الرأي

مالك بن نبي وحمودة بن ساعي… معاناة مفكرين جزائريين في باريس!

صورة من أرشيف بن ساعي محسنة بالذكاء الصناعي.
مجموعة من الطلبة من المغرب العربي في الحي اللاتيني بباريس بداية الثلاثينيات من القرن العشرين يظهر مالك بن نبي (دائرة ) ومحمد حمودة بن ساعي (مربع).

تابعت حوارا في إحدى القنوات حول معاناة مالك بن نبي في المرحلة الباريسية من حياته أي في الثلاثينيات وجزء من الأربعينيات من القرن الماضي، وهي مرحلة الدراسة، وما تلاها مباشرة. وهي معاناة اتهم فيها أن المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسينيون هو من كان وراءها، حسب المتداول. ويستخلص من الحوار أن التخمين والاستنتاج النظري والعموميات غلب عن المعلومة الدقيقة أو الموثقة.

ولعل ما ورد في كتابات بن نبي نفسه من شهادات (“مذكرات شاهد القرن” و”العفن” و”الصراع الفكري في البلدان المستعمرة”)، مدعومة بشهادات حمودة بن ساعي (منقولة من كتاباته الشحيحة والتي لا تزال مجهولة في أغلبها)، ما يفيد الباحث ويرفع الالتباس عن القارئ المهتم، ويغني عن اللجوء إلى التكهن والاستنتاجات. [1]

سأكتفي في هذه المساهمة بتناول ما عانه الصديقان خلال الحقبة الباريسية من حياتهما من شدائد ودسائس، وسأعرض في هذا الشأن، لوقائع مثبتة. وسيدرك القارئ أن حياتهما، مع بعض الفروق، هي سلسلة متصلة من المعاناة وفصول من الحرمان نالتهما خلال مرحلة الدراسة وما بعدها مباشرة وفي وجود شخص هو المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون.

جماعة الأربعة في مواجهة ماسينيون

في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، كان مالك بن نبي ومحمد حمودة بن ساعي ومعهما صالح بن ساعي، شقيق هذا الأخير، وعلي بن أحمد، قريب بن نبي، يدرسون في الجامعات والمعاهد الفرنسية حسب تخصصاتهم. وكانوا يشكلون جماعة منفصلة فكريا عن بقية الطلبة المغاربيين والعرب عموما، من حيث والمشاريع والأحلام التي كانت تراودهم في خدمة الجزائر ونهضتها. وكانت اهتماماتهم وأفكارهم تختلف عن التي كانت منتشرة لدى أقرانهم. وقد أبانت النشاطات الثقافية المتميزة التي برزت مبكرا عند حمودة بن ساعي وبن نبي، عن هذه “العزلة الفكرية ” البعيدة عن الحياة المعتادة للطلبة. ففي شهر أوت 1932، ألقى بن ساعي محاضرة في “نادي الترقي” بالجزائر العاصمة، وكان وقتها نائبا لرئيس “ودادية طلبة شمال إفريقيا” بباريس، وهي تجمع كان يضم طلبة من المغرب العربي ومصر وسوريا ولبنان. كانت محاضرة مشهودة ومؤثرة، أشاد بها الحضور وتحدثت عنها بعض الصحف بإعجاب[2]، ووصل صداها الحي اللاتيني بباريس. من جهته، ألقى بن نبي محاضرة باللغة الفرنسية بنفس المستوى والعمق بعنوان “لماذا نحن مسلمون”. يقول بن نبي أن المحاضرتين رفعت من شأنهما خاصة بين الطلبة العرب.

هذا التميز والتفرد لم يكن ليمر دون إثارة انتباه الدوائر المختصة بباريس، التي جعلت الجماعة محل ملاحظة ومراقبة من طرف الأمن ومصالح لويس ماسينيون، المستشرق المعروف. للتذكير، فقد شغل ماسينيون لفترات طويلة مناصب حساسة منها مستشار الحكومة لشؤون المستعمرات وإفريقيا الشمالية. وقبلها، استعان به “فرانسوا جورج بيكو” كخبير عندما كان يتفاوض مع البريطاني “مارك سايكس” للتوصل لاتفاق تقسيم العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى. يعد ماسينيون بحق أحد مهندسي النظام الاستعماري خلال القرن العشرين.

استفزاز ماسينيون

من ضمن اهتماماتها الفكرية، كانت مجموعة الأربعة تحرص على متابعة محاضرات ماسينيون التي تتناول في أغلبها قضايا العالم الإسلامي. وحدث مرة أن حضر افرادها جميعا، ودون سابق ميعاد بينهم، محاضرة ألقاها بمقر “اتحاد الشبان المسيحيين”. بعد المحاضرة، قام علي بن أحمد وانتقد ماسينيون بشدة ورماه بالكذب.

أمام هذا الاندفاع في انتقاد عالم ضليع ويحظى بشعبية طاغية وأمام جمهور موال له ولأطروحاته سلفا، طلب الإخوة بن ساعي من بن نبي التدخل لتدارك الموقف وتخفيف وطأة انتقادات قريبه واندفاعه. تدخل بن نبي بالفعل وحاول جبر خاطر ماسينيون فخاطبه بأدب جم وبالثناء على المستشرق واستهجن كلام قريبه الذي غادر القاعة. وانتزع بن نبي تصفيق القاعة. وظهرت ابتسامة على محيى ماسينيون. لكن بن نبي لاحظ أن الملامح الدكناء للمستشرق تخفي غضبا ونقمة على الجماعة.

بدية المعاناة والآلام

يقول ابن نبي أنه جلب على نفسه نقمة ماسينيون بعد الحادثة. لقد فقد والده، الذي كان يشتغل في محكمة تبسة وظيفته، وطرد من العمل. وكان هو المعيل الوحيد للعائلة ولأبنه الطالب بفرنسا.

تغير حال الطلبة الأربعة وانفرط عقد الجماعة وبدأت إرهاصات المحن والشدائد تطل برأسها عليهم.

هاجر المهندس صالح بن ساعي إلى غويانا الفرنسية النائية ليشتغل في مزارعها بعد أن أضناه البحث عن مصدر رزق في فرنسا.

وأصبح بن نبي وبن ساعي بفرنسا يواجهان لوحدهما دسائس الاستعمار مجسدة حسبهما في شخص مستشار وزارة المستعمرات وشمال إفريقيا.[3]

فبداية وجد الصديقان نفسهما في مجابهة عراقيل ومشاكل في الدراسة. ثم جاءت بعدها رحلة البحث عن العمل.فأدركا أن جميع الأبواب سدت في وجهيهما.

حالة محمد حمودة بن ساعي

أصبح حمودة بن ساعي، يشتكي من التضييق عليه في دراسته بجامعة السوربون وبخاصة في اختيار موضوع أطروحته.[4] وقد انتبه بن نبي إلى علامات الاضطرابات النفسية التي بدأت تظهر عليه. فغدا منطويا يشك في كل الناس. كانت له عادة البصق على يمينه ويساره حين يتحدث، فأضاف لها هوسا جديدا مقلقا، فكان لا يتحدث دون أن يلتفت من حوله لينظر إن لم يكن هناك من يسترق ليسمع كلامه. كانت هذه الآثار الأولى لإحساس واضح بعقدة الاضطهاد. غادر بن ساعي جامعة السوربون وهو في حالة نفسية مزرية وفي فقر واضح.

أما عن العمل، فالأمر سيان أو أشد. يروي حمودة بن ساعي كيف فصل من عمل يدوي بسيط في أحد المصانع كما يلي : “في جوان 1935، وبعد معاناة شديدة، اضطرني ضيق الحال ودفعني العوز إلى أن اشتغل عاملا بسيطا في مصنع هيسبانو سويزا، الكائن بمنطقة بوا دو كولمب، قرب باريس. بتاريخ 13 ديسمبر 1935، حضرت محاضرة ألقاها لويس ماسينيون    بمقر جمعية “الاتحاد المسيحي” وكان موضوعها “تململ الإسلام” (Le malaise de l’islam) .لاحظني ماسينيون بين الحضور. في يوم 26 ديسمبر تلقيت إشعارا من مديرية المصنع يخبرني بما يلي :”يؤسفنا أن نعلمكم أنكم لن تعودوا من مستخدمينا ابتدءا من تاريخ 06 جانفي 1936.“[5]

لم يتسن لي التأكد هل هي نفس المحاضرة التي ذكرها بن نبي وأشرنا لها آنفا، أم الأمر يتعلق بمحاضرة أخرى مختلفة. فابن ساعي يستعمل ضمير المتكلم منفردا، مما يشير إلى أن بقية أفراد الجماعة لم تكن حاضرة معه.

حالة مالك بن نبي

واصل بن نبي دراسته في مدرسة اللاسلكي بباريس. غير أنه بدا يحس بتصرفات مشبوهة من حوله. أتم سنته الدراسية الأخيرة، لكن شهادة النجاح لم تسلم له. وكأن الأمر جاء من سلطات عليا للمدرسة للتخلص منه دون منحه شهادة المستحقة.

بعدها حاول مرارا أن يجد عملا. فاتصل بشركات ومصانع عديدة وهام على وجهه بحثا عن مصدر رزق ليعيل نفسه وزوجته السيدة بوليت فيليبون، التي تسمت بخديجة بعد إسلامها في فرنسا. وكانت عائلته بالجزائر تعيش الفاقة والحاجة وتتطلع إلى مساعدته.

كان تكوينه يؤهله للعمل. وكم من مرة كان توظيفه أمرا محققا، وفي آخر لحظة يعتذر المسؤولون. أدرك أن هناك يدا خفية تقف أمامه لتنغص عليه حياته، وتحرمه من حق العمل واكتساب قوته.

عكس حمودة بن ساعي الذي انهار أمام الدسائس والحواجز التي وجدها أمامه، فإن بن نبي قاوم رغم معاناته الشديدة. فظهر أن شخصيته أقوى وأن زواجه قد شد عضده، فلم تنل منه العوائق الخفية رغم آلامها وعذاباتها.

ماسينيون أم بوليس سري ؟

كل الشواهد والدلائل تصب، بناء على ما سبق، في خانة اتهام ماسينيون بالتجني على بن نبي وبن ساعي لتميزهما ووعيهما ومحاولتهما الخروج من خانة الإندجين (الأهالي) عكس الطلبة المنغمسين في لذات باريس والطامحين لنيل الشهادات والعودة لمجتمعاتهم مزدهين فخورين.

غير أني حاولت التثبت من المسألة. تناقشت مع الدكتور صادق سلام، المؤرخ والباحث المعروف، في موضوع الدسائس المفترضة التي حيكت ضد مالك بن نبي وحمودة بن ساعي من خلال عراقيل طالت دراستهما وحرمتهما من العمل لكسب قوتهما ولو من خلال أعمال يدوية بسيطة وشاقة[6]، لا تليق بمقامهما. وخاصة أنهما اتهما لويس ماسينيون بأنه وراء معاناتهما. بالنسبة له، فإن ماسينيون بريء من أي تهمة مستهما. وبالمقابل، اتهم الشرطة التي يعتقد أن الجماعة كانت مسجلة في سجلاتها وأخضعتهم لما يسمى “تحقيق التأهيل” (Enquête d’habilitation) للتوظيف والتي تطبق عادة على وظائف المسؤولية. ويقول سلام لو كان ماسينيون يلاحق بن نبي فعلا لما طبعت له دار النشر المعروفة لوساي (Le seuil) كتابه الشهير “وجهة العالمي الإسلامي”، في سنة 1954. فالدار كان يديرها بول فلامون (P. Flamand) وجان باردي ( J. Bardet)  وكانا كاثوليكيين ملتزمين من أتباع الأب دي فوكو وماسينون. ولو كان هذا بن نبي تحت مراقبة المستشرق الفرنسي ما نشرت له دار لوساي كتابه المشهور.

مراجع:

[1] –  المعلومات الواردة في المقال مستقاة من كتاب “العفن” الذي قمت بضبط مخطوطه الأصلي بالفرنسية لغويا وتوليت تعريبه وكتابي “محمد حمودة بن ساعي أو المصير البائس لمثقف جزائري“، وكذا ما ثبت من معلومات من مصادر موثقة. كما استعنت بالمؤرخ صادق سلام في محاولة ضبط هذا الفصل من حياة الرجلين.

[2]. غطاها الصحفي سيد أحمد الميلي في جريدة “La Presse libre“، عدد 28 أوت 1932. وقال عنه “إن المستقبل يعد لنا رجل نخبة سيتشرف به الفكر الإسلامي.”

[3] – علي بن أحمد توفي بعدها بسنين (1942)، ولم تكشف لحد الآن الملابسات التي أحاطت بوفاته.

[4] – حسب بعض الذين تقربوا منه بباتنة –وما أقلهم – فقد اختار محمد حمودة بن ساعي فلسفة الإمام الغزالي موضوعا لأطروحته لنيل دكتورة الدولة من جامعة السوربون، قبل أن “يهتم” به ماسينيون. 

[5] –  وردت الواقعة في مقال الصحفي علي بن بلقاسم في أسبوعية “الثورة الإفريقية” عدد  1303 بتاريخ 24 فيفري 1989. وقد نقلها من صفحة أو صفحتين من مخطوط لحمودة بن ساعي، رغم حرصه الشديد على أن لا يطلع أحد على ما يكتب بحكم الحالة النفسية التي عاشها. وأغلب الظن أن محتواهما له صلة بمشروع كتاب لابن ساعي عنوانه ذكريات شباب في باريس كان قد ذكره في رسالة للمرحوم عبدالوهاب حمودة (أنظر محمد حمودة بن ساعي أو المصير البائس لمثقف جزائري).   

[6] – اشتغل بن نبي في مصنع للاسمنت لفترة وجيزة. –

مقالات ذات صلة