الرأي

ليت الحملة تتحول إلى حملات

حفيظ دراجي
  • 8742
  • 26

التعبئة والتجنيد والحشد الكبير الذي تمارسه كل القوى السياسية والاجتماعية والوسائل الإعلامية عبر التراب الوطني لحث المواطنين على التوجه إلى صناديق الاقتراح يوم العاشر من ماي، حملة كبيرة وخارقة للعادة وملفتة للانتباه، وتعبر عن قدرتنا الجبارة على القيام بحملات وطنية مماثلة -مؤقتة ودائمة- لأجل قضايا اجتماعية واقتصادية وثقافية وأخلاقية نحن في أمسّ الحاجة إليها لتصحيح ما يمكن تصحيحه في مجتمع يعاني من اختلالات وتناقضات، ويملك كل القدرات لتجاوز الأزمات والانتقال إلى عهد جديد.

الحملة الانتخابية الحاصلة عندنا هذه الأيام من أجل حث المواطنين على التصويت بكل الجهود والتكاليف والاهتمام الرسمي الحاصل، تستوقفنا لبعث نقاش وطني حول مشروع مجتمع وقضايا وطنية كبرى تستدعي تبادل الآراء والأفكار بين مختلف فئات المجتمع، لإشراكها في بناء وطن نحلم به ونستحقه بالنظر إلى تضحياتنا وتضحيات من سبقونا.

ليتنا نتفق على القيام بحملة وطنية بنفس التعبئة والتجنيد.. حملة تجتمع فيها الحكومة بكل وسائلها ومؤسساتها مع الأحزاب والتنظيمات والشخصيات الوطنية والكفاءات، من أجل تخفيف أعباء الحياة القاسية على أبنائنا وتقليص حجم البطالة التي يعانون منها، وإيجاد الحلول لأزمة السكن ومعالجة المشاكل العالقة والفوارق الاجتماعية المتزايدة بين طبقة غنية تزداد غنى، وأخرى فقيرة ومحتاجة تزداد فقرا، وبين أهل الشمال والجنوب، وبين المدن الساحلية والأخرى الداخلية في الجزائر العميقة.

ليتنا نتفق على القيام بحملة وطنية لمحاربة الفقر والجهل والتسرب المدرسي، والأمية المتفشية في القرى والأرياف، ومحاربة الآفات الاجتماعية المتراكمة عبر السنين.. وحملة أخرى تشترك فيها الحكومة والمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني وأسلاك الأمن المختلفة لفرض سيادة القانون، لا قانون القوي والغني وأصحاب النفوذ الذين يريدون تحويل الدولة ومؤسساتها إلى ملكية خاصة يتصرفون فيها حسب أهوائهم الذاتية والجهوية.

ليتنا نتفق على القيام بحملة وطنية لتنظيف أحيائنا وشوارعنا ومساجدنا ومرافقنا الاجتماعية التي طالها الإهمال والنسيان وسوء التسيير، ولم تعد تلبي الحاجيات المتزايدة لأبنائنا، ولا متطلبات العصر وما تقتضيه الحداثة والعصرنة والعيش الكريم في الوطن الذي مات من أجله أجدادنا وآباؤنا، ونبحث في أحسن السبل لتشجيع الاستثمار الخاص، واستثمار مواردنا الضخمة في صناعة الثروة وخلق فرص العمل ومواكبة الحاجيات المتزايدة.

ليتنا نتفق على القيام بحملة وطنية لحماية مؤسسات الدولة من التسيب والإهمال وسوء التسيير وغياب المراقبة، وانتشار “الحڤرة” والتفرقة والجهوية في مواقع مختلفة، ونحمي مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا من الجمود الذي يتسرب إليها بفعل مناهج عقيمة وسياسات أثبتت فشلها في تخريج جيل جديد متشبع بحب الوطن وتقديس العلم والعمل والجهد.. وحملة أخرى لإعادة تأهيل مستشفياتنا ومصانعنا ومرافقنا الثقافية والرياضية، واستصلاح أراضينا الفلاحية وكل ما من شأنه بعث نفس جديد في حياتنا.

يجب أن لا ننسى القيام بحملة دائمة ضد العنف الأسري والمدرسي والعنف ضد الأطفال والنساء، وعنف الملاعب والشوارع وانتحار الأطفال وتهجير الكفاءات ونهب الخيرات، وحملة أخرى متواصلة لتنشيط الحياة الثقافية والاجتماعية وتشجيع الحوار السياسي والاجتماعي، بعيدا عن الأنانية والنرجسية والإقصاء الذي يمارس على كل المستويات.

ليتنا نتفق أيضا على القيام بحملة وطنية لإعادة الأمل إلى النفوس والعقول في جزائر أفضل.. جزائر تسودها الطمأنينة والأخوة والعدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية، ونتحلى فيها بالقناعة والأخلاق النبيلة.. جزائر نحترم فيها الكبير والصغير والقوي والضعيف والغني والفقير.

كل هذه الحملات وغيرها كثيرة ومتنوعة لا تكلف ربع ما تكلفه الحملة الانتخابية الحالية من جهد ومال وتعطيل للحياة وشؤون المواطنين الذين يضطرون للانتظار إلى ما بعد الانتخابات لقضاء حوائجهم، وأينما ذهبوا تقابلهم عبارة “بعد الانتخابات سنرى”، وكأن مصير الوطن والشعب مرتبط بالتشريعيات التي خضنا مثلها قبل خمس سنوات ومثلها قبل ذلك، وما زلنا لم نخرج بمشروع مجتمع لائق وطبقة سياسية ذات مستوى وبرلمان يمثل الإرادة الشعبية، ولم نخرج من مشاكل تتفاقم وأمل مفقود وألم يتزايد على جزائر عظيمة وشعب صبور وواع، وبلد يملك كل المقومات لكي يكون أحسن مما هو عليه اليوم.

مقالات ذات صلة