الرأي

ماكرون في قلب العاصفة

محمد بوالروايح
  • 58
  • 0

تباينت ردود الأفعال الفرنسية والدولية حيال ما يحدث في فرنسا، بين من يعدّ ذلك نتيجة حتمية لفشل سياسي في ترميم حالة الترهل الاجتماعي المتفاقم في فرنسا في دولة اجتماعية بامتياز تخصص ميزانية معتبرة للإعانات الاجتماعية ولكنها لم تستطع رسم سياسة اجتماعية واضحة المعالم، تحقق التوازن بين الطبقات الاجتماعية وفق متتالية هندسية توزع الإعانات بحسب الاحتياجات، وبين من يرى أن ما يحدث في فرنسا هو نتيجة الوضع الدولي المتأزم الذي أفرز غلاء معيشيا، انهارت فيه القدرة الشرائية ونزلت إلى أدنى مستوياتها، وبين من يرى أن الحرب القائمة في الخليج وارتفاع أسعار الطاقة هو السبب وراء الغليان الاجتماعي الذي شهدته فرنسا بعد تسجيل عجز في امتصاص هذا الارتفاع وضمان التزود بالطاقة بأسعار مقبولة تتماشى مع متوسط الدخل في فرنسا.

وهناك من عدَّ ذلك تدميرا اجتماعيا منهجيا تولى كِبَره اليمين المتطرف ولم يواجه بالحزم المطلوب من قبل إدارة ماكرون التي تركت الحبل على الغارب ولم تقم بواجبها في كبح جماح هذا اليمين الذي عمل على تعميق الهوة بين مكونات المجتمع الفرنسي وتصرف بتطرف في قضايا الهجرة مع اختيار الإليزي سياسة الصمت ووجود بعض وزراء ماكرون في الحكومة ممن لهم ميول لهذا اليمين إن لم يكونوا بعض أركانه، وهناك من عدّ ما يحدث في فرنسا بأنها الحالة المستعصية التي حذر منها المتابعون للشأن الفرنسي والتي أثرت على أداء السلطة الفرنسية وأضعفت قدرتها على مواجهة الاحتجاجات الاجتماعية المتزايدة، وهناك من يرى أن ما يحدث في فرنسا هو من تدبير بعض المناوئين لقيم الجمهورية الذين يسعون للانقلاب عليه وإقامة نظام بديل، يتيح لهم العودة بفرنسا إلى مرحلة ما قبل الجمهورية التي تميزت بسيطرة الأوليغارشيا على المشهد الفرنسي، وهناك من يعد ما يحدث في فرنسا بأنه حلقة في الحراك الأوروبي العامّ الذي أخذ الطابع الاجتماعي والذي يهدف إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي والعودة إلى نظام الدولة الوطنية، والدليل على ذلك–حسبهم- الامتداد الذي يشهده الحراك الاجتماعي في أكثر من دولة أوروبية والذي شعاره الظاهر –كما يقولون- مطالب اجتماعية وهدفه المستتر تفكيك أوروبا.

يمكن القول بالمحصلة إن ما يحدث في فرنسا هو نتاج ما ذكرناه منفردا أم مجتمعا، ولكنه في جانبه الأكبر نتاج السياسة الفرنسية المتشددة حيال المهاجرين وما سببته من صدام بينها وبين بعض الدول الإفريقية التي تعاملت معها فرنسا من موقع الآمر الناهي وليس بالندية التي تتطلبها الأعراف الدبلوماسية، وهو ما زاد من متاعب فرنسا وفشلها في حل مشكلة الهجرة وتركيزها على الحل الوحيد المفيد والناجع في نظرها وهو تكثيف عمليات الترحيل مما ولَّد غليانا اجتماعيا في فرنسا التي تعيش على أرضها أعدادٌ كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين الذين وجدوا تضامنا من المهاجرين الشرعيين بحكم وحدة المصدر ووحدة المصير لأن الجميع في النهاية تحت طائلة الترحيل مستقبلا في حالة صعود اليمين المتطرف أو نجاح “مارين لوبان” ومدللها “جوردان بارديلا” في الفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة في حالة موافقة حزب “التجمع الوطني” على ترشيحه بديلا لمارين لوبان التي قد تواجه موانع قانونية مستقبلية تمنعها من الترشح رغم عدم وجود هذا المانع القانوني حاليا بعد إدانتها من قبل القضاء الفرنسي بعقوبة السجن التي خُفِّضت من أربع سنوات إلى ثلاث سنوات مع قضاء سنة واحدة في الإقامة الجبرية وارتداء سوار الكتروني وبقية المدة مع وقف التنفيذ. ما يهم في هذه الحالة هو أن القضاء الفرنسي خفض عقوبة الأهلية والترشح لمارين لوبان لتولي المناصب العامة لتصبح خمسة وأربعين شهرا مع تعليق ثلثيها وهو ما يتيح لها قانونا خوض الانتخابات الرئاسية في 2027.

ماكرون بين مطرقة الوضع العالمي وضغط الداخل الفرنسي:

هناك من يلتمس الأعذار للرئيس إيمانويل ماكرون ويذهب إلى أنه ضحية وضع عالمي متأزم لا يتحمل آثاره وتبعاته لكونه حالة عامة تشهدها كثير من بلدان العالم وليست حالة فرنسية استثنائية، ويضيف هؤلاء بأن إدارة ماكرون قُدِّر لها أن تصادف هذا الوضع العالمي المتأزم الضاغط الذي لا يمكن التحكم فيه مهما كان سقف الحوكمة الاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها الدولة، فماذا يملك ماكرون –كما يضيفون- من حلول لوضع عالمي لا تجدي معه كل الحلول، وضع فرضته جائحة كورونا وزادت من حدته الحرب المستعرة في الخليج العربي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ويضاف إليها العبء المالي الذي فرضته الحرب بين أوكرانيا وروسيا وواجب فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي في مؤازرة ومناصرة أوكرانيا منعا للزحف الروسي وما تطلَّبه ذلك من نفقات تثقل كاهل هذه الدول والتي أثرت على الجبهة الاجتماعية بطريقة أو بأخرى.

وهناك على النقيض من ذلك من يحمِّل إدارة ماكرون مسؤولية الوضع الاجتماعي الراهن بسبب تركيزها على التمويل العسكري لأوكرانيا في حرب لا تعنيها ولا تتحمل مسؤوليتها، إذ أنّ مسؤوليتها الأولى والأخيرة هي حماية حدودها وخدمة شعبها، ففي حالة الشدائد الاقتصادية -كما يضيفون- ليس هناك بدٌّ من العمل بالمثل القائل “كل يجر النار إلى قرصه”. إن الشارع – كما يقولون- لا يعرف لغة أخرى غير الاستجابة لمطالبه وتحقيق كفايته وما وراء ذلك فشأن لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد. إن شعار “غلاء المعيشة” الذي رفعه المحتجون في أكثر من مدينة فرنسية لا يكترث رافعوه بالوضع العالمي المتأزم ولا يقبلون أي مبررات أو تفسيرات لإقحامه في المعادلة الاجتماعية الفرنسية، وإنما يركزون على الوضع الداخلي الذي تصنعه السياسة الوطنية والإدارة السياسية، ووفق هذا المنظور، يحمِّل أصحاب هذا الاتجاه إدارةَ ماكرون مسؤولية الأحداث التي عاشتها فرنسا ومآلات الوضع الاجتماعي في حالة تفاقمها وخروجها عن السيطرة.

سياسة ماكرون الاجتماعية بين الوعد الانتخابي والفعل الميداني:

أقام المحللون الاقتصاديون مقارنة بين الوعد الانتخابي والفعل الميداني في سياسة ماكرون الاجتماعية، وتأرجحت هذه السياسة بين المرونة والتمكين وتكافؤ الفرص، وبين واقع ميداني يتسم بإصلاحات هيكلية ليبرالية كانت الفتيل الذي أشعل الاحتجاجات في الشارع الفرنسي وسط تجاذبات سياسية حادة زادت الطين بلة، فعلى مدار ولايتين رئاسيتين واحدة منهية وأخرى على وشك الانتهاء، واجهت إدارة ماكرون تحديات ميدانية كبرى أجبرتها في كثير من الأحيان على الموازنة الصعبة بين الطموحات الاقتصادية والسلم الاجتماعي.

ويضيف هؤلاء المحللون بأن هناك فجوة في عمل إدارة ماكرون بين الوعد الانتخابي والفعل الميداني،  ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن ماكرون وعد بخفض نسبة البطالة إلى 7 بالمائة من خلال إدخال مرونة أكبر على قانون العمل الفرنسي مع تسهيل عملية التفاوض المباشر بين الشركات والموظفين والعاملين وأرباب العمل وزيادة نسبة التعويضات عن البطالة لتشمل أصحاب المهن الحرة، وقد نجحت إدارة ماكرون –حسب بعض المحللين الاقتصاديين– ميدانيا في خفض معدلات البطالة عبر إصلاح قانون العمل بموجب مراسيم رئاسية لتسهيل عمليات التوظيف وتقليص دائرة البطالة. وقد قوبلت هذه الجهود بمعارضة وانتقادات لاذعة من بعض الأوساط النقابية التي رأت فيها محاولة لوقف التيار المتدفق بإجراءات أقل ما يقال عنها إنها تصلح أن تكون مهدئات وقتية وليست علاجا لأزمة مستعصية تقتضي تدابير أكثر حزما. ومن أهم الانتقادات في هذا الإطار اتهام إدارة ماكرون بتوسيع وتجديد عقود العمل المؤقتة على حساب الاستقرار الوظيفي الذي هو بيت القصيد. وفيما يخص نظام التقاعد، وعد ماكرون بالحفاظ على سن التقاعد في سن الـ62 مع توحيد أنظمة التقاعد المتعددة في نظام تقاعدي واحد، وإلغاء الامتيازات الخاصة ببعض القطاعات، ولكن في ولايته الثانية تحول الأمر إلى رفع السن القانوني للتقاعد تحت ذريعة العجز المالي وهو ما لم تهضمه النقابات العمالية لأن زيادة السن القانوني للتقاعد في نظرها يسبِّب للعمال والموظفين عنتا وعبئا إضافيا. وقد بلغت المواجهة بين إدارة ماكرون والنقابات العمالية مستوى خطيرا من الاختلاف والتجاذب بعد قرار الحكومة الفرنسية رفع سن التقاعد إلى 64 سنة، وهو ما اعتبرته هذه النقابات إخلالا وإخلافا لما وعد به ماكرون أثناء حملته الانتخابية، وهي النقطة الخلافية التي أفاضت الكأس وقطعت شعرة معاوية بين الحكومة والنقابات العمالية، هذه الأخيرة التي انضم إليها كثير من الفرنسيين ممن يعنيهم موضوع التقاعد والتي دفعتها إلى تنظيم احتجاجات في الشارع الفرنسي قبل أن تنضم إلى الاحتجاجات “الستراتُ الصفراء” التي تصدّرت المشهد في الشوارع الفرنسية سنة 2018 والتي توعدت بالخروج إلى الشارع يوم السبت وسط حظر تجول جرى إقراره في المدن الفرنسية التي شهدت أعمال عنف وفي مقدمتها باريس ومرسيليا ونيس وغيرها، وهو ما يزيد من فرضية الصدام بينها وبين قوات مكافحة الشعب.

أما بالنسبة لحماية القدرة الشرائية، فقد وعد ماكرون برفعها للطبقات العاملة من خلال إلغاء بعض الضرائب المحلية مثل ضريبة السكن وتخفيف نسبة الاقتطاعات الاجتماعية من الرواتب بمعدل 500 يورو سنويا بالنسبة الموظف المتوسط، وقد نجحت إدارة ماكرون في ذلك بنسبة كبيرة، غير أن نسب التضخم العالية وتقليص الإنفاق العامّ للسيطرة على الدين الحكومي حال دون تجسيد الخطط الإصلاحية التي وضعت في هذا الشأن. وقد ساهم هذا الأمر في زيادة حدة ودائرة الاحتجاجات الاجتماعية التي بلغت أوجها مؤخرا حسب تقديرات بعض الخبراء الميدانيين وبطريقة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الفرنسية.

هل ينجح ماكرون في احتواء الاحتجاجات؟

يواجه ماكرون وضعا صعبا لا يحسد عليه أمام اتساع رقعة الاحتجاجات على بُعد أشهر معدودات من نهاية عهدته الانتخابية الثانية والأخيرة والتي لا يريدها أن توسم بالفشل في إدارة الشأن العامّ، وهو الذي جاء إلى قصر الإليزي كما يقول أنصارُه مكللا بانتصار انتخابي باهر لشاب دون الأربعين يملك رؤية اقتصادية ناجعة وطموحة.  لكن يبدو أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها فرنسا أضرت بشعبية ماكرون حتى وهو  على بعد ستة أشهر من مغادرة قصر الإليزي، ومن ذلك اعترافه بالإخفاق الأمني في احتواء الاحتجاجات وهو ما دفع وزير الداخلية إلى تقديم الاستقالة التي رفضها ماكرون، الذي أقر جملة من التدابير والقرارات ومنها فرض حظر التجول في المدن الفرنسية التي شهدت أعمال عنف كبيرة على غرار العاصمة باريس ومرسيليا، هذا زيادة على المشكلة الأكبر التي يواجهها ماكرون وهي تحالف النقابات وغياب الحلول الاقتصادية السريعة لوضع اجتماعي متدهور وشارع غاضب.

في ظل هذه المعطيات، يتوقع بعض المحللين تصدع معسكر ماكرون وزيادة حظوظ مخالفيه وخصومه السياسيين في اكتساح أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية القادمة، مما يعطي قصب السبق فيها للأحزاب الأخرى وفي مقدمتها حزب “فرنسا الأبيَّة” اليساري المناهض للرأسمالية والذي يرفع شعار “المستقبل المشترك”، والذي يدعم ترشيح جان لوك ميلانشون لانتخابات 2027، هذا الأخير الذي يحظى بشعبية كبيرة داخل  الجالية ويمكنه إحداث المفاجأة في الانتخابات القادمة.

وحسب ما جاء في “الأورو نيوز”، فإن الاحتجاجات الأخيرة ستكون عاملا حاسما، يساهم في عزلة ماكرون الذي يواجه انتقادات لاذعة حتى من حلفاء الأمس، ومن جملة ما أورده “الأورو نيوز”: “بعدما تحولت تظاهراتٌ طلابية احتجاجا على الأوضاع المعيشية إلى أعمال عنف السبت الماضي، تعرَّض الرئيس الفرنسي لموجةٍ واسعة من الانتقادات من مختلف الأطياف السياسية، على خلفية تعامله مع الوضع الأمني وعدم استجابته للشكاوى المتعلقة بالتعليم وغلاء المعيشة والتضخم”.

هناك من يلتمس الأعذار لماكرون ويذهب إلى أنه ضحية وضع عالمي متأزم لا يتحمل آثاره وتبعاته لكونه حالة عامة تشهدها كثير من بلدان العالم وليست حالة فرنسية استثنائية، ويضيف هؤلاء بأن إدارة ماكرون قُدِّر لها أن تصادف هذا الوضع العالمي المتأزم الضاغط الذي لا يمكن التحكم فيه مهما كان سقف الحوكمة الاقتصادية والاجتماعية التي تتبناها الدولة، فماذا يملك ماكرون –كما يضيفون- من حلول لوضع عالمي لا تجدي معه كل الحلول، وضع فرضته جائحة كورونا وزادت من حدته الحرب المستعرة بين إيران وأمريكا.

* شعار “غلاء المعيشة” الذي رفعه المحتجون في أكثر من مدينة فرنسية لا يكترث رافعوه بالوضع العالمي المتأزم ولا يقبلون أي مبررات أو تفسيرات لإقحامه في المعادلة الاجتماعية الفرنسية، وإنما يركزون على الوضع الداخلي الذي تصنعه السياسة الوطنية والإدارة السياسية، ووفق هذا المنظور، يحمِّل أصحاب هذا الاتجاه إدارةَ ماكرون مسؤولية الأحداث التي عاشتها فرنسا ومآلات الوضع الاجتماعي في حالة تفاقمها وخروجها عن السيطرة.

* بالنسبة لحماية القدرة الشرائية، فقد وعد ماكرون برفعها للطبقات العاملة من خلال إلغاء بعض الضرائب المحلية مثل ضريبة السكن وتخفيف نسبة الاقتطاعات الاجتماعية من الرواتب بمعدل 500 يورو سنويا بالنسبة الموظف المتوسط، وقد نجحت إدارة ماكرون في ذلك بنسبة كبيرة، غير أن نسب التضخم العالية وتقليص الإنفاق العامّ للسيطرة على الدين الحكومي حال دون تجسيد الخطط الإصلاحية التي وُضعت في هذا الشأن.

* في ظل هذه المعطيات، يتوقع بعض المحللين تصدع معسكر ماكرون وزيادة حظوظ مخالفيه وخصومه السياسيين في اكتساح أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية القادمة، مما يعطي قصب السبق فيها للأحزاب الأخرى وفي مقدمتها حزب “فرنسا الأبيَّة” اليساري المناهض للرأسمالية والذي يرفع شعار “المستقبل المشترك”، والذي يدعم ترشيح جان لوك ميلانشون لانتخابات 2027، هذا الأخير الذي يحظى بشعبية كبيرة داخل  الجالية ويمكنه إحداث المفاجأة في الانتخابات القادمة.

مقالات ذات صلة