ماذا خسرت المقاومة الفلسطينية؟
دخل حيز التنفيذ اتفاقُ وقف إطلاق النار في غزة بين فصائل المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني المعتدي الذي يشن حرب إبادة فظيعة منذ الثامن من أكتوبر من سنة 2023، خلّفت قرابة سبعة وأربعين ألف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين وقضت على البنية التحتية للقطاع، من مستشفيات وطرق وبنايات، وحرمت الآلاف من الفلسطينيين من حقهم في التعليم والعلاج والعيش الكريم.
ومع اقتراب هذا الموعد، رفعت الكثير من الأصوات المحسوبة على التيار التطبيعي المتصهين الانهزامي عقيرتها مشكِّكة بخبث في منجزات المقاومة وقدرتها على الصمود، ساعية إلى تأليب الرأي العامّ في الداخل الفلسطيني والخارج ضد حماس، وضد كل فعل مقاوم، وفاعل يسعى إلى التحرر من ربق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني .
الأصوات الناشزة، المشكّكة، التي تتخذ من بعض الدين مرجعية لها، باسم “عدم القدرة على مقارعة العدو”، وتلعب على وتر الطائفية وزرع الفتن ما ظهر منها وما بطن، خرجت في وسائل الإعلام وعبر وسائل التواصل تطرح السم في العسل، في محاولة منها لزعزعة الإيمان بمبدأ المقاومة، وترسيخ مبدأ العبودية في شموليته الفكرية والفلسفية والدينية. ولكن الشارع العربي والإسلامي الواعي والمدرك لأهداف هؤلاء وأجندتهم، يعي جيدا أن النصر قائم، وأنَّ ما بعد 7 أكتوبر لا يمكن أن يكون كما قبله .
استُشهد قادة حماس من هنية إلى السنوار، كما استشهد قادة حزب الله في معركة التآزر والإسناد، فهل يعدّ الاستشهاد خسارة؟ نعم الخسارة هي إذن استشهاد الآلاف من الفلسطينيين، نساء وأطفال وشيوخ ورجال وشباب، ونحن نعي جيدا بإيماننا أنهم الكاسبون، الظافرون، الغانمون فما كسدت ولا بارت تجارةٌ مع الله .
في خضمّ الحرب وفي ساحات الوغى، واجه جند حماس والجهاد، أعتى تكنولوجيات الحرب والقتل والدمار، تكنولوجيات لم تستخدم إلى حد الآن في أي صراع، وتمكن المجاهدون الصابرون المسلحون بالإيمان، من زعزعة ثقة العدو في نفسه وكسر شوكة جنوده، فالإحصائيات الرسمية تتحدث عن مئات القتلى والجرحى في صفوف عصابات الكيان ونخبته من القتلة السفلة، وآلاف المصدومين والمفزوعين والذين يعالَجون الآن في مستشفياته من هول الصدمة .
كان رهان حماس، أن تحتفظ بالأسرى الصهاينة، لأنهم ورقة مهمة جدا في تحديد مسارات التفاوض، ووفقت الفصائل الفلسطينية المجاهدة في ذلك، وحصنت بذلك قدرتها على المناورة والتفاوض، رغم الوسائل الكبيرة التي استخدمها الكيان الصهيوني بدعم واضح جلي من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وعجز عن الوصول إلى الرهائن من خلال ترسانته الاستخباراتية “قنابل بأكثر من طنين، طائرات تجسس، بواخر ومنظومات تتبع متطورة جدا” وفشل العدو وخاب مسعاه ومسعى مواليه وداعميه والمنبطحين من حوله.
لقد أعاد سلاح المقاومة بشكل غير مسبوق بعث القضية الفلسطينية إلى قلب القضايا الدولية ونفض عنها غبار ما بعد أوسلو ومساعي التدجين وأطاح بصفقات التطبيع والهرولة التي كانت تطبخ تحت الطاولة، والأكثر من ذلك فضح نفاق أنظمة ومماليك عربية وإسلامية، كما ورد في “كتاب الحرب”، وعرّى ازدواجية الخطاب الغربي ومعاييره العجيبة والغريبة التي تحمل الفكرة ونقيضها حين يتعلق الأمر بالآخر العربي المسلم.
استشهد مجاهدون وقادة من الصف الأول، فانتسب الآلاف إلى فصائل المقاومة، كما استشهد العشرات من قادة الثورة الجزائرية في السنوات الأولى من ثورة التحرير، التي كانت تستند إلى إرث قوي وواسع من المقاومات الشعبية فانتقلت حمم الجهاد إلى جيل جديد مرّغ أنف فرنسا والحلف الأطلسي في التراب، فهل خسرت الثورة الجزائرية؟