الرأي

ليس دفاعا عن الدروس الخصوصية

بقلم الأستاذ: عبد المالك أمين بوقفة
  • 1555
  • 2

انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الدروس الخصوصية وتفشّت بشكل رهيب، ولم تعد مقتصرة على تلاميذ وطلبة الامتحانات الرسمية في بعض المواد التي يجدون صعوبة في استيعابها، وهي تختلف من تلميذ إلى آخر، وتضاربت الآراء والمواقف حولها، حول أسبابها، وسبل علاجها، أو الحد من انتشارها لتعود إلى حجمها ودورها الطبيعيين.
وقد صرح وزير التربية بما مفاده: أن دافع الأساتذة نحو الدروس الخصوصية هو دافع مادي، وأن حل هذا المشكل سيساهم في الحدّ من هذه الظاهرة، وتقليصها إلى حد بعيد. وهذا الكلام يوحي بأن السبب الرئيسي لتفشي هذه الظاهرة هو الدافع المادي والظروف الاجتماعية للمعلمين والأساتذة، بينما الحقيقة أن الدروس الخصوصية ظاهرة تربوية اجتماعية معقدة وهي نتيجة وبديل مَرضيّ لمنظومة تربوية فاشلة أرهقت المعلّم والمتعلم والأولياء نتيجة كثافة وصعوبة المقررات الدراسية بالدرجة الأولى، ولو افترضنا أن وزارة التربية قررت منح راتب برلماني أو وزير للأستاذة، وهم يستحقون ذلك، ومنعتهم بقوة القانون والصرامة في تنفيذه من تقديم الدروس الخصوصية، فإن المجتمع ـــمتمثلا في الأولياءـــ سيلجأ إلى أساتذة آخرين لا يزاولون مهنة التعليم وسيغرونهم بالمال لتقديم الدروس الخصوصية؛ ليقينهم بأن المناهج التربوية المقررة فاشلة ولن توصل أبناءهم إلى تحقيق النتائج المرجوة خاصة في الامتحانات الرسمية.
ومن باب الموضوعية، لا ننفي أن بعض الأساتذة وأشباه الأساتذة -في حالات شاذّة- قد تورطوا في الجانب المادي للدروس الخصوصية إلى حدّ بعيد أنساهم الجانب الرسالي التربوي الذي هو أصل مهنة المعلّم ومهمته ورسالته. ولا ننسى هنا أن المجتمع هو الذي شجع هؤلاء على ذلك من خلال الهوَس بالدروس الخصوصية والحرص الشديد عليها ودفع النفيس في سبيلها.
وفي تقديري الشخصي، فإنّ مسؤولية تفشي الدروس الخصوصية بشكل رهيب تتحمّلها أطراف ثلاثة على الترتيب:
أولا: الوزارة الوصيّة من خلال كثافة المناهج التربوية المملة المليئة بالحشو، التي أنجبت أجيالا من التلاميذ عاجزة علميا وتربويا وإبداعيا عن كتابة فقرة سليمة أو التحدُّث بطلاقة في موضوع ما لبضع دقائق (يستثنى من ذلك قلة من المتفوّقين تمثل نسبة ضعيفة).
ثانيا: الهَوَس المجتمعي بالدروس الخصوصية، خاصة لدى الأمهات، ما أدى إلى تفاقم الظاهرة وعدم اقتصارها على أقسام الامتحانات الرسمية وضعيفي المستوى في بعض المواد، بل أصبحت هناك دروس خصوصية لسنوات التحضيري والأولى والثانية ابتدائي، ولجميع المستويات والسنوات من التحضيري إلى البكالوريا!
ثالثا: بعض أشباه الأساتذة الذين ساهموا في ترغيب التلاميذ في الدروس الخصوصية، إلى درجة أن بعضهم أصبح يسرِّب الأسئلة أو يلمِّح إليها في الدروس الخصوصية ويقصّر في مهامه التربوية والتعليمية داخل القسم.. وهؤلاء -وإن كانوا قلة- أساؤوا إلى المعلم والتربية والتعليم والمتعلم.

المطالِبون بإيقاف الدروس الخصوصية من دون إصلاح المنظومة التربوية إصلاحا يغني عنها، هم جاهلون بواقع المنظومة التربوية ينظرون إلى الظاهرة من زاوية ضيقة، فالمجتمع ـــمتمثلا في الأولياء خاصةـــ سيرفض إيقافها لأنه مولعٌ بها ويعتقد أن سرّ نجاح التلاميذ وتفوُّقهم، خاصة في الامتحانات الرسمية، كامنٌ فيها بدرجة كبيرة، فهي ليست تربية وتعليما وإنما تدريب على طريقة تحصيل النقاط بالدرجة الأولى، وذلك مبتغى التلاميذ وأوليائهم وهدفهم الظرفي الأسمى في هذه الامتحانات.

أما المطالِبون بإيقاف الدروس الخصوصية من دون إصلاح المنظومة التربوية إصلاحا يغني عنها، فهم واهمون جاهلون بواقع المنظومة التربوية ينظرون إلى الظاهرة من زاوية ضيقة، ونقول لهم: “المجتمع ـــمتمثلا في الأولياء خاصةـــ سيرفض إيقافها لأنه مولعٌ بها ويعتقد أن سرّ نجاح التلاميذ وتفوُّقهم، خاصة في الامتحانات الرسمية، كامنٌ فيها بدرجة كبيرة، فهي ليست تربية وتعليما وإنما تدريب على طريقة تحصيل النقاط بالدرجة الأولى، وذلك مبتغى التلاميذ وأوليائهم وهدفهم الظرفي الأسمى في هذه الامتحانات.
وكذا الذين يطلبون من الأساتذة إغناء المتعلمين عن الدروس الخصوصية وتحقيق الكفاءات المرجوة في القسم بدلا من مستودعات الدروس الخصوصية ـــــــ كما يسمّونهاـــ متّهمين إياهم بالتقصير في القسم والجدّ والاجتهاد والإتقان في المستودعات، هؤلاء كذلك واهمون بعيدون عن الحقيقة والواقع لأن الأستاذ -كما ألمحنا سابقا- في القسم مقيَّدٌ بالمنهاج ومقرراته الكثيفة، وفي الدروس الخصوصية حرّ يتصرف كيفما يشاء يركز على ما يراه مهما ونافعا للمتعلم، يستدرك نقائصه ويرفع مستواه في تحصيل النقاط، وهذا أمرٌ محمود من جهة ومعيب من جهة التركيز على تحصيل النقاط لا تحصيل المقاصد التربوية والاجتماعية والحضارية للتعليم،
وهذا مثال للتبسيط والتوضيح:
أستاذ الأدب العربي في التعليم الثانوي يدرِّس التلاميذ في الثانوية خلال كل وحدة تعلمية نصوصا أدبية ونصوصا تواصلية ومطالعة وتعبيرا كتابيا ونشاط المشروع وبناء وضعيات مستهدَفة… وبعض هذه النشاطات لا تكون لها صلة مباشرة بامتحان البكالوريا في اعتقاد التلاميذ، ولكن الأستاذ ملزَمٌ بها حرفيًّا لأنه مقيَّد بالمنهاج المقرَّر من طرف وزارة التربية، والوحدة التي تتضمن هذه الأنشطة المختلفة تهدف إلى تحقيق كفاءات تعلّمية وتربوبة وشعورية ذات أبعاد تربوية واجتماعية ونفسية، بينما الأستاذ في الدروس الخصوصية يركِّز مباشرة على نماذج الامتحانات ومنهجية الإجابة عنها؛ أي ما يحتاجه الطالب في البكالوريا مباشرة، ولذلك تجد الطالب مهتما مركِّزا متابِعا… على عكس ما نجده عليه في القسم النظامي بالمؤسسة التربوية.
والحال هذه كحال المريض عند الطبيب العامّ وعند الطبيب الخاص، فالتلميذ في الدروس الخصوصية مثل المريض عند الطبيب الخاص صبورٌ ممتنّ لسان حاله يقول: “سيدي الطبيب، سيدي الطبيب”
وحال التلميذ في المدرسة العمومية، خاصة في الطورين المتوسط والثانوي، كحال المريض عند الطبيب العامّ في المستشفى يصبح “متعاليا” صاحب حقّ ووصاية على الطبيب كأن الطبيب يعمل عنده.
وفي الأخير أرى أن علاج ظاهرة الدروس الخصوصية بشكلها المَرَضي المتفشي اليوم يقوم على دعامتين:
الأولى: إصلاح المناهج التربوية بشكل عميق وجذري يجذب المتعلّم ويرغّبه بدلا من الحشو والكثافة اللذين أرهقا المتعلّم والمعلِّم بل والأولياء من دون نتيجة مُرضية.
الدعامة الثانية: إراحة الطاقم التربوي، معلمين وإداريين وتربويين، ماديا ومعنويا ليتمكنوا من تسخير طاقاتهم وجهودهم للنهوض بالتعليم.
وبذلك تعود الدروس الخصوصية إلى حجمها ودورها الطبييعيين فتقتصر على سنوات الامتحانات الرسمية في المواد الأساسية، وبعض التلاميذ والطلبة الذين يحتاجون إلى الدعم والتقوية والتمرين والاستدراك في بعض المواد في المستويات الأخرى، وبذلك يمكن ضبطها وتنظيمها داخل المؤسسات التربوية أو في أكاديميات رسمية مرخصة.
في الأخير، أقول ليس دفاعا عن الدروس الخصوصية، فهي بهذا الحجم من الانتشار والهوس المجتمعي بها غير تربوية، ولكن الحقيقة تقال: أصلحوا المناهج التربوية، أصلحكم الله، عالجوا أصل الداء لا الأعراض الجانبية، فما الدروس الخصوصية إلا نتيجة وبديل وتعبير عن فشل المناهج التربوية الكثيفة الصعبة المرهِقة التي أرهقتنا وأرّقتنا جميعا.

مقالات ذات صلة