الرأي

لِنُفكِّر بهدوء..

محمد سليم قلالة
  • 735
  • 5

نَعيش اليوم ضمن عاصفة هوجاء تهزّ العالم وتعمل على تغييره في أكثر من جانب؛ اضطراباتٌ جوهرية في التحالفات على أكثر من صعيد، سياسيٌّ واقتصادي وصحي واجتماعي وعسكري، وإعادة ترتيب لا شك فيه للأوضاع في شتى المناطق. في هذا الظرف بالذات نحن في حاجة ليس فقط إلى التفكير بهدوء وحذر إنما للعمل بذلك.

التجاذبات التي يعرفها بلدُنا على الصعيد الجيواستراتيجي لم يعرفها قبل اليوم أبدا. بين أوروبا وأمريكا والصين وروسيا التنافس على أشدّه ونحن في خضمّه، وعلينا التصرف بحكمة في قضايا ذات أهمية قصوى: تهديد أوروبا بالاستغناء عن المحروقات الجزائرية في حدود 2030، سعي الصين إلى تعزيز طريق الحرير في شمال إفريقيا، رفض روسيا لأي إعادة ترتيب جيواستراتيجي في المنطقة لصالح الولايات المتحدة، إصرار هذه الأخيرة على التأثير على بلدنا لكي تتمكن من تمرير سياستها الشرق أوسطية، اقتراب الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية المناوِئة لسياستنا من حدودنا الغربية… وإذا أضفنا إلى كل هذا ما يكتنف العلاقات الجزائرية الفرنسية من شدٍّ وجذب بخاصة في القضايا الأمنية والسياسية والمتعلقة بالجالية وبالموقف من الجارتين ليبيا ومالي، فإننا بالفعل سنجد أنفسنا في وضع لا نُحسَد عليه، وقد شَحَّت الموارد المالية في ظل تزايد الطلبات الاجتماعية المختلفة من غذاء وصحة وسكن وعمل، وقد ازدادت المطالب السياسية المُتعلِّقة بدولة القانون والعدالة والشرعية والمشروعية…

كيف علينا أن نتصرّف في ظل مثل هذه الوضعية المُركَّبة من عشرات المتغيرات متبادلة التأثير والتأثر باستمرار، حتى لا أقول المعقّدة والمريضة؟ ليس من السهل أبدا القول إن مفتاح الحل سياسيٌّ أو اقتصادي أو دولي، وليس من السهل الجزم القول إن انتخاباتٍ نزيهة في أي مستوى كانت ستُخرجنا من عنق الزجاجة، كما ليس من السهل القول إن البديل هو في استمرار الاحتجاج الاجتماعي والسياسي، ذلك أن كل هذه الأساليب ذات جدوى ولكنها غير كافية في واقع الأمر دون تكاتف جهود الجميع ووعيهم بالمخاطر المُحدَقة ببلادنا والتنازل لبعضهم البعض في المواقف والآراء لنتمكن جميعا من التفكير بهدوء في المستقبل لعلنا نجد مخرجا من الحال التي نحن عليها.

لا يكفي لعنُ الظلام، وإلقاء اللوم على أخطاء الماضي، إن كانت سياسات أو كانوا أشخاصا، بل ينبغي التركيز على بدائل المستقبل. نحن في حاجة إلى حالة من الهدوء تُمكّننا من ذلك حتى لا نقع في محظور التفكير في حالة غضب أو تحت الضغط. مثل هذه الحالات لن تؤدي بنا سوى لاتخاذ قرارات في اتجاه واحد، ولن تكون سوى قرارات خاطئة بالضرورة إنْ كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

إن قراءة سريعة في دول العالم (غير الغربية) المُرشّحة حسب تقارير دولية عدة لأن تحتل مكانة بين الأوائل من هنا إلى سنة 2030 تُبيِّن لنا فسيفساء من الأنظمة السياسية: الصين، روسيا، تركيا، الهند، مصر، المكسيك، اندونيسيا، إيران… الخ، بما يؤكد مسألة في غاية الأهمية بغضِّ النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذه الأنظمة، أن كل بلد اختار النموذج السياسي والاقتصادي الذي يليق به، وأنه لم يعُد هناك نموذجٌ صالح للتقليد والاقتداء في العالم. كل بلد كانت له اجتهاداته بالأخطاء والإيجابيات التي تخصُّه… ليس هناك بلدٌ قدوة، كلُّ بلد أصبح يتصرف وفق مصالحه القومية ووفق تقاليده وخبرته التاريخية… أمرٌ واحد أخذه الجميع بعين الاعتبار هو الرفع من مكانة دولهم بين الأمم وتجنب الوقوع في السيناريوهات الخبيثة السيئة كما حدث لأكثر من دولة فاشلة إلى حد الآن…

علينا أن نجد المخرج لأنفسنا. ولِنفعل، نحتاج قبل أي شيء إلى أَنْ نُفكِّر بهدوء.

مقالات ذات صلة