-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ماذا يتعلم السياسيون الإسبان من سقوط سانتشيز بسبب المخزن؟

حمدي يحظيه
  • 213
  • 0
ماذا يتعلم السياسيون الإسبان من سقوط سانتشيز بسبب المخزن؟

ارتكب بيدرو سانتشيز خطأ فادحا بالتقرب من المغرب وجعْله صديقا موثوقا به. لم يفهم بيدرو أن الصداقة مع المغرب وكسب وده هي طريق محفوف ومفروش بالورود نحو المحاكم والفشل والسجن. منذ اليوم الذي تمت فيه قرصنة هاتفه من طرف المخابرات المغربية “الصديقة”، في مايو 2021م، تحكم المخزن في قرار بيدرو سانتشيز السياسي والسيادي. بدأ الابتزاز والضغط عليه من جميع الاتجاهات. أول ابتزاز وضعه المخزن على طاولة بيدرو سانتشيز هو أنه فرض عليه أن يعترف بالحكم الذاتي المغربي، ويُخرج إسبانيا من الملف، ويجمد موقفها في الأمم المتحدة، ويقطع مع سياسة إسبانية امتدت خمسين سنة من الحياد والدعوة إلى تطبيق الشرعية الدولية وتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية. حتى بعد أن استجاب واعترف بالحكم الذاتي، لم يتركه المخزن وشأنه؛ ضغط عليه وابتزه، وحاول أن يفرض عليه تسليم المجال الجوي والمجال المائي للصحراء الغربية له، وضغط عليه بملف كناريا وبملف جبل التروبادو، كما فرض عليه أن تدافع إسبانيا عن مصالح المغرب في البرلمان الأوروبي لإفشال قرارات المحكمة الأوروبية العليا التي أبطلت أي اتفاق بين المغرب والاتحاد الأوروبي يشمل مياه وأراضي الصحراء الغربية. يشك الكثير من الإسبان في أن المغرب أمسك بيده بالقرار السيادي الإسباني إلى درجة أنه أصبح يرفض ـ المغرب ـ زيارات بعض الرؤساء إلى مدريد، وأصبح يرفض توقيع اتفاقيات بين إسبانيا وبلدان أخرى لا يرضى عنها المخزن مثل الجزائر وجنوب أفريقيا.

ولم يكتفِ المخزن بالابتزاز، بل قام بحرب قذرة في داخل إسبانيا نفسها. يتهم الإسبان المخزن بأنه كان وراء أكبر انقطاع للكهرباء في إسبانيا، وأنه كان وراء عمليات مجهولة ضد بعض القطارات، وأنه كان وراء الحرائق. وحتى يُجهز المغرب على سانتشيز ويُسقطه، غزا سبتة برًّا مرتين، مرة في سنة 2021م ومرة بـ80 ألفًا في يوليو 2026م. كان غزو سبتة الأخير هو القطرة التي أفاضت الكأس، وهي اللكمة القاضية أو النيران الصديقة التي أسقطت بيدرو سانتشيز. في قضية سبتة وقف كل الإسبان في وجه سياسة بيدرو الإذعانية وطالبوه بردع المغرب وبوصف ما حدث في سبتة غزوا، وحين لم يفعل أسقطوه بإجباره على تقديم الانتخابات. يعترف الإسبان أن بيدرو سانتشيز نجح في التعامل مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية في إسبانيا، وأنه كان سيكمل عهدته بكل أريحية، لكن استسلامه للمغرب وتنازلاته القاتلة غطت على كل إنجازاته وهي التي أسقطت حكومته.

يعتقد الإسبان، أيضا، أن استسلام بيدرو سانتشيز للمغرب راجع إلى معلومات حساسة وخطيرة تمت قرصنتها من هاتفه، وأن المخزن استفاد منها إلى أقصى درجة. البعض يعتقد أن المعلومات المسروقة من الهاتف تخص تعاملات غير شرعية لها علاقة بمصالح زوجته في المغرب، وأنه في حالة كشفها سيذهب بيدرو سانتشيز إلى المحاكم.

في التعامل مع قضية الصحراء الغربية، يُعتبر بيدرو سانتشيز أسوأ رئيس حكومة إسباني أضر بالشرعية الدولية وبالمسار الأممي الخاص بتصفية الاستعمار من الصحراء الغربية. ويصنّف الصحراويون اعتراف بيدرو سانتشيز بالحكم الذاتي المغربي في خانة ثاني أخطر خيانة إسبانية بعد خيانة اتفاق مدريد سنة 1975م. فهذه الخيانة جعلت الشعب الإسباني يخجل من نفسه، وجعلت الأمم المتحدة ترتبك في مواصلة مسار تصفية الاستعمار الذي بدأ في ستينات القرن الماضي.

بسقوط بيدرو سانتشيز خسر المغرب ورقة مهمة لعب بها على أكثر من طاولة وفي أكثر من ملعب وخلف أكثر من ستار، خاصة في الأمم المتحدة وأوروبا.

الآن ستُراجع إسبانيا إرث بيدرو سانتشيز، وليس من المستبعد أن تتحرك الدولة العميقة لتتابع سلوكه وتصرفاته، خاصة ما يتعلق بلغز استسلامه للمغرب، وسيكثر الكلام عن هاتفه وما هي المعلومات التي سرقها المخزن منه. من جهة أخرى، سيجد من يخلف بيدرو سانتشيز صعوبة كبيرة في اتباع نهجه الاستسلامي مع المغرب، ومن الممكن أن تُفرض عليه ـ خليفته ـ اشتراطات كي يبتعد عن المغرب، ويراجع السياسة الخارجية، ويعامل المغرب بحزم، كما سيطالب بالتراجع عن الاعتراف بالحكم الذاتي كإجراء وحيد لتحسين العلاقات مع الجزائر والبوليساريو. فأي رئيس قادم للحكومة الإسبانية سيكون حذرا في تعامله مع المغرب، وسيستمد قوته الشعبية من معارضة المغرب في كل شيء وعدم الاستسلام له. لقد تعلم السياسيون الإسبان درسا مُهما من تجربة بيدرو سانتشيز المريرة مع المغرب. الذي تعلمه الساسة الإسبان من محنة سانتشيز هو أن التعامل مع المغرب لا يؤدي إلا إلى الخراب. لقد سلك الكثيرون، خاصة من الاشتراكيين الإسبان، طريق المغرب، لكن انتهى بهم المطاف في المحاكم مثل رئيس الحكومة السابق خوسيه لويس ثاباتيرو الذي يمكن أن يكون هو الشجرة التي تغطي الغابة. إلى حد الآن لا توجد دلائل حاسمة على أن يذهب بيدرو سانتشيز إلى المحاكم، لكن الاعتقاد كبير جدا أن يحدث ذلك إذا تم كشف المعلومات المسروقة من هاتفه. فهذه المعلومات يعتبرها الإسبان خطيرة لأنها ربما تتعلق بالأمن القومي أو بالفساد أو حتى بالخيانة. لقد تأكد الإسبان أن المغرب لا يُؤمَن جانبه، والسياسة الناجحة الوحيدة التي تردعه هي الصدام معه وإظهار القوة له، ويتحدثون كثيرا عن إعجابهم بالمقاربة الجزائرية وهي القطيعة. وبقدر ما ظن المغرب أنه ربح من الضغط على سانتشيز فقد خسر أيضًا. لقد خسر قضية سبتة، وخسر تعاطف الشعب الإسباني، وخسر ثقة الاتحاد الأوروبي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!