الرأي

مؤتمر الصومام: إنجازٌ ثوري تتقاذفه السرديات المتصارعة

د. حسين بوبيدي
  • 660
  • 0

لقد شكّل علم الحديث في الإسلام أول محاولة منهجية للتحقق من الأخبار وتأسيس أسس النقد التاريخي، ليس بمعناه الحديث فحسب، بل كنظام متكامل يعتمد على دراسة الإسناد -أي سلسلة الرواة- وفحص عدالتهم وضبطهم، مع تحليل المتن ومطابقته للقرآن، ويمكن اعتبار هذا الاهتمام بالإسناد والمتن تأسيسا مبكّرا للوعي النقدي وخطوة أولى في ضبط الأخبار التاريخية وتمييز الصحيح من الضعيف، قبل ظهور أساليب النقد التاريخي في أوروبا بقرون عديدة، ومن هنا تنبثق الحاجة الدائمة إلى التفكير النقدي المستمرّ في كل رواية تاريخية، مهما كانت قديمة أو نالت قداسة جمعية قد تكون قداسة متوهمة.
امتدّ هذا النهج إلى الكتابة التاريخية المبكرة، سواء تعلق الأمر بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو بتاريخ الإسلام المبكر وقرونه الأولى، كما يظهر في أعمال موسى بن عقبة والزهري، إذ جمعوا الأخبار عن الصحابة والتابعين بطريقة منهجية، مسجلين الأحداث والأخبار المرتبطة بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ومغازيه، في حين ركز ابن سعد على دراسة تراجم الرواة وطبقاتهم، ما أتاح التأكد من صحة الأخبار وربطها بسياقاتها الواقعية، وجاء تاريخ الطبري ليمثل مجموعا ضخما من الأخبار المسنَدة تاركا مهمة فحصها لغيره.
وهكذا وضع التاريخ الإسلامي إطارا منهجيا يعتمد على التحقق النقدي، بعيدا عن النقل الأعمى، مؤسسًا قاعدة لفهم الأحداث في سياقاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومع أن التاريخ سرعان ما شكّل منهجية مختلفة مع تشكل مدرسة الإخباريين، لكن النَّفَس النقدي بقي يمارس دوره في التمييز بين الروايات عند المؤرخين الصارمين.
وتوسّع هذا المنهج النقدي مع ابن خلدون، الذي رسم في مقدمة “كتاب العبر” تصوُّرا لدراسة التاريخ كأساس علمي قائم على العمران البشري والاجتماعي، ونبّه في مقدمة “مقدمته” إلى الأخطاء الشائعة عند النقل الأعمى للأخبار، وأنكر ما تصادم منها مع العقل ومع طبيعة العمران البشري، مؤكدا أن دراسة التاريخ تتطلب أدوات تحليلية دقيقة لتفريق الحقيقة عن الوهم والكذب، وفهم العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تشكِّل الأحداث بما يعدُّ اختراقا في فهم التاريخ وإدراك فلسفته، وبذلك تصبح الكتابة التاريخية دراسة متكاملة للعلاقات البشرية والتفاعلات المجتمعية التي تؤطّرها، وليس مجرد سرد للأحداث.

 أثار هذا التحوُّل مطارحات إبستمولوجية عميقة حول طبيعة المعرفة التاريخية: هل التاريخ موجودٌ بذاته، أم أن المؤرخ هو من يبنيه؟ هل دور المؤرِّخ هو تفسير الماضي أم إعادة تشكيله؟ هنا يظهر مفهوم السرديات الوظيفية؛ أي الروايات التاريخية المبنية لتلبية أهداف محددة في الحاضر، سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو شخصية، وقد تتضمن تبسيط الأحداث، أو حذف وقائع، أو إعادة ترتيبها، أو منحها تفسيرات جديدة وفق مصالح معينة، بخلاف المنهجية الأكاديمية التي تسعى إلى الموضوعية والتحقق النقدي.

مع ظهور المدارس الغربية الحديثة، شهد النقد التاريخي تحوُّلا جذريا، بدءا بالمدرسة الوضعية التي ركّزت على الوثائق، ثم مدرسة الحوليات، بالإضافة إلى المدرسة الأنجلو-ساكسونية، وخصوبة النقاشات التي دارت بين أعلامها.
لقد أثار هذا التحوُّل مطارحات إبستمولوجية عميقة حول طبيعة المعرفة التاريخية: هل التاريخ موجودٌ بذاته، أم أن المؤرخ هو من يبنيه؟ هل دور المؤرِّخ هو تفسير الماضي أم إعادة تشكيله؟ هنا يظهر مفهوم السرديات الوظيفية؛ أي الروايات التاريخية المبنية لتلبية أهداف محددة في الحاضر، سواء كانت سياسية، أو اجتماعية، أو شخصية، وقد تتضمن تبسيط الأحداث، أو حذف وقائع، أو إعادة ترتيبها، أو منحها تفسيرات جديدة وفق مصالح معينة، بخلاف المنهجية الأكاديمية التي تسعى إلى الموضوعية والتحقق النقدي، ومفهوم السرد الوظيفي غائب مع الأسف عن العقل الجزائري الذي قد يهدم بنيانا أكاديميّا موثقا لمجرد شهادة متأخرة من ذاكرة متعَبة تصفّي حسابات قديمة، أو أصابها النسيان، أو تريد تبرير تموقعات أنتجتها ظروف لاحقة بالتدخل لـ”إصلاح الماضي” ليصبح قابلا للاستعمال!
هذا التأصيل النقدي يمهِّد الطريق لفهم السياقات المعاصرة، ويتيح إدراك تأثير الضغوط والميول المختلفة على إنتاج المعرفة التاريخية، وفي الجزائر تتّضح أهمية هذا النقاش عند دراسة الثورة التحريرية بمختلف محطاتها، وخاصة ما تعلق بالقضايا الجدلية، إذ تتوفر مادة وثائقية ضخمة، لكنها تتشابك مع الروايات المتضخِّمة حول أحداث جوهرية بسبب عوامل متعددة: السياق الزمني الذي كُتبت فيه المذكرات، والضغوط السياسية والاجتماعية المحيطة بالكتابة، والتوجُّهات الفردية للكتّاب، التي قد تتراوح بين التعبير عن التجربة الشخصية، أو توثيق الأحداث، أو حتى التعبير عن آراء سياسية أو جهوية محددة، ولذلك فهذه النصوص والروايات بالرغم من قيمتها، لا يمكن اعتبارها وحدها معيارا موضوعيًّا لفهم الثورة، بل تحتاج إلى تحليل دقيق وفرز منهجي، ومقارنة مستمرّة بين المصادر المختلفة، لأننا في الأخير نتحدَّث عن سياق تاريخي مضى وانقضى بمنظومته المعرفية والاجتماعية الحاكمة، وعلاقات الفاعلين المتشابكة، والتداخلات بين العوامل المؤثرة، والتي لم تكن في أي يوم بسيطة بل معقدة، ولذلك تتكشف القراءات المنحازة بطريقة فجّة أنها مجرد بناء لذاكرة موجَّهة ومستعملة وليست تاريخا.
إن النقاش السنوي حول مؤتمر الصومام يمثل نموذجا حيًّا لهذا التعقيد، إذ أن الاختلاف في الروايات لا ينبع من غياب “الحقيقة التاريخية الممكنة”، بل من تعدُّد المصادر واحتواء كل مصدر على منظور محدد، مستجيبا لضغوط اجتماعية أو سياسية أو شخصية، إذ أن بعض المذكرات قد تركز على تجربة فردية داخل الهرم القيادي للثورة (بن بلة مثلا في مقابل عبان)، في حين تركز مصادر أخرى على تحليل القرارات الجماعية ومراحل اتخاذها، وتركز على الحمولة الفكرية من خارج السياق المنتِج لها (حمولة الانتماء العربي الإسلامي يومها) ومن هنا تأتي أهمية الكتابة الأكاديمية التي توازن بين هذه المصادر، وتدرس كل شهادة في سياقها، وتقوم بتقييمها وفق معايير واضحة، مع الاعتراف بأن أي دراسة تاريخية تبقى محاولة لفهم الماضي بما يتيح إدراك العلاقات والتداخلات التاريخية بشكل موضوعي، وهذه المقاربة لا تلغي أهمية الروايات الشخصية، بل تجعلها جزءا من مادة البحث التاريخي، لتقديم فهم أعمق وأكثر دقة للتاريخ.
إن تطبيق هذا المنهج المتوازن على دراسة الثورة التحريرية الجزائرية المجيدة يفتح المجال لفهم أوسع وأكثر عمقًا لتطور الأحداث والأدوار المختلفة للفاعلين: القادة السياسيون، المجاهدون الميدانيون، المنظمات الشعبية، والمجتمع الجزائري في عمومه داخل الوطن وخارجه، كما يسمح بفهم التعقيدات الداخلية، مثل الاختلافات بين الأشخاص والمناطق، والتحديات التي واجهت الثورة على مستوى التنظيم والتخطيط، من دون انزلاق إلى الأحكام المسبقة أو التفسيرات المبسطة، وبذلك تصبح الكتابة التاريخية الأكاديمية أداة لفهم الثورة من الداخل، وإعادة بناء مسارها بطريقة شاملة، تربط بين التجارب الفردية والمشهد العامّ للوقائع والتحوُّلات، بعيدا عن ثنائيتي: التقديس والتخوين.
إن النقد التاريخي ليس مجرد أداة للتحقق من صحَّة الأخبار أو الوثائق، بل هو إطار منهجي يمكّن الباحث من إنتاج معرفة تاريخية متوازنة، تحترم الحقيقة التاريخية الممكنة وتستوعب تعددية التجارب والآراء، بعيدا عن الانحياز أو التضليل، وتسمح لنا دراسة الثورة الجزائرية ضمن هذا الإطار بفهم أعمق للأحداث الكبرى، بما يحقق الجمع بين المنهجية النقدية والوعي التاريخي، من دون إسقاط المواقف الشخصية أو المصالح اللحظية على التحليل الأكاديمي.

مقالات ذات صلة