الجزائر
"الشروق" تحضر جلسة لجان سحب رخص السياقة وتنقل كواليسها وطرائفها:

“ما تقطعوش خبزتي”.. إن الله غفور رحيم

الشروق أونلاين
  • 32226
  • 139
بشير زمري
جلسة لجان سحب رخص السياقة

كواليس مُحاكمة ساخنة امتزجت فيها صرامة القانون بدموع الحسرة والندم، مواجهات تراجيدية دارت محاورها بين مرافعات أعضاء لجنة سحب رخص السياقة، وتبريرات المخالفين لقانون المرور.. متهمون ينظرون إلى رخصة سياقتهم أنها “خبزة” وقوت عيشهم، وأعضاء لجنة همهم تطبيق القانون وكبح إرهاب الطرقات.. “الشروق” لأول مرة تحضر عمل لجان سحب الرخص وتنقل لكم التفاصيل.

من فضلكم راني نخدم على الدار ما تقطعوش خبزتي.. والله عندي جنازة.. أنا مريض بالسكر.. تلقيت مكالمة هاتفية من أحد أقاربي فأخبرني أن عمي يحتضر.. اسمحولي أنا عندي امتحان ولهذا أحرقت “الستوب”.. عبارات ردّدها المخالفون لقوانين المرور أمام أعضاء اللجنة الولائية لسحب رخص السياقة، حيث لم تشفع توسلات وتبريرات وبكاء هؤلاء أمام الحكام.

.

هكذا تمكّنا من دخول مقر اللجنة

بعد جهود جبارة قامت بها “الشروق” لمدة أسبوع كامل، للحصول على ترخيص من اللجنة الولائية لسحب رخص السياقة، والمتكونة من ممثلي الدرك والشرطة، ممثلين عن مديريات الأشغال العمومية والنقل والمناجم ومفتش رخص السياقة والأمن في الطرقات، إلى جانب ممثل عن مدارس السياقة ورئيس اللجنة ممثل والي المقاطعة الإدارية لحسين داي، تمكنا من الظفر بالرد الإيجابي مبدئيا على طلبنا.

الساعة كانت تشير إلى الواحدة بعد زوال يوم الخميس المنصرم، وهو اليوم المخصص لمحاكمة المخالفين لقوانين المرور، عندما وصلنا إلى المركز الثقافي “محمد عيسى مسعودي” الواقع وسط بلدية حسين داي في العاصمة، تفاجأنا بالكم الهائل والذي يتجاوز عددهم 100 شخص ارتكبوا مخالفات وجنح مرور، ينتظر كل واحد دوره في الطابور ويحملون بين أيديهم وصولات سحب رخص السياقة، وتقاسيم وجوههم تعكس قلقهم وخوفهم وكأنهم أمام محكمة جنايات.

.. وتفاجأنا بمنع دخولنا إلى مقر اللجنة بحجّة عدم حيازتنا لأمر بمهمة من الجريدة، حيث طلب منّا رئيس اللجنة تغطية الوقائع خارج أسوار القاعة، حسب الأوامر التي تلقوها، وإذا أردنا حضور الجلسة فلا بد من إرسال نسخة من الأمر بمهمة إلى الوالي المنتدب للمقاطعة الإدارية لحسين داي، وعلى الفور اتصلنا بنائب رئيس تحرير الجريدة الذي قام بدوره بترتيب جميع الأمور.

.

“نزعتولي الرخصة وتزيدو القبّعة”

طلبنا رئيس اللجنة وسمح لنا بالدخول بعد أن تلقى مكالمة هاتفية من الأمين العام للمقاطعة الإدارية لحسين، لتعاين “الشروق”، طيلة خمس ساعات كاملة لحظات الخوف والقلق وسط المخالفين.. رقم 674 تفضل.. ليدخل شاب في العشرين من عمره وكان يرتدي سروال “جينز” ويضع قبعة وهو يمضغ “علكا”.. أحد أعضاء اللجنة وهي ممثلة مديرية المناجم، تطلب منه نزع القبعة ورمي اللبان احتراما للجنة.. ويفاجئنا الشاب برده…”واش نزعتولي الرخصة وكذا القبعة والعلك”.. ليرد عليه رئيس اللجنة: احترم نفسك أيها الشاب.. ليصمت ويتلقى سؤالا من ممثل الشرطة هل تعرف أنك لم تحترم إشارة قف؟ بعدها أجاب الشاب: “ماعلاباليش”، لتصدر اللجنة في حقه حكما بسحب رخصة سياقته مدة 6 أشهر نافذة.

.

أرجو منكم العفو.. عمي كان يحتضر

ثاني مخالف استمعت له اللجنة كان أستاذا جامعيا بمعهد الشريعة الإسلامية بجامعة الخروبة “كنت أسير بسرعة 120 كلم في الساعة بعد أن تلقيت مكالمة هاتفية من أحد أقاربي أخبرني أن عمي يحتضر قبل أن يجهش بالبكاء، ليبرر المخالفة التي ارتكبها على مستوى الطريق، ولكنها لم تشفع لأعضاء اللجنة التي احتكمت لقانون المرور الجديد، وعاقبته بسحب رخصة السياقة لمدة 6 أشهر، بعد أن سمع من مفتش رخص السياقة والأمن في الطرقات رشيد بورنان، عبارات نارية تذكر الأستاذ أنه مربي الأجيال وعليه فقد تم تطبيق عليه ظرفا مشددا وأقصى عقوبة..

.

إن الله غفور رحيم.. والسديسي يساند اللجنة 

لم يجد أحد المواطنين الذين كان يرتدي قميصا أبيض اللون من طريقة للإفلات من عقوبة اللجنة، سوى الاستدلال بآيات من القرآن الكريم، مرددا: “وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم”، فأنا ارتكبت مخالفة عدم احترام الدوران ولكن والله لن أكررها مرة ثانية، ليرد عليه مفتش رخص السياقة والأمن في الطرقات السيد بورنان، قائلا: “لكل مقال مقام أتظن أن تلاوة القرآن طريقة للإفلات من العقوبة.. فإذا كان ذلك هو هدفك.. فنحن نرد عليك يا أخي “عبد الرحمن السديسي ألقى خطبة في مسجد الحرام حول إرهاب الطرقات.. وقال فيها أن الله يشدد على ضرورة عدم رمي الأنفس إلى التهلكة، وعلى هذا الأساس وحفاظا على روحك وروح أولادك ستحرم من السياقة لمدة 4 أشهر كاملة”.

.

أنا مريض بالسكري.. وعليّ بالمرحاض “حاشاكم”

توالت تصريحات مخالفي قانون المرور أمام اللجنة على نفس النحو، لنكتشف تبريرا آخر للسائق الشاب فاروق، وصل مؤشر سيارته 140 كلم في الساعة، حيث قال: “أنا المعيل الوحيد للعائلة أفرطت في السرعة لأني “تزيرت”، فأنا مريض بالسكري ولا بد أن أدخل أحد المراحيض”، ليقاطعه ممثل الأشغال العمومية قل “حاشاكم” على الأقل ليؤكد له أن المرض ليس ذريعة للإفراط في السرعة، وعلى هذا الأساس قررت اللجنة سحب رخصة سياقتك رأفة فقط لمدة 3 أشهر كاملة.

.

جامعي “يمسح الموس” في الامتحان

برر طالب جامعي إفراطه في السرعة بساعة امتحانه إذ قال: “كان عندي امتحان بالجامعة في حدود الساعة التاسعة والنصف، ولكن الازدحام المروري على مستوى محول الخروبة تسبب في تأخري عن موعد الامتحان، هذا سبب إفراطي في السرعة”، ليرد عليه رئيس اللجنة: “إذا كان فعلا عندك امتحان، لماذا لم تستيقظ باكرا ألا تعرف أن 80 بالمئة من حوادث المرور سببها الإفراط في السرعة، ولهذا سنسلط عليك عقوبة 6 أشهر، وتفضل لتوقع على القرار وارحل من هنا”.

.

ما “تقطعوليش خبزتي” ربّي يجازيكم

أصحاب الحافلات والشاحنات كانت لهم حصة الأسد في ارتكاب مخالفة السير في المسلك الثالث لمركبات الوزن الثقيل، حيث راح سائق شاحنة “كانت المسافة صغيرة بيني وبين سائق سيارة بالمسلك الثاني، مما جعلني أتجاوزه تجنبا لأي حادث”، ليرد عليه ممثل مديرية النقل: والله أمرك غريب، كيف تسوق شاحنة بها بنزين وتحاول المناورة في الطريق، فلا تدافع عن نفسك ولا هم يحزنون، ليلتفت إلى رئيس اللجنة ويقول سيدي الرئيس أنا أطالب بسحب رخصة السياقة لـ6 أشهر ليتم الإجماع من أعضاء اللجنة على 4 أشهر رأفة وشفقة بعائلته باعتبار أنه المعيل الوحيد لها.

.

حسبي الله ونعم الوكيل بدل التوبة والغفران

.. استمالة مشاعر ممثل الدرك والشرطة أمام اللجنة، كان من سمات السائق الحامل لرقم 736 الذي كان يسير على مستوى الطريق الرابط بين مخرج المحطة البرية للخروبة والطريق السريع وبسرعة جنونية.. هو شخص في العقد الخامس من العمر، لكن مخالفته جد خطيرة أفضت إلى موت شخص حاول قطع الطريق.. حكمت عليه اللجنة بسحب الرخصة 30 شهرا في المرة الأولى ليطعن في الحكم، ويمتثل أمام أعضاء اللجنة مرة ثانية، فعاتبته عن طبيعة المخالفة ليمطر السائق مسامع اللجنة بكلام معسول فقال: “خجلت من نفسي بعد ارتكابي هذه المخالفة وأعترف بذلك، واغتنم الفرصة لأشكر مصالح الشرطة والدرك على مجهوداتهما، فالشرطي الذي سجل لي المخالفة كان مؤدبا جدا معي، ليرد عليه مفتش رخص السياقة والأمن في الطرقات رشيد بورنان، “ألا تعرف أنك قتلت نفسا والطعن في الحكم لن يفيدك أبدا.. ارحل من هنا وسيسقط عنك الحق في السياقة لمدة 36 شهرا بدل من 30 شهرا فقط، ليتفاجأ أعضاء اللجنة بعبارات السائق الذي قال حسبي الله ونعم الوكيل”.

.. في حدود الساعة الخامسة مساءا، انتهت اللجنة من عملها بعد أن سجلت غيابات كثيرة للسائقين، ليؤكد أعضاؤها لـ”الشروق” أنهم ملّوا من تصرفات المخالفين وحيلهم وأكاذيبهم للإفلات من العقوبة.

غادرنا المكان وفي مخيّلتنا صور وحركات هؤلاء المخالفين لقوانين المرور، الذين غابت عنهم التربية المرورية، والأغرب من ذلك أن بعض من هؤلاء المخالفين لا يلقون بالا للقانون بل يستهزئون بأرواحهم وأرواح الآخرين.

مقالات ذات صلة