الرأي

ما بين “محمد” و”عيسى”!

أرشيف
محمد عيسى

لم يعد يجمع أئمة الجزائر بوزير الشؤون الدينية السيد محمد عيسى غير “حكاية” المرتب، الذي يراه الأئمة دون المستوى، ويراه الوزير كافيا. ومن دون توريط الأئمة في المشاكل المتشعّبة التي يعيشها الجزائريون، أفرادا وجماعات، فإن الإمام وقف مثل الكثير من عناصر المجتمع الحيوي، صامتا، وبدا عاجزا عن لعب دور ملموس، يجعل من الإمامة مهنة كما اقتنع بها ويحاول أن يقنع بها من يتوجهون طوال السنة إلى المسجد آناء الليل وأطراف النهار، بحقوق وواجبات.

في زمن وزير التربية الأسبق أبو بكر بن بوزيد، شدّد الأساتذة الخناق بالإضرابات فكان الموسم ينتهي أبيض، وما جمعهم بالوزير الذي عمّر على رأس أهم قطاع لعقدين، سوى “حكاية” المرتبات، ومرت السنوات، فصار القطاع حلم كل خريجي الجامعات ليس بسبب رسالته الإنسانية، وإنما بسبب ما يمنحه لممارسه من استقرار اجتماعي ومن فرص لممارسة التعليم الموازي المربح، فلا المستوى التعليمي ارتفع ولا التربية أعادت إلى المجتمع الطمأنينة المفقودة.

تحسن أوضاع الأئمة جعل منها مهنة يحلم بها الكثير من البطالين، فقد توفرت لبعضهم السكنات وبعض الامتيازات، فدخلها العشرات من الرجال الذين لم يهمهم من المنبر غير المرتب والسكن والعلاقات العامة، ولم يجد من مهنة موازية لها، يجني منها مزيدا من المال، مستغلا “وقار” الإمامة، غير ممارسة الرقية، فدخل عالم الانحراف الكثير من الأئمة وصارت أخبار تجاوزاتهم تملأ الصحف كما تملأها تجاوزات الأطباء والأساتذة والمهندسين المعماريين والمنتخبين والتجار.

يعلم كل أئمة الجزائر الذين أقاموا نقابات، أو من الذين لم يعد لهم من همّ غير الحديث عن المرتبات والسكنات، بأن أشهر الأئمة في التاريخ، من الأئمة الأربعة مرورا بأبي حامد الغزالي ووصولا إلى محمد عبده وأئمة جمعية العلماء المسلمين كابن باديس والبشير الإبراهيمي، وجميعهم نقلوا المجتمع إلى أعلى درجات الرقي، ما كانوا يتقاضون مرتبات أو على الأقل ما كانوا يخوضون في هذا الجانب المادي، الذي أبعد بعض الأئمة عن روح الإمامة وهدفها.

ويعلم وزير الشؤون الدينية بأن الكنائس التي تتبع “عيسى” ومسيّريها من قساوسة في شتى البلاد المسيحية، تسيّر من دون وجود وزارة أوقاف تستهلك ميزانية ضخمة من دون تمكنها من تسيير القطاع ووضع الرجل المناسب على المنبر المناسب، حتى صار الناس لا يفرقون بين الحلال والحرام كما حدث في ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وكما يحدث في الكثير من القضايا التي هرّبت الناس إلى الفضائيات وإلى الأئمة في مشارق الأرض ومغاربها وإلى الفضاء الأزرق، بين من جرّهم إلى عالم الإرهاب، أو شككهم في دينهم.

عندما لبست وزارة الأوقاف نفس لباس بقية الوزارات، وارتضى الإمام بأن تكون “مهنته” مشابهة لبقية المهن، فقد المواطن ثقته فيه كما فقدها الطالب الجامعي في وزارة التعليم العالي وصار يحلم بالدراسة في فرنسا ولو بامتهان غسل الصحون، وكما فقدها المريض في الطبيب الجزائري وفي مستشفياتنا وصار يطلب العلاج في الأردن وتونس وكما فقدها في البرلمانيين وفي رجال الحكومة، وصار مقتنعا بأن وجودهم مثل عدمه.

مقالات ذات صلة