منوعات
حريصة على إعداد المائدة الرمضانية رغم مشاغلها

ماما يمينة… سيدة تقهر السرطان وتحترف مهنة الصيد

م. قورين
  • 343
  • 0
ح.م

على شاطئ القلتة بساحل الشلف، وبين هدير الأمواج، تقف “ماما يمينة” بمعطفها المقاوم للماء وخمارها على رأسها، في يدها شباك الصيد، وفي خطواتها إصرار امرأة قهرت السرطان وتعرف جيدًا معنى الشقاء الشريف.
اقتربت “الشروق” من “ماما يمينة”، التي رحبت بنا بابتسامتها العريضة وفتحت لنا قلبها بعدما راودنا الفضول لنقل صورتها ومعاناتها اليومية وهي تصارع أمواج البحر على امتداد شاطئ القلتة. وعن كيف راودتها فكرة صيد السمك ودوافعها، قالت “ماما يمينة” بكل عفوية: “أنا جدة ولدي خمسة أولاد، وكنت مريضة بسرطان الثدي، حيث تم استئصال الورم بأحد مستشفيات الجزائر العاصمة، ثم واصلت العلاج الكيميائي بالعاصمة والعلاج الإشعاعي بمدينة البليدة خلال السنة الماضية”. وأضافت أن العائلة تملك قاربين للصيد، أحدهما يسمى “عثمان” يستعمله زوجها وأحد أبنائها، والثاني يحمل اسم “ماما يمينة”، تستعمله لصيد السمك لكسب رزقها. وخلال فترة الراحة البيولوجية المصادفة لفصل الصيف، تقول محدثتنا: “أستثمر في الشاطئ بتقديم بعض الخدمات، مثل بيع المأكولات الخفيفة للمصطافين”.
ورغم أنها تجاوزت العقد السادس من عمرها وخاضت معركة قاسية مع سرطان الثدي، إلا أن “يمينة” لم تتخل عن عادة الكفاح اليومي. فإلى جانب عملها في البيت وإعداد وجبات الإفطار لزوجها وأبنائها، تتجه مساء إلى شاطئ القلتة، حيث تقف على قاربها وتخرج ملابسها البلاستيكية من حقيبتها وترتديها، ثم تمتطي الزورق رفقة ابنها الأصغر “كريم” الذي يتكفل بقيادته.
وسرعان ما يختفي الاثنان بين الأمواج قبل أن يستقرا في عرض البحر، حيث تشرع “ماما يمينة” في رمي شباك الصيد في الأعماق، وهي تحمد الله على وفرة الصيد، ويتدخل ابنها لمساعدتها في تفريغ الشباك من السمك، قبل أن يعيدا رميها في البحر وضبطها بعلامات خاصة، على أمل العودة إليها لاحقًا بحسب الظروف المناخية واتجاه الرياح. وبعد حصولها على قرابة القنطار من السمك، تقوم بحمله وبيعه لتجار ينتظرون خروج البحارة من البحر، بينما تحتفظ بكمية منه لتلبية حاجيات عائلتها الغذائية.
ولم تخف “ماما يمينة” حبها للعمل داخل البيت وخارجه لكسب قوتها ومساعدة عائلتها، مؤكدة أنها تنبذ الكسل وتكره المكوث بين جدران البيت دون عمل.وبعد إعداد وجبة الإفطار، تحمل صنارتها التقليدية وتتجه نحو إحدى الصخور بشاطئ القلتة، لتقضي بقية وقتها هناك، تاركة لبناتها مهمة إتمام تحضير مائدة الإفطار.
وهكذا تحولت صورة “ماما يمينة” إلى أكثر من مجرد نموذج لامرأة مكافحة، بل إلى درس حي في الكرامة والتحدي والإصرار على الحياة، في زمن كثر فيه الحديث عن التقاعد والاعتماد على الغير. لتؤكد أن العمل ليس عبئا، بل وسام على جبين من يرفض العيش على الهامش. كما أوضحت أنها تجمع أبناءها حولها للعمل بدل أن تدفعهم الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت، ثم تبكي عليهم حين لا ينفع الندم، فهي تستمتع بوجودهم إلى جانبها ومشاركتهم لها في العمل اليومي.
من جهته، قال زوجها “محمد”، الذي تجاوز سبعين سنة، إن زوجته أشد حرصا منه على الأولاد والعمل تحت أنظارها، فهي تستيقظ فجرًا لأداء الصلاة، ثم تتجه مباشرة نحو البحر، ولا تعتمد على بناتها أو زوجات أبنائها رغم محاولاتهن مساعدتها، لأنها تفضل أن تأكل وتطعم من حولها من عمل يديها، فقد تعودت على ذلك منذ صغرها.
أما ابنها “كريم” فأكد أن والدته تعمل طوال اليوم وتكره البقاء دون حركة، كما تحفز أبناءها على العمل، بينما يحرصون هم على مساعدتها في حمل الأشياء الثقيلة والصعبة، لتنسى مرضها وتواصل مقاومته.

مقالات ذات صلة