الرأي

ماذا ينقصنا عن تونس؟

الهجوم الكاسح للسياح الجزائريين على مختلف المركبات السياحية والفنادق التونسية، يمكن اعتباره خسارة أخرى للسلطة وللمواطن الجزائري على حد سواء، إذا نظرنا إلى الكمّ المرتفع جدا من السياح، ومن كل الطبقات والولايات، حتى صار يشكّل ظاهرة تحتاج إلى دراسة اجتماعية واقتصادية، خاصة أن الوافدين على تونس، يختارون المدن الساحلية من طبرقة إلى سوسة، مرورا بالحمامات وبجزيرة جربة ويحتلون الشواطئ التونسية، وكأنهم قادمون من بلد مغلق لا بحر فيه.

ليس مشكلة أن يسيح الجزائريون في بلد شقيق، متفوق عليهم في عالم السياحة التي تحولت إلى ثروة قومية في تونس يعيش منها رُبع السكان، ومن حق تونس أن تسير على نهج بلاد العالم، فتُقرن صناعة السياحة مع الثقافة بمهرجاناتها الفنية، والطب بعياداتها المختصصة، والتجارة بمساحاتها العالمية، والتاريخ بمعارضها والاهتمام بتراثها، لكن أن يكون الزبون الوحيد لها، هم الجزائريون، فمعنى ذلك أننا فقدنا البوصلة نهائيا، فصرنا نتفسح ونتثقف ونداوي ونتبضّع لدى الجيران، وكأننا لا نمتلك مدنا كبيرة بإمكانها أن توفر لنا فسحة للراحة أو العلاج، ولن نتحدث عن الثقافة؟

منظر الآلاف من الجزائريين بسياراتهم وعائلاتهم، وهم يقبلون المبيت في مراكز الحدود الشرقية، لأجل دخول تونس أو العودة منها، ومنظرهم وهم يركنون سياراتهم في كل الشوارع التونسية، ويستعمرون المحلات التجارية والمطاعم والمراقص وأماكن الترفيه من حدائق الحيوانات وحدائق التسلية إلى درجة الزحام، لا يوحي فقط بأننا فقدنا البوصلة، وإنما لم نمتلكها أصلا، ويصبح السؤال عن دور الذين يسمون مجازا وُلاة، في مختلف المقاطعات الجزائرية، وهم عاجزون عن مقارعة بلد غير بترولي أمرا مشروعا ومستعجلا. ففرق مثل شببية القبائل ومولودية وهران التي تنفق في كل موسم الملايير، تتربص في مداشر صغيرة في تونس مثل برج سديرة وعين دراهم، ومستشفيات جزائرية مثل بن باديس بقسنطينة، الحائز على جائزة نوبل في الطب في سنة 1907، يرسل مرضاه إلى عيادات عيون وأمراض قلب خاصة في تونس، بينما يعجز والي وهران عن إنجاز متحف يضع فيه كأس إفريقيا الوحيدة التي حصل عليها نادي المدينة في كرة اليد، ويعجز والي قسنطينة عن إنجاز مسبح، يعوم فيه أبناء المدينة الذين يفوق تعدادهم المليون نسمة، بدل العوم في النافورات والحج إلى مسابح فنادق تونس، ويعجز والي العاصمة عن إنجاز حديقة حيوانات بتصميم عاملي، يقي أبناء البهجة، الهجوم على حديقة الحيوانات في تونس العاصمة.

لقد اهتمت مختلف الحكومات المتعاقبة بالمشاريع الشعبوية وأساسها السكن، وأوهمت نفسها بأنها ستربح بها معركة السلم الاجتماعي، ونسيت أو تناست بناء بقية القطاعات، فصار من يريد أن يستمع إلى أغنية أو يتفسح، عليه أن يجتاز الحدود، ومن أراد أن يعالج مرضا أصابه، أن يبحث عن عيادة في بلد مجاور، وكل حكومة مصرّة على الافتخار بما بنته من مساكن الإسمنت التي أسكنت الناس.. وما سكّنتهم؟ 

مقالات ذات صلة