ليديا لعريني للعربي: “التمثيل ليس أداءً بل انكشاف داخلي مؤلم أحياناً”
ضيفتنا استطاعت أن تفرض حضورها، عبر مسار هادئ عميق، قائم على الاختيار لا الصدفة، وعلى الصدق لا الاستعراض. من خشبة المسرح التي تعتبرها فضاءها الأول، حيث تألقت في أعمال مثل “امرأة من ورق” و”الجميلات”، إلى الشاشة الصغيرة من خلال مسلسلات “يما”، “دوار الشاوية” و”دموع لولية”، وصولاً إلى السينما عبر فيلم “الحياة ما بعد”، للمخرج أنيس جعاد، ثم فيلم “حدّة”، الذي قدمت فيه واحدة من أكثر شخصياتها تركيباً… ظل خيط واحد يجمع كل هذه التجارب: البحث عن الإنسان داخل الدور.
في هذا الحوار، تتحدث ليديا لعريني بصدق نادر عن علاقتها بالتمثيل، عن القلق الذي يرافقها، عن تفاصيل بناء الشخصية، وعن معنى أن تكون ممثلاً في زمن السرعة.
لا أؤمن بالوصول… الفن رحلة بحث لا تنتهي
الشروق: كيف عشتِ لحظة تكريمكِ ضمن فعاليات الأيام السينمائية الدولية بسطيف، وهل ترين في هذا الاعتراف تتويجاً لمساركِ أم بداية مرحلة جديدة في تجربتكِ الفنية؟
_ أعتقد أن التكريم في ظاهره يبدو لحظة احتفال، لكنه في عمقه لحظة مواجهة. مواجهة مع الذات قبل أي شيء آخر عندما يتم الاعتراف بك، لا تشعر فقط بالفخر، بل تشعر بثقل هذا الاعتراف. لأن هناك من رأى فيك شيئاً يستحق التقدير، وهذا يضعك أمام مسؤولية أن تكون في مستوى تلك النظرة.
بالنسبة إلي، التكريم لم يكن لحظة راحة، بل لحظة قلق جميل. القلق الذي يدفعك إلى إعادة التفكير في كل شيء: في اختياراتك، في مسارك، وحتى في علاقتك بالفن. هل كنت صادقة فعلاً؟ هل ما قدمته يشبهني؟ وهل يمكنني أن أستمر بنفس الصدق؟ هذه الأسئلة لا تختفي، بل تزداد بعد التكريم.
كما أنني أخاف من فكرة “الوصول”. فالفن، في نظري، لا يعرف الوصول. هو رحلة مستمرة من الشك والبحث. وإذا شعرت في لحظة بأنك وصلت، فهذا يعني أنك توقفت. لذلك أتعامل مع التكريم كإشارة بداية، لا كنقطة نهاية.
الشروق: كيف تطوّر وعيكِ الفني مع الوقت؟
_ في بداياتي بالمسرح، كنت أتعامل مع التمثيل بشغف فطري، فيه الكثير من الاندفاع، وربما شيء من البراءة أيضاً. كنت أقبل الأدوار بدافع التجربة، بدافع التعلم، دون أن أفكر كثيراً في الاختيارات. كان الهدف هو أن أكون حاضرة، أن أتعلم، أن أكتشف نفسي.
لكن مع الوقت، تغيّر هذا الوعي. لم يعد الحضور هدفاً في حد ذاته، بل أصبح وسيلة. أصبحت أبحث عن الأدوار التي تطرح أسئلة، التي تزعجني، التي تجعلني أفكر. لأنني أؤمن بأن الدور الذي لا يترك أثراً في داخلك، لن يترك أثراً في الجمهور.
كما أصبحت أكثر ميلاً للهدوء في الأداء، أقل رغبة في إثبات شيء، وأكثر رغبة في أن أكون صادقة. لأن التمثيل الحقيقي، في رأيي، لا يحتاج إلى استعراض، بل إلى صدق. والمشاهد اليوم، رغم كل ما يقال، لديه قدرة كبيرة على تمييز الصدق من الزيف.
“حدّة” شخصية مغلقة من الخارج… ومليئة بالحياة من الداخل
في “حدّة”… الجسد يتكلم والصمت يكشف الحقيقة
الشروق: ننتقل إلى “حدّة”… كيف التقيتِ بهذه الشخصية لأول مرة؟
_ كانت قراءة النص تجربة خاصة. شعرت منذ البداية بأنني أمام شخصية ليست سهلة، ولا يمكن الاقتراب منها بطريقة تقليدية. “حدّة” لا تشرح نفسها، ولا تمنحك مفاتيح جاهزة لفهمها. هي شخصية مغلقة من الخارج، لكنها مليئة بالحياة من الداخل.
ما شدني هو هذا التوتر الداخلي الذي تعيشه. هي ليست بطلة واضحة، ولا ضحية واضحة. هي شيء بين الاثنتين. وهذه “المنطقة الرمادية” هي ما يجعل الشخصية حقيقية. لأن الإنسان في الواقع ليس أبيض أو أسود، بل مزيج من التناقضات.
كما شعرت أيضاً بأن “حدّة” تشبه كثيراً نساءً نعرفهن، نساء عشن في صمت، ولم يُمنحن فرصة الحكي. وهذا أعطى الدور بعداً إنسانياً أكبر بالنسبة إلي.
الشروق: كيف قمتِ بتشكيل ملامح شخصية “حدّة” من الناحية النفسية والأدائية؟
_ اشتغلت على الشخصية كأنها شخص حقيقي، ليس كنص. حاولت أن أبني لها حياة خارج السيناريو. ماذا تفعل عندما تكون وحدها؟ كيف تنظر إلى الآخرين؟ كيف تتعامل مع الخوف؟ هذه التفاصيل لا تُكتب، لكنها تُبنى.
كما ركزت كثيراً على الصمت. لأن “حدّة” لا تتكلم كثيراً، لكنها تقول الكثير. كان عليّ أن أجد طريقة للتعبير عن هذا الداخل دون كلمات. وهذا يتطلب تركيزاً كبيراً، لأن أي مبالغة قد تفسد كل شيء.
اشتغلت أيضاً على الجسد، على الإيقاع الداخلي. لأن الجسد في التمثيل يتكلم بقدر الكلام، وربما أكثر. طريقة الوقوف، الحركة، حتى التنفس… كلها عناصر تصنع الشخصية.
الشروق: هل وجدتِ نفسكِ أمام تحديات إنسانية أكثر منها تقنية في أثناء التصوير؟
_ نعم، مرهق جداً، خاصة من الناحية النفسية. هناك مشاهد لم تكن صعبة تقنياً، لكنها كانت ثقيلة داخلياً. أن تعيش شعوراً دون أن تعبّر عنه بشكل مباشر، أن تكبته وتتركه يظهر فقط في نظرة أو صمت… هذا مرهق.
أحياناً، كنت أعود من التصوير وأنا أشعر بتعب داخلي، ليس جسدياً، بل عاطفياً، لكن هذا جزء من العمل لأنك إذا لم تتأثر، لن تؤثر.
لا أبحث عن الإعجاب… بل عن الصدق الذي يصل بصمت
بين الصمت والصدق… أبحث عن أثر لا يُرى بل يُشعر به
الشروق: فيلم “الحياة ما بعد” كان تجربة مختلفة… ماذا أضاف لكِ؟
_ كان تجربة هادئة لكنها عميقة جداً، علّمني أن أقلل، أن أهدأ، أن أترك المساحة للصمت. في هذا الفيلم، اكتشفت أن القوة ليست في الفعل، بل في البساطة.
تعلمت أيضاً أن أكون أكثر ثقة في “اللاشيء”. لأن أحياناً، أقوى لحظة في المشهد هي تلك التي لا يحدث فيها شيء ظاهرياً وهذه قناعة أصبحت ترافقني في كل أعمالي.
الشروق: المسرح… أما زال هو المرجع؟
_ المسرح هو الجذر. هو المكان الذي تعلمت فيه الصدق. على الخشبة، لا يمكنك أن تختبئ، لا يوجد وسيط بينك وبين الجمهور. كل شيء يحدث أمامهم مباشرة.
هذا جعلني أكثر وعياً بحضوري، أكثر احتراماً للتفاصيل. وحتى اليوم، أشعر أن كل ما أفعله في السينما أو التلفزيون، يعود بطريقة أو بأخرى إلى المسرح.
الشروق: كيف ترين الممثل اليوم في ظل التغيرات؟
_ الممثل اليوم يعيش تحدياً كبيراً. هناك ضغط السرعة، ضغط الإنتاج، وضغط الجمهور أيضاً. أحياناً يتم اختزال العمل الفني في أرقام، وهذا مؤلم.
لكن في نفس الوقت، أعتقد أن الممثل الحقيقي سيجد طريقه دائماً. لأن الصدق لا يضيع. ربما يتأخر، لكنه يصل.
الشروق: ما الذي يحدد اليوم قراركِ في قبول أي تجربة فنية؟
_ أبحث عن الصدق، فقط. لم أعد أبحث عن الشهرة أو الحضور، بل عن التجربة التي تشبهني. عن الدور الذي يجعلني أرتبك، الذي يجعلني أطرح أسئلة. لأنني أؤمن بأن الفن ليس إجابة، بل سؤال مستمر.
الشروق: ما الأثر الذي ترغبين في تركه لدى المشاهد بعد كل عمل جديد تقدّمينه؟
_ لا أحتاج أن يعجب، بل أن يتأثر، أن يفكر، أن يرى نفسه في أدواري.
الشروق: كلمة أخيرة؟
_ التمثيل بالنسبة إلي ليس مهنة، بل حالة.. حالة من البحث المستمر عن الإنسان… وربما لن أصل إلى حقيقة كاملة، لكن يكفيني أنني أحاول… في كل مرة، أن أكون أقرب إلى الصدق.