الجزائر
قزّم دور الولاية الأولى في هجمات 20 أوت 1955

ما لم يقله المجاهد لخضر بن طوبال في مذكراته

  بقلم الأستاذ صالح لغرور
  • 3102
  • 0
أرشيف
لخضر بن طوبال

لقد انتظرت كما انتظر الجميع وبفارغ الصبر صدور مذكرات بن طوبال وها هي قد صدرت كاملة بجزأيها الأول والثاني، بن طوبال شخصية وطنية تتجمع فيها كل أحداث ثورتنا سلبية كانت أم إيجابية، ابتداء من نشأة الحركة الوطنية إلى الاستقلال، فهو مناضل في الحركة الوطنية ثم عضو في المنظمة السرية وعضو مجموعة 22 مخطط برفقة زيغود يوسف لانتفاضة ‌20 أوت 1955، كما أنه من مهندسي لقاء الصومام، وهو من المسؤولين الأساسيين المتهمين بتصفية قادة الولاية الأولى، سواء الفوج الأول بقيادة عباس لغرور ورفاقه أو الفوج الثاني لعموري نواورة ورفاقهم ثم تصفية رفيقه عبان رمضان .
غادر الجزائر بعد لقاء الصومام رفقة أعضاء اللجنة المنبثقة منه ليستقر في الخارج، حيث لعب رفقة كريم بلقاسم وأوعمران وبولصوف دورا أساسيا في مسيرة الثورة حتى الاستقلال. كان هو ورفاقه كريم بلقاسم وأوعمران من اعتمد عليهم “ايف كوريا” لكتابة الأجزاء الأربعة لكتبه حول تاريخ الجزائر. انعزل عن السياسة وأصبح موظفا ساميا في الشركة الوطنية للحديد والصلب. فمساره المميز والثري يجعل كل مهتم بتاريخ الثورة متعطش لقراءتها. بسرعة اقتنيت الكتاب وأول ما كنت شغوفا لمعرفته هي ظروف تصفية عباس لغرور ورفاقه، خصوصا أنه يعد من المتهمين الأساسيين. ولعدم وجود لحد الآن وثيقة لمحاكمة رسمية توقعت الحصول أخيرا على مصدر وثيق حول التصفية.
بدأت تصفحها والاطلاع على بعض فصولها وفقراتها، وجدت أنها جد غنية وكثيفة، فهي مسح شامل ومفصل لمختلف أحداث الثورة حسب الراوي وحسب موقعه.. سأتعرض لها تدريجيا وبصفة مختصرة بانتقاء بعض الفقرات بحثا عن ما ارغب معرفته.

بن طوبال والإقامة بالأوراس
بعد اكتشاف المنظمة السرية يروي بن طوبال كيف وصل مع رفاقه إلى الأوراس وكيف تم توزيعهم على مختلف القبائل، حيث يقول: إنها أصعب مرحلة مأساوية التي سوف يعيشها قبل سنة ‍1954، ثم يصف حسب رأيي المرض المزمن الذي أصاب ولا يزال يعاني منه سكان الأوراس، وهو الصراع القبلي الذي يعد سبب تخلفهم المزمن (ليس كلام بن طوبال) يقول إنهم قاموا بتحسيس القبائل بالبعد الوطني للنضال، وأنه أصبح في كل بيت مناضل، وأن عجول كان أول مناضل من قبيلة السراحنة، وأنه بعد ما يقارب الشهر تم تأثير نشاطنا على كل الأوراس. باختصار قام بدراسة اجتماعية أو أنثروبولوجية لسكان الأوراس.
يذكر بن طوبال: “بقيت في ملجأ مدة 14 شهرا، كان صعبا العيش بهذه الطريقة في غرفة مغلقة دون أي نشاط طيلة 14 شهرا في غرفة… “يضيف أن بن عكشة يطلب منه أحيانا أن يساعده أثناء اجتماعه مع المناضلين في بيته أو في بيت مجاورة على بعد خطوات. يكتب أنه أصبح في حالة يرثى لها، وأن بن عكشة كان يزوده كل يوم بكتابين أو ثلاثة يأتي بها من مكتبة أريس ويشير إلى أنها المرحلة التي قرأ فيها أغلب الكتب طيلة حياته، لقد كان الأوراس عرين حمايته وحماية العديد من المناضلين، وقد استفاد الأوراسيون من وجودهم وبدورهم استفادوا من الأوراسيين في تكوينهم كما أكده المرحوم بن عودة في حديث معه: “علّمنا وتعلّمنا من الأوراسيين”.

أول نوفمبر 1954
بالنسبة لتاريخ اندلاع الثورة يكتب إن ديدوش مراد هو من أخبره بتاريخ بداية الثورة خمسة أيام قبل اندلاعها. اندهش لقرب التاريخ واعتبره غير كاف للاتصال بالمناضلين، لكن ديدوش مراد قال له لا مناقشة في تغيير التاريخ عليك أن تتحمل المسؤولية. فتوجه إلى ميلة أين اتصل بالمناضلين وتم توزيع 12 وحدة سلاح عليهم من بين 32 وحدة المتوفرة لديهم. العشرون الباقية تم توزيعها على مجموعة زيغود يوسف للهجوم على سكيكدة والسمندو والحروش.. يعطي كل تفاصيل العمليات ويشير إلى أن الصحافة الفرنسية وحتى الإذاعات العربية والدولية لم تتحدث عن الهجمات.

موقف بن طوبال من استشهاد شيحاني
في ما يخص استشهاد شيحاني، يكتب بن طوبال إن أخبار وصلتهم فراسلوا المنطقة يطلبون أسباب الوفاة فجاءتهم رسالة من طرف عجول يشرح فيها الأسباب. يرى أن هذه الأسباب لم تقنعهم ويضيف حتى ولو كانت حقيقية فإن شيحاني بشير لا يستحق الموت. بن طوبال لم يتعرض إلى كيفية حماية شيحاني بشير في ظروف جد صعبة في بداية الثورة وفي غياب إدارة مركزية، وهذا عكس ما قامت به لجنة التنسيق والتنفيذ في تونس، أين أعدمت عشرات إطارات الولاية الأولى لا يستحقون الإعدام، أُعدموا من أجل مواقفهم وليس من اجل عمالة أو خيانة وفي ظروف سلمية بعيدا عن ويلات حرب العصابات.

هجومات 20 أوت 1955 وتقزيم دور الولاية الأولى
بعد عمليات 1 و8 ماي 1955 التي قام بها المجاهدون في عدد من مدن الولاية الثانية، قرر زيغود يوسف إرسال مبعوث إلى شيحاني بشير من أجل تنسيق عملياتهم ومبعوثا إلى المنطقة 3 مرفقا برسالة إلى كريم بلقاسم لنفس المهمة.
مبعوث شيحاني عاد وأخبرهم بأن هذا الأخير أي شيحاني تحمل كل ثقل معركة الجرف. المعارك ضد قوات بيجار استمرت أسبوعا ليلا ونهارا دون توقف.. في رسالته أكد شيحاني على الصعوبات التي يواجهها وأن القوات الفرنسية تركزت في الأوراس الذي تحمل كل ثقل الحرب”. يكتب بن طوبال “علمنا فقط في هذا الوقت ضخامة الحرب والقمع اللذين يتعرض لهما الأوراس” . طلب شيحاني من زيغود بدل تنسيق العمليات بينهم عليهم بالقيام بالعمليات العسكرية لتخفيف ضغط العدو عليه، ويواصل بن طوبال قوله بأنه هو وزيغود أرادا القيام بعملية واسعة النطاق من منطقة إلى أخرى لكن استيلاء الفرنسيين على وثائق خلال معركة الجرف ونشر رسالة محساس إلى شيحاني في الصحافة الفرنسية، إضافة إلى علمهم بأن هناك من ربط اتصال ب -جاك سوستال- وبدأ التفاوض من أجل حل ممكن “للقضية الجزائرية”. كل هذه الأخبار جعلت زيغود يوسف يقر أن كل هذا خطر على الثورة، وتساءل إن كانت المناطق الأخرى تحارب أم لا.
وهنا يذكر بن طوبال بمقولة زيغود يوسف “زيغود كان يؤمن بالثورة وليس فقط بالاستقلال.. كان متأكدا أن هذه الأخيرة ستأتي مهما كان لكن لا يجب أن تقع بين أيدي أناس لا علاقة لهم بالشعب. في هذه الحالة لن يكون هناك استقلال حقيقي”. بعد مناقشة بين زيغود وبن طوبال حول الأوضاع في كل من المغرب وتونس ومحاولة فرنسا كسبهم تفرقا نهاية شهر جويلية 1955، وبعد ما يقارب أسبوعا وصلته رسالة من زيغود يطلب منه إحضار رجاله. يروي تفاصيل جد دقيقة عن عملية التحضير لهجومات 20 أوت وتنفيذها وأن زيغود هو من أعطى فكرة الهجوم الشامل. يشير إلى “أن عمار بوقلاز كان على علم بمخطط الهجوم على القالة الذي كلف به. هذا الهجوم لم ينفذ إلى يومنا هذا، فقد سافر إلى تونس ولم يعد إلا بعد الاستقلال”. هذه الهجومات خففت نوعا ما الحصار على الأوراس -النمامشة.
لم يتعرض بن طوبال إلى الأسلحة التي بعثت بها الولاية الأولى ولا إلى الأربعين مجاهدا الذين عادوا بدون سلاح، حيث استشهد معظمهم في طريق العودة . أشار فقط إلى مرسول جاءهم من طرف شيحاني اسمه عبد الوهاب حاملا رسالة شكر لما قامت به الولاية الثانية وسلم إلى زيغود (هدية) سلاح من نوع “برن” ولباس عسكري ملك لشيحاني كقائد المنطقة ‍الأولى. المرسول لم يعد إلى المنطقة الأولى واستقر في المنطقة الثانية حتى الاستقلال.

مؤتمر الصومام.. حقائق وتحفظات
فيما يخص مؤتمر الصومام يذكر بن طوبال أن المؤتمر كان متوقعا أن يتم في الولاية الثانية. ويروي بدقة الصعوبات التي واجهوها وهم في الطريق إلى اللقاء في واد الصومام. يذكر أن المناقشات كانت كثيرا ما تكون حادة، وعند سوء التفاهم يقومون بعملية انتخاب لكن الأغلبية كانت دائما لمجموعة عبان أو الولايات الثالثة والرابعة الخامسة.. وفي حال الانسداد يتدخل بن مهيدي لفض النزاع. يشير إلى أنه عند عودتهم من المؤتمر كانوا سعداء بتحقيق الوحدة الوطنية من جهة ومن جهة أخرى يذكر أن الأهم ضاع منهم، وأن زيغود أصيب بصدمة. لم يتوقف عن التفكير وبقى يتساءل ويقول “لقد لعبوا بنا”. يكتب بن طوبال: “من جهتنا كان مستحيلا علينا أخذ موقف الفيتو وإلا ستعزل الولاية الثانية “.
يضيف أنه واضح بأنهم لو لم يسايروا الوضع ولم يعترفوا بالسلطة المعينة فلن تكن هناك وحدة وطنية وربما لم يكن هناك استقلال. يكتب إن القرارات تم تحضيرها مسبقا وقد اطلعوا عليها فقط خلال الاجتماع. نفس الشيء بالنسبة لأعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ والمجلس الوطني للثورة الجزائرية. كما يشير إلى أنهم حذفوا عددا كبيرا من النقاط والمواقف أثناء الاجتماع من الوثيقة التي تم تحضيرها مسبقا. يشير إلى أن بن مهيدي وعبان كانا متفقين على كل شيء، وأن كريم كان يساندهم على طول الخط، أما أوعمران كان يدافع شكليا عن مواقفه ثم توقف نتيجة تأثير من طرف عبان وكريم.

حين تحول اختطاف الطائرة إلى ليلة عرس؟
في ما يخص اختطاف طائرة الزعماء الخمس، يكتب بن طوبال: إنهم كانوا في اجتماع يضم أعضاء الولاية عند سماع خبر الاختطاف هو وعلي كافي وصوت العرب ومجموعة من القادة فرحوا فرحا كبيرا، فكانت ليلة عرس”. يبرر ذلك انه عند اطلاعهم عبر الإذاعة بخبر اللقاء الذي سيجمع القادة الخمسة في تونس بكل من بورقيبة ومحمد الخامس الذين حسب قوله كانا سيلعبان دور وسيط بين الزعماء الخمس من أجل التفاوض مع فرنسا. أصابهم حزن شديد قبل سماع خبر الاختطاف حتى إنهم دعوا الله لإفشال اللقاء، كانوا متأكدين أن التفاوض لو حدث لكان كارثة كبيرة على الثورة. ويؤكد أنه لو نجح اللقاء لأجهضت الثورة وربما لم ننل حتى الاستقلال. يضيف إن معظم المشاركين في الاجتماع أصابهم حزن شديد لدرجة الحداد عند سماعهم بخبر الاختطاف.
-السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا اختطفت فرنسا الطائرة مادام هناك مشروع التفاوض مع بن بلة ورفاقه؟
كما أتساءل هل كان بن طوبال على علم بالمفاوضات السرية التي ندّد بها بن مهيدي في رسالته إلى بن بولعيد بتاريخ 06-04-1956 قبل انعقاد مؤتمر الصومام يحذر فيها من المفاوضات التي قامت بها مجموعة من القادة مدعين أنهم مفوضين من طرف جبهة التحرير؟ وكذا اتصال بعض قادة الثورة بفرحات عباس من أجل التفاوض؟ فإذا كان على علم لماذا لم يندد؟
بالنسبة للسؤال الأول: التفاوض لم يكن موضوع اللقاء المزمع عقده في تونس، كما يذكر بن طوبال أن الفقرة التالية الواردة في كتاب – جون توغنو – حول اختطاف الطائرة تؤكد أنه لا وجود لمشروع تفاوض على الأقل علنيا: “إن الحقيقة الهامة ليست القبض على بن بلة ولكنها إجهاض مؤتمر تونس الذي كان على وشك إعلان الوحدة المغاربية. من وجهة النظر هذه يمكن القول أن القبض على الجزائريين غير مجرى الأحداث.. لا تترك الوثائق أي شك في هذا الموضوع.. اللقاء كان سيؤسس لإنشاء فدرالية شمال إفريقيا” **.
هل كان بن طوبال ورفاقه يجهلون هذا المشروع الوحدوي أم أن فرحتهم كانت بسبب التخلص من منافسهم على السلطة؟ نلاحظ من خلال النص السابق أن الهدف الرئيسي للفرنسيين كان ممثلا في تفكيك وإجهاض الجهود الرامية إلى الوحدة بين البلدان الثلاثة.. وقد نجحت فيه.
اختطاف الطائر فتح الطريق أمام لجنة التنسيق وعلى رأسها عبان رمضان للاستيلاء على دواليب الثورة مما أدى إلى صراع عنيف بين أعضائها هذا الصراع راح ضحيته عبان رمضان.

مقالات ذات صلة