مؤامرة صهيونية عربية خطيرة
خلال الندوة الصحفية التي أعقبت لقاء ترامب ونتنياهو يوم 15 فيفري الجاري، لم يكتفِ الطرفان بإعلان دفن “حل الدولتين”، بل كشفا عن حلّ بديل عبّر عنه ترامب بقوله: “إننا نسعى إلى التوصُّل إلى مبادرة سلامٍ جديدةٍ وعظيمة، ليس فقط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل ستتضمن الكثيرَ من الدول العربية الأخرى”، موضحا أن “الأفكار الجديدة المتعلقة بعملية السلام تتضمَّن إشراك الحلفاء العرب، وستكون عملية سلام كبيرة، وتتضمّن قطعة أكبر من الأرض”!
هذا التصريح الخطير يحيلنا مباشرة إلى ما راج من أنباء منذ أشهر قليلة عن سعي الكيان الصهيوني إلى إقامة دولةٍ بديلة للفلسطينيين في غزة والأراضي المجاورة لها في سيناء على مساحة 1600 كلم مربّع، وقيل آنذاك إن الرئيس محمود عباس قد رفض هذا الحلّ وأصرَّ على قيام دولة فلسطينية على حدود 4 جوان 1967، ولكن هاهو ترامب يتحدّث عن “مبادرة السلام” الجديدة الآن بكل ثقة ويصفها بـ”العظيمة” و”الكبيرة” لأنها ستمنح الفلسطينيين “قطعة أكبر من الأرض” مقابل تخليهم عن الضفة الغربية للكيان الصهيوني، كما تحدّث بوضوح عن إشراك “الحلفاء العرب” في العملية، ما يعني أن أمريكا أقنعت نظام السيسي وباقي حلفائها العرب بمبادرتها وبالانخراط في تنفيذها، مقابل التحالف معها لصدّ الخطر الإيراني في المنطقة، وهو الحلف الجديد الذي يضمّ الكيان الصهيوني أيضاً، حسب تأكيدات جريدة “وول ستريت جورنال” الأمريكية!
هناك إذن مؤامرة جديدة لتصفية القضية الفلسطينية، وفرضِ حلّ جديدٍ لها يقوم على بناء “دولةٍ فلسطينية” بديلة منزوعةِ السلاح على شريط غزة الصغير وجزء من سيناء، والتخلّي عن القدس وجلّ فلسطين التاريخية للاحتلال الصهيوني ليقيم عليها “دولته اليهودية” التي ستمارس أبشع أنواع التمييز العنصري ضد الفلسطينيين المتشبّثين بأراضيهم!
المفارقة أن المؤامرة ليست فقط صهيونية أمريكية غربية هذه المرة كما تعوّدنا طيلة 70 سنة، بل إن بعض العرب قبلوا أن يشاركوا فيها بطيب خاطر، وكأن فلسطين ملكٌ لهم يتصرَّفون فيه كما يشاؤون!
وما دام ترامب يتحدّث عن “إشراك الحلفاء العرب في عملية السلام الكبيرة” هذه، فإن “نوعية” المشاركة المطلوبة من “الحلفاء العرب”، قد تتمثّل في دخول قواتٍ عربية مشترَكة إلى القطاع لتحاول انجاز ما فشل فيه الصهاينة وهو القضاء على المقاومة وإعادة غزة إلى سلطة عباس، لينتقل إليها بعد أن تُضمّ الضفة نهائيا إلى الكيان الصهيوني، ويقيم على القطاع وعلى جزءٍ من سيناء “دولته الفلسطينية” البديلة..
الواضح أن هناك تغيّراتٍ جذرية دراماتيكية بالمنطقة، وتحالفاتٍ ضد الطبيعة بصدد التشكّل لتنفيذ مخططات ترامب ونتنياهو المتطرّفة وسيساهم فيها بعض العرب طائعين مقابل مكاسب محدودة، وهذه التحالفات المشبوهة لن تخدم إلا داعش وأخواتها بالمنطقة، أما المقاومة التي تصدّت لـلآلة العسكرية الصهيونية الجبارة في أربعة حروب كاملة وصمدت أمامها، فقد يتمكّن المتآمرون من إلحاق أضرار كبيرة بها ولكنهم لن يتمكنوا من تصفيتها، لأن الفلسطينيين سيلتفُّون حولها أكثر الآن بعد أن انتهى ماراطون المفاوضات العبثية بسقوط مدوٍّ لـ”حل الدولتين” وسراب “السلام”، وستحدِّد المقاومة والفلسطينيون الشرفاء وحدهم مصيرَ فلسطين من النهر إلى البحر ولن يتركوها لترامب ونتنياهو وكل من تحالف معه من عرب التآمر والانبطاح.