الرأي

ماذا سنقول للشهداء لو يعودون هذه الأيام..؟

حفيظ دراجي
  • 16974
  • 104

بعد أيام ستحل علينا الذكرى التاسعة والخمسين لاندلاع واحدة من أعظم ثورات القرن العشرين في الفاتح نوفمبر 1954، وعندها سنستذكر ككل مرة تضحيات أجدادنا وآبائنا من الشهداء والمجاهدين الذي دفعوا حياتهم من أجل أن تعيش الجزائر حرة سيدة ويعيش شعبها حياة كريمة في كنف العدالة الاجتماعية وسيادة القانون.. وعندها نتوقف مع أنفسنا لنسألها هل كانت في مستوى تضحيات الرجال؟ وهل كنا أوفياء لرسالة نوفمبر؟ وهل سرنا على نهج الأولين؟ وهل جزائر اليوم هي التي كان يحلم بها الشهداء؟ وماذا لو عاد الشهداء هذه الأيام يسألوننا عن أبنائهم وعن الأمانة، وأحوال الجزائر وشعبها، وعن كتابة التاريخ التي لم نقدر عليها ولا يعرف عنه أبناؤه سوى القليل؟

صحيح أن الشهداء سيكتشفون الهياكل والمرافق والمساكن الجديدة والطرقات ووسائل النقل الحديثة والمستشفيات والمدارس والجامعات، لكنهم سيصدمون من فساد الأخلاق وتراجع القيم، ولن نجد ما نقوله لهم عن ما فعلناه بالجزائر وشعبها ومؤسساتها على مدى خمسين عاما من الاستقلال؟ ولن يتجرأ أحد منا على الوقوف أمام العربي بن مهيدي وديدوش مراد وزيغود يوسف وعميروش وسي الحواس وحسيبة بن بوعلي وغيرهم ليقنعهم بأن ثورة التحرير حققت أهدافها! والخيارات التي انتهجناها هي عين العقل! وبأننا نعيش في وطننا في كنف الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية! 

لو عاد الشهداء هذا الأسبوع لهربوا مجددا وعادوا إلى مثواهم نادمين على تضحياتهم عندما يعرفون ما حدث لحزب جبهة التحرير الوطني الذي خاض الشعب ثورته تحت لوائه، ووصل به الأمر اليوم إلى هذا التراجع والتراشق والإهانة لرجاله، ووصل لدرجة أن يعبث به مناضلوه الذين أصبحوا لعبة بين أيدي المغامرين لا يقدرون على عقد مؤتمر واختيار أمين عام بكل حرية وشفافية، ولا على التجنيد وصناعة الرأي والتنديد بالانتهاكات المتكررة لمبادئ نوفمبر المجيدة..  

لن نجد ما نقوله لهم عن الجزائر التي كادت تتحول إلى مملكة ويتحول شعبها إلى عبيد في زمن الصمت الذي يخيم على الكثير من الرجال خوفا وطمعا، وفي زمن يتعرض فيه الكثير من الرجال للظلم والاقصاء والانتقام، وتتعرض فيه المؤسسات للتحطيم والإهانة وتعاني الإفلاس الفكري والأخلاقي والمهني لصالح دولة تقوم على العشيرة والولاء للأشخاص عوض الولاء للوطن والمبادئ والقيم..    

لا ندري ماذا سنقول لهم عن الاختطاف الذي تعرضت له الثورة بعد الاستقلال، وعن الاقتتال الذي حدث سنوات التسعينيات، وتراجع الدبلوماسية الجزائرية منذ رحيل بومدين، وماذا سنقول لهم عن الثروات والأموال والخيرات التي تتوفر عليها الجزائر ولم نحسن استغلالها والاستثمار فيها بسبب سوء التسيير والنهب المستمر للمال العام؟ وماذا سنقول لهم عن اليأس الذي يخيم على الكثير من النفوس والعقول؟

ماذا نقول لهم عن مبادئ الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية التي ضحوا من أجلها، وعن فرنسا التي لم نقدر على انتزاع اعترافها بجرائمها في الجزائر، وعن الجزائريين الذين يعيشون تحت خط الفقر في المدن والأرياف وفي الصحراء الشاسعة، وعن الشباب الذي يهجر وطنه بالآلاف ويموت في عرض البحر بالمئات بسبب الآفاق المسدودة؟ وماذا سنقول لهم عن تراجع الحريات وتضييق الخناق على الصحافة باستمرار، وتقزيم الأحزاب والشخصيات الوطنية التي تختلف معنا؟    

لسوء حظنا ولحسن حظ الفاشلين أن الشهداء والأموات لن يعودوا، خاصة وأن هناك من يتمنى أن لا تعود حتى أسماءهم وذكراهم ولا نستذكر بطولاتهم وتضحياتهم،  لأنها تزعج وتقلق بعض الأطراف وهي في قبورها، وتذكرنا بتضحيات لم نكن في مستواها ولا في مستوى شعب عظيم متفهم وصابر، ومتفائل بغد أفضل سيأتي لا محالة آجلا أم عاجلا، وعندها ستعود الجزائر إلى أهلها ويسود الحب والاحترام بيننا ويعود الانسجام بين مكونات المجتمع..  

مقالات ذات صلة