث النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وفي الآثار المستفادة من أحاديثه.

مسلمون قلوبهم قلوب الأعاجم!

من أحاديث النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم- التي تحدّث فيها عن آخر الزّمان، وكأنّه يتحدّث عن زماننا وأيامنا هذه، قوله –عليه الصّلاة والسّلام-: “ليأتين على الناس زمان؛ قلوبهم قلوب الأعاجم، من حب الدنيا، سُنتهم سنّة الأعراب، ما أتاهم من رزق جعلوه في الحيوان، يرون الجهاد ضرراً، والزّكاة مغرماً” (الطبراني وأبو يعلى).. ومثل هذه الحديث حديث آخر يقول فيه النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “ليأتينَّ على النَّاس زمانٌ لا يُبالي المرء بما أخذ المالَ: أ من حلالٍ أم من حرامٍ” (البخاري)، أي إنّ كثيرا من المسلمين، يصبح الحرام عندهم مثل الحلال تماما، كلّ ما وصلت إليه أيديهم فهو حلال، وإذا قيل لأحدهم: “هذا حرام” أعرض ونأى بجانبه ولوى عنقه، وربّما استهزأ وقال: “كاش ما بقى حرام”! وفي الحديث الآخر: “ليأتينَّ على النَّاس زمانٌ، لا يبقى فيه أحدٌ إلَّا أكل الرّبا، فإن لم يأكله أصابه من غُباره” (المستدرك). أي أنّ أكثر النّاس يتعاملون بالرّبا أو يصيبهم غباره، إلا من رحم الله.. ونحن نرى في زماننا هذا كيف تساهل كثير من المسلمين في أمر الرّبا، وتنافسوا في الاستفادة من قروض البنوك وتزاحموا على فرصها التي تغري بها النّاس، ولم تبق إلا قلّة من المسلمين لم تغترّ بكثرة المتدافعين على الربا.

ومن الأحاديث، كذلك، تلك التي أشار فيها النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- إلى أنّ الدّين سيصبح غريبا بين المسلمين أنفسهم، حيث قال: “يأْتي على الناس زمان؛ الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر”. (رواه الترمذي). وهذا ما نعيشه في أيامنا هذه، الدّين لشدّة غربته أصبح كالجمرة المتّقدة الحامية التي يتحاشى أكثر النّاس حملها لأنّهم لا يصبرون على حرّها، ولا تحملها إلا القلة الصّابرة التي لا تعبأ بكلام النّاس، القلّة التي ينظر إليها أغلب النّاس على أنّها مغبونة لا تريد أن تعيش حياتها، وأنّها “تحوّس على المشاكل، وما تحبّش الهنا”. وقد ورد في بعض الآثار ما يشير إلى هذا، ومن ذلك: “ليأتينَّ على الناس زمان يُعيَّر المؤمن بإيمانه، كما يُعيَّر اليوم الفاجر بفجوره؛ حتى يقال للرجل إنك مؤمن”، وفي أثر آخر: “يأتي زمانٌ على النَّاسِ يستَخفي المؤمِنُ فيهِم كما يَستَخفي المُنافِقُ فيكمُ اليومَ”.

غربة الدّين في هذا الزّمان، لا يشعر بها من يعيش حياته لأجل دنياه؛ لأجل وظيفةٍ وراتب وسكن وزوجة وسيارة، بل ولا يشعر بغربة الدّين من يظنّ الدّين خمس صلوات يؤدّيها كلّ يوم وأذكارا يردّدها بلسانه في من حين لآخر، وهو لا يتحرّك له لسان ولا قلب ولا يتمعّر له وجه في مواجهة الباطل ونصرة الحقّ.. يقول أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله-: “إذا أردتَ أن تعلمَ مَحلَّ الإسلامِ من أهلِ الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقِفِ بلبّيك، وإنما انظر إلى مُواطأَتهم أعداءَ الشريعة” (ابن مفلح في كتابه «الآداب الشرعية»). ويقول أحد رجال العصر: “إياكم أن تخدعوا أنفسكم بكتب تقرؤونها، وبنوافل تزاولونها، ولا يحملنكم الانشغال بالأمور المريحة عن الأمور العظيمة، يقول الله –تعالى-: ((وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم))”.

ومن الأحاديث التي أشارت إلى أحوال النّاس في آخر الزّمان، قوله –عليه الصّلاة والسّلام-: “لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أسْعَدَ الناسِ بالدُنيا، لَكِعٌ ابن لَكِعٍ” (الترمذي). بمعنى أنّ أسعد النّاس بالدّنيا في آخر الزّمان في الغالب هم التافهون والساقطون من الخلق، الذين لا يعبؤون بحلال ولا حرام؛ تُجزل لهم عطاياهم من الدّنيا، وتفتح لهم خزائنها، فتنة وامتحانا للنّاس.. ونحن الآن نرى كيف أنّ أبواب الحلال تكاد تكون موصدة، وأبواب الحرام مفتوحة على مصاريعها، والناس يتهافتون على أبواب الحرام ويتنافسون فيها تنافسا محموما، حتى رأينا من كانوا قبل سنوات من أفقر خلق الله، يصبحون بين عشية وضحاها من الأغنياء الذين يستكبرون في الأرض بغير حقّ، وقد ورد وصف هذه الحال في حديث آخر عن علامات السّاعة، فيه: “وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان” (رواه مسلم).. وها نحن نرى بعض الأعراب الذين كانوا قبل نصف قرن يرعون الإبل ويمشون حفاة، أصبحوا يمتلكون القصور ويبنون الأبراج الشاهقة. بل قد أصبحوا يتنافسون في إشاعة الفساد والانحلال، ويتحكّمون في مصير الملايين من المسلمين، ويقرّرون متى تندلع الحروب ومتى تتوقّف!

أمراء… وقُرّاء!

من الأحاديث التي أشارت إلى حال النّاس في آخر الزّمان، قول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “سيكونُ عليكم أمراء، يأمرونكم بما لا يفعلون؛ فمن صدَّقهم بكذبِهم وأعانهم على ظُلمهم فليس منِّي ولست منه ولن يَرِد علىَّ الحوض”، والأحاديث التي تشير إلى هذه الحال كثيرة وكثيرة جدا، لكنّ هناك جهودا كبيرة تُبذل لإخفائها! أحاديث تنذر بطينة من الملوك والأمراء في آخر الزّمان يتّصفون بصفات من أهمّها الظّلم وكثرة الكذب، والمصيبة أنّهم يجدون من يبرّر ظلمهم ويروّج كذبهم، في المنابر الإعلاميّة وفي صفحات وقنوات الذباب على المواقع، بل وحتّى من بعض من يوصفون بالعلماء والدّعاة؛ حتّى تصبح الأكاذيب كأنّها حقائق غير قابلة للمناقشة!

ولذلك كثيرا ما تربط الأحاديث النبويّة بين حال أمراء آخر الزّمان وحال قومٍ تصفهم بـ”القرّاء”! يحرّفون الدّين ويبدلّون الحقّ ليُرضوا أولئك الأمراء ويغطّوا على مخالفتهم لشرع الله. هم في نظر النّاس علماء، وربّما يوصفون بالكبار، لكنّ الأحاديث تصفهم بالقراء، لأنّهم يقرؤون الحقّ وأدلّته، لكنّهم لا يقولون به، بل يخالفونه بأقوالهم وأفعالهم، أي إنّهم يعلمون الحقّ ويكتمونه، تماما كحال علماء أهل الكتاب من قبل: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون)).

من تلك الأحاديث، قول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “سيأتي على أمّتي زمانٌ تكثر فيه القُرّاء، وتقلّ الفقهاء، ويُقبض العلم، ويكثر الهرج”، وحديث آخر من مراسيل الحسن البصري –رحمه الله- أنّ النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- قال: “لا تزال هذه الأمّة تحت يد اللّه، وفي كنفه، ما لم تُمَالِ قرّاؤُها أمراءَها، وما لم يُزكّ صالحوها فجّارها، وما لم يُمَنِّ خيارُها شرارَها…”!

ضرورة الاهتمام بـ”علم آخر الزّمان“

إذا أردنا أن نعرف طريقنا في هذا الزّمان الذي ينضح بالفتن، فينبغي لنا أولا أن نتشبّث بكتاب الله المصدر الأوّل والأعظم للهداية، وأن نبحث بكلّ اهتمام عن الأحاديث النبويّة التي تصف حال زماننا هذا وحال أهله، وتبيّن المخرج من فتنه.

عِلم آخر الزّمان، واحد من أجلّ العلوم التي كان الأوائل يهتمّون بها، لكنّنا في زماننا هذا أهملناه، مع أنّنا أقرب إلى “آخر الزّمان” وربّما نكون من أهله! وإذا استمرّينا في إهماله فإنّنا سنعيش في عماية لا نعرف فيها طريقنا، وفي غفلة لا ندري ما نحن صائرون إليه، حتى نفجأ بالدجّال وفتن آخر الزّمان، وفي الحديث: “لا يخرج الدّجّال حتّى يذهَل النّاس عن ذكره، وحتّى تترك الأئمّة ذكره على المنابر”.

هناك جهاتٌ تبذل أموالا طائلة وتسخّر قرّاءً وكتابا ووسائل إعلامية ضخمة، لتُنسي المسلمين علم آخر الزّمان، حتى لا يستشرفوا الأحداث، فيعرفوا الحقّ من الباطل، والمحقّ من المبطل.. على النقيض تماما ممّا هي الحال عند اليهود الصهاينة الذين زاد اهتمامهم بالنبوءات وأحداث آخر الزّمان، في هذه الأيام، حتى أصبح كبار ساستهم يتحدّثون بها. لأنّهم يريدون أن يقاتلوا بدينهم وعقيدتهم المسلمين؛ فهل يصحّ أن نغفل نحن عن ديننا وعقيدتنا، لنقاتل اليهود بقوميات أو وطنيات؟!

مقالات ذات صلة