مؤسسات بتأطير نسوي ورحلة بحث عن الذكور في الجامعة
أخذت ظاهرة العنصر النسوي في المؤسسات الإدارية والتربوية والجامعية انتشارا واسعا، بشكل خلف بعضا من الجدل وردود الأفعال وسط الجزائريين، مشيرين إلى تسبب ذلك في غياب التوازن، في ظل الحضور الباهت للذكور قياسا بالإناث، ويتجلى ذلك في الوسط التربوي والجامعي، سواء ما يتعلق بسلك الأساتذة والموظفين، أو عدد الطلبة مقارنة بالطالبات في حجرات الدراسة ومدرجات الجامعة والمؤسسات التعليمية والتربوية.
يذهب بعض المتتبعين إلى القول بأن هناك خلل يسود المحيط المهني والدراسي، في ظل غياب التوازن ولو نسبيا بين الذكور والإناث، ويرى البعض ممن تحدثت معهم “الشروق” أن طغيان العنصر النسوي في مختلف المؤسسات يشكل ظاهرة تستدعي البحث والنقاش، بالنظر إلى الانعكاسات السلبية التي قد تنجر عنها في عدة جوانب، بدليل ندرة الذكور من فئة المعلمين والأساتذة مقارنة بالحضور القوي للعنصر النسوي، وهذا خلافا لعشريات زمنية سابقة، حين كانت المرأة تعمل في البيت، بينما كان الرجل يسعى للعمل خارج المنزل، وقد يلجأ إلى الهجرة أو التنقل مسافات بعيدة في ولايات مجاورة طلبا للرزق، فيما انقلبت الأمور خلال السنوات الأخيرة، بعد الارتفاع الكبير لعدد الموظفين من العنصر النسوي قياسا بالذكور، ما جعل البعض يطلق مصطلحات مثل “تأنيث الإدارة والمؤسسات التربوية والجامعية”.
بين عزوف الذكور والحضور القوي للإناث
لاحظ الأستاذ مخلوف لعروسي أمرين في تأنيث التعليم، أحدهما طبيعي وهو كثرة الإناث على الذكور، أما الأمر الثاني فهو عزوف الذكور عن طلب العلم عدا القلة القليلة، وهو ما تسبب حسبه في غياب التنافس النزيه بين الجنسين كما كان سابقا، وقال محدثنا أن كل فتاة لا ملجأ لها من التحرر سوى التعليم وإلا حُكم عليها بالبيت الذي ترى فيه انتقاص من حريتها، وهو ما دفعها إلى بذل كل جهودها للحفاظ على حريتها التي تعد عاملا يعينها على الخروج من البيت، ويتطرق محدثنا إلى عامل آخر، وهو أن معظم المعلمين والأساتذة إناثا في السنوات الأخيرة، ناهيك عن الاستخلاف العشوائي ومنطق الاختيار دون مقياس (مراهقات يقفن أمام مراهقين). أما الدكتورة صليحة سبقاق من جامعة بسكرة فترى أن الإشكالية تتمظهر في المنظومة التربوية بمراحلها الثلاث أكثر من الجامعة، مضيفة بالقول: “لا أقصد أن الإشكال يتمحور في كفاءة المرأة وقدرتها على القيام بمهامها التربوية والتعليمية، ولكن في كل مرحلة من المراحل الثلاث لابد وأن يدرس التلميذ لدى معلمين ومعلمات وذلك له دلالاته النفسية والسيكولوجية”، على أن المهام الإدارية في المراحل الثلاث تكون أكثر جدية لدى الرجال، وهذا لا يمنع حسب قولها من أن تكون أحيانا أكثر ديناميكية لدى بعض النساء. وحسب محدثتنا فإن نسب النجاح في البكالوريا والدراسات العليا تكون أكثر عند الإناث وهذا شيء ملموس، ما يجعل عدد الأستاذات الجامعيات أكثر من عدد الأساتذة خصوصا في الشعب الأدبية والإنسانية، ومع ذلك أرى أن طغيان العنصر النسوي في الجامعة لا يفرز إشكالية كبيرة مقارنة مع بقية المراحل التعليمية.
نساء يؤكدن.. ندرس بحثا عن العمل لأن الحياة مع الرجل غير آمنة
ويبدو أن العنصر النسوي وصل إلى درجة معينة من البراغماتية التي فرضها الوضع الذي وصل إليه المجتمع الجزائري، بدليل السعي إلى الدراسة لضمان منصب عمل بحثا عن الاستقلالية المادية، اقتناعا بأن الحياة مع الرجل أصبحت غير آمنة، وفي هذا الجانب يقول الدكتور إبراهيم بوزيد من جامعة أم البواقي “الأصل في العلاقة بين الرجل والمرأة التكامل والشعور بالتكامل، لكن واقعنا اليوم قد حول هذه العلاقة إلى صراع خفي يتجسد أكثر في مشاعر الشعور بالتهديد وعدم المكانة التي باتت تشعر بها المرأة جراء ممارسات المجتمع الذكوري، فصارت كل سلوكات المرأة عبارة عن ردود فعل من أجل مقاومة مشاعر الاضطهاد”، مضيفا بالقول “يمكننا أن نسقط هذه التصورات على ما نراه اليوم في الجامعة من تزايد رهيب لعدد الطالبات مقارنة بعدد الطلبة، فقد أجريت استطلاعا لرأي الفتيات حول اتجاهاتهن نحو الدراسة، فكانت أغلب الإجابات، ندرس من أجل الحصول على ديبلوم، لأن الحياة مع الرجل غير آمنة، ولا يؤتمن الرجل، فالديبلوم يمكنني من الاستقلال عن الرجل، كما أنه سلاح المستقبل، فالمستقبل بدوره غير آمن، إذن هي فعلا مشاعر الاضطهاد الناجمة عن ممارسات المجتمع الذكوري”. وخلص الدكتور إبراهيم بوزيد إلى نتيجة وهي إن هذه الظاهرة غير صحية من الناحية الاجتماعية، وتسبب اختلالا في الأدوار بين الرجل والمرأة، بل هو صراع للأدوار تحركه مشاعر خطيرة (مشاعر الاضطهاد، والشعور بالدونية)، مؤكدا أن ما ينبغي التفطن إليه هو العمل على توجيه هذا التغير الاجتماعي في المجتمع الجزائري لضمان جيل متوازن من الناحية الانفعالية. أما الدكتورة سامية غشير من جامعة الشلف ورغم اعترافها بطغيان العنصر الأنثوي في سوق العمل خاصّة في المنظومات التّربويّة والجامعيّة والإداريّة، إلا أنها ترى بأن نجاح المرأة هي نتاج تميزها في جميع المجالات التّعليّمية والعلميّة والثّقافيّة، وحتى الإداريّة والسّياسيّة، مؤكدة أن النّساء يمثّلن عنصرا أساسا في بناءِ المجتمعات الإنسانيّة، والدّليل على ذلك ما وصلت إليه هذه الأخيرة من تطوّر ورقي بفضل نساء نموذج، تركن بصمتهن المميّزة في مجالات شتّى، وأسهمن في ازدهار المجتمع والوطن، لذلك حسب رأيها لا يجب أن ننظر إلى المرأة نظرة دونيّة ناقصة، “فمن حقها أن تعمل وتتقلّد مناصب ساميّة إن أظهرت تفوقها ونجاعتها وكفاءتها”.
مؤسسة تربوية بتأطير نسوي هل هو تحصل حاصل؟
يرى الأستاذ كمال نوار أن هذه الظاهرة بمثابة تحصيل حاصل لنجاح الإناث في مختلف الشهادات والمستويات الدراسية مقارنة بالذكور.. وحسب قوله فإن أغلب الذكور يتوقف بهم قطار التعلم قبل الجامعة، ومن وصل منهم إلى الجامعة فهناك سبل أخرى يتجهون إليها وخاصة إلى الحياة العسكرية لتأمين مستقبلهم المهني مبكرا.. مضيفا بالقول: “في قطاع التربية -مثلا- طغى العنصر المؤنث، وصار تواجد المرأة شاملا لا يقتصر على التدريس بل تعداه إلى التسيير والإشراف والتفتيش…”، ويرى أن “هذا الطغيان صار اليوم عاديا ولم يعد يلفت الانتباه في ضوء التغيرات التي عرفها مجتمعنا”، أما عن تأثير ذلك على المستوى الدراسي فلا يراه محدثنا كبيرا، وهذا بصرف النظر عن بعض الاستثناءات، بحكم أن مردود المرأة الأستاذة يتأثر بسبب غياباتها المتكررة (الولادة والحضانة والانشغالات العائلية) ومدى تحكمها مقارنة بالرجل، لكن هذا لا يحجب فعاليتها وحرصها على تقديم أفضل ما عندها…”، مشيرا أنه إذا كان الاهتمام بكل شرائح المجتمع فهي عادة صحية، أما إذا كان تمكين المرأة في-مجتمعنا المحافظ- تحت إملاءات خارجية ومنطلقات إيديولوجية فلا أراه إلا تخريبا ممنهجا لقيم مجتمعنا.
استقلالية المرأة يعيد مشكل العنوسة إلى الواجهة
من جانب آخر، ذهب البعض من المتتبعين إلى التحذير من مخلفات ظاهرة تأنيث المؤسسات التربوية والجامعية والإدارة بشكل عام، بالنظر إلى تأثيراتها السلبية الناجمة عن الاستقلالية المادية، ما تسبب في ارتفاع العنوسة ناهيك عن ظاهرة الخلج التي انتشرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ما جعل الأسرة الجزائرية عرضة لهزات ناجمة عن غياب الاستقرار. وفي هذا الجانب، أوضح الدكتور عمار شوشان من قسم علم النفس بجامعة باتنة بأن هذه الظاهرة لا يمكننا تسميتها بالعادة وإنما واقع مفروض، وهذا بناء على عدة عوامل، منها أن النسبة الكبيرة من خريجي الجامعات إناث (في أغلب التخصصات)، كما أن بعض أرباب العمل يحبذون العنصر النسوي لعدة أسباب، وفي مقدمة ذلك إنهن يرضون بالأجرة الزهيدة ويعملن دون ضجر أو ملل… وأكد الدكتور عمار شوشان إن لهذه الظاهرة تأثيرات سلبية على المحيطين الاقتصادي والاجتماعي، ناهيك عن مزاحمة العنصر النسوي على طلب العمل ينقص من حظوظ الرجال، ومن ثمة ازدياد نسبة العنوسة وتأخر سن الزواج، كما قد يؤدي ذلك إلى فساد أخلاق الرجال والنساء على حد سواء. وتطرق الدكتور عمار شوشان إلى تأثير خروج المرأة للعمل وانعكاسه على وضعية الأسرة والأطفال بالخصوص، ما يجعل جميع أفراد الأسرة يعيشون ضغوطا تؤثر على علاقاتهم ونفسياتهم. وقال محدثنا: “نجد في قطاع التربية تأثيرات إضافية خاصة مع كثرة عطل الأمومة وتأثير ذلك على تحصيل التلاميذ، كما نصادف مشكلة عدم قدرة المرأة على التحكم في الصف والتعامل مع مختلف السلوكيات خاصة لدى المراهقين”. وأوضح الدكتور عمار شوشان بان تأنيث الوظائف إذا زاد عن حده له تأثيرات سلبية كبيرة وكثيرة على جميع القطاعات والأصعدة، معتبرا أن عمل المرأة مهم ولكن في مجالات محدودة وبالقدر المطلوب.