الرأي

ماكرون يطاول لوبان!

بالرغم من أن المقارنة بين رجالات عصرين مختلفين في عالم السياسة، غير دقيقة وغير منصفة، خاصة إذا كان فارق السن بين أحدهما وآخر، أكثر من نصف قرن، مع اختلاف كامل في الظروف، كما هو الشأن بين زعيم اليمين المتطرّف في فرنسا جون ماري لوبان البالغ من العمر حاليا 93 سنة، والرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الذي لا يزيد سنه عن الرابعة والأربعين، وتكمن عدم الدقة في المقارنة في كون الشيخ الأول الذي سحبت منه ابنته “تاريخَه” المتطرف وتبنّته، ووصفته بـ”المعتوه”، بعد أن ورثته وهو حيٌّ يرزق، كان عسكريا سابقا في حرب الجزائر، وتجرّع مع الفرنسيين مرارة الهزيمة والطرد من أرض الجزائر بعد أن فقد فيها أحلامه وحتى عينه، بينما يبدو الثاني مجرّد مراهق في عالم العنصرية، لم يعاصر تلك السنوات الحمراء، ولم تتحطّم أحلامه على أسوار الجزائر، ومع ذلك نشهد منه ما لم يتجرأ “كارهُ المهاجرين” كما يُسمّى، على ارتكابه، حتى صرنا نظن بأن الرجل مقتنعٌ بأن لا سبيل في البقاء في قصر الإليزي، إلا بالإساءة إلى الجزائر وفي كل المجالات.

في آخر خرجات الرئيس إيمانويل ماكرون، دعا القوى الكبرى إلى كبح ما أسماه بـ”جنون أسعار المحروقات” من بترول وغاز و”جشع” المنتجين، إذ اعتبر أسعاره “حارقة” و”مدمرة” لاقتصادات تلك البلدان الكبرى، التي تعلم وتحفظ بأن التجارة العالمية خاصة في المحروقات، دواليك، أيام لها وأخرى عليها، ولم تنس ما نعمت به من انخفاض في أسعارها خلال شهور جائحة كورونا، ولكن الرجل الشاب الذي بدا غير معترف بتاريخ الجزائر، صار لا يعجبه حتى الجغرافيا التي منّ بها الله على جارته الجنوبية، فأطلق تنهيدة وأنينا لم يصدر من دول أكبر من فرنسا صناعيا واقتصاديا بالبترول والغاز، مثل الصين وألمانيا وغيرهما من بلاد العالم.

يتوقف حقد آل لوبان عند حدود فرنسا، فهم رافضون إطلاقا للمهاجرين، بألوانهم وثقافاتهم ودياناتهم جميعا، وبرامجهم كلها تصب في هذا الشأن، ولم يتدخلوا أبدا في التاريخ ولا في الجغرافيا ولا في الاقتصاد العالمي، بينما يطاولهم ماكرون في عملية سياسية من أجل أن يخطف العنصريين والحاقدين والأقدام السوداء واللوبيهات الشهيرة إلى صفه في سعيه إلى أن يبقى رئيسا لفرنسا لعهدةٍ ثانية.

لقد تمكن ماكرون في بضعة أسابيع من قطع القدم الثانية، للعلاقات الجزائرية الفرنسية، التي كانت تسير دائما عرجاء، وكل الامتيازات التي حصلت عليها فرنسا في الجزائر خاصة في المجالين الثقافي والاقتصادي الذي يهمّ فرنسا ولا ترى نفسها من دونهما صارت في مهبّ الريح، وقد تكون قطيعة لا عودة بعدها، لو تمكّن هذا الرجل من البقاء في الحكم، لأن العنصريين إن أوصلوه إلى عهدة ثانية، فلن يتركوه حتى يحقق أمانيهم، وما أكثرها وما أفظعها.

مقالات ذات صلة