الرأي

ما هكذا‮ ‬يتم إصلاح المنظومة التربوية

الشروق أونلاين
  • 1572
  • 0

في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كنا ننتظر أن تتحرك وزراة التربية من أجل إحداث إصلاحات جوهرية وتغييرات إيجابية في‮ ‬المنظومة التربوية من أجل رفع وتحسين المستوى التعليمي‮ ‬للتلاميذ،‮ ‬لمواكبة مختلف المنظومات التربوية العالمية المتطورة،‮ ‬وتأهيلهم للدخول إلى آفاق تعليمية ذات مستوى عالي،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬كنا ننتظر أن تبادر وزيرة التربية بعدما حدث في‮ ‬امتحان البكالوريا من‮ ‬غش واستعمال لتكنولوجيات الجيل الثالث باتخاذ إجراءات استباقية واحتياطية حتى لا تتكرر مثل هذه المهازل ومن أجل حماية الامتحانات المصيرية وضمان إجرائها في‮ ‬شفافية ومصداقية،‮ ‬وفي‮ ‬ظروف طبيعية وجيدة،‮ ‬للأسف كانت خرجة وزيرة التربية بعيدة كل البعد عما كنا نصبو إليه جميعا،‮ ‬حيث تم الإعلان عن بعض الإجراءات التي‮ ‬سيتم إحداثها والتي‮ ‬كانت مؤسفة ومنفرة،‮ ‬وأثارت الرأي‮ ‬العام وكل الفعاليات وظهر الامتعاض والاستهجان سريعا وبشدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يستسغ‮ ‬روادها من مختلف الفئات ما تحدثت عنه الوزيرة‮.‬

‭ ‬وزيرة التربية تحدثت عن عزمها إدخال اللغة العامية إلى الطور الابتدائي‮ ‬بصفة رسمية وإدخال تعديلات على امتحان البكالوريا تتمثل في‮ ‬تقليص المواد الممتحن فيها،‮ ‬الإجراء الأول المتعلق بالعامية في‮ ‬الطور الابتدائي‮ ‬ليس له أي‮ ‬معنى وأي‮ ‬فائدة مرجوة لصالح المنظومة التربوية،‮ ‬ولا‮ ‬يمكننا التحجج بمبررات واهية لاستحداث هذا الإجراء الذي‮ ‬يمس بإحدى مكونات الهوية الوطنية،‮ ‬الوزيرة تحدثت عن ندوة تم عقدها وخرج من خلالها الخبراء المشاركون فيها بهذا الاقتراح الهادف إلى إدخال العامية للطور الابتدائي،‮ ‬اقتراح كان مفاجئا وغريبا ولم نسمع منذ سنوات قبل هذه الندوة العجيبة بأي‮ ‬صوت نادى أو طالب بإدخال اللغة العامية إلى التدريس الابتدائي،‮ ‬فكيف استطاع هؤلاء الخبراء العباقرة أن‮ ‬يتفطنوا إلى هذا المقترح،‮ ‬وكيف عرفوا بأن التلاميذ لديهم صعوبات لغوية في‮ ‬التعلم بالعربية،‮ ‬رغم أن الدراسات تقول إن الطفل الناشئ في‮ ‬أولى سنواته‮ ‬يستطيع تعلم وإتقان العديد من اللغات دون أدنى إشكال،‮ ‬خاصة إذا تلقى تكوينا جيدا،‮ ‬ثم كيف لمجموعة من الخبراء مع كل احترامنا لهم أن‮ ‬يتطرقوا إلى إدخال تعديلات خاصة برمز من رموز الهوية الوطنية وباللغة الرسمية الأولى التي‮ ‬يكرسها الدستور،‮ ‬فالأمر هنا‮ ‬يصبح أكبر بكثير من ندوة وطنية أو مجموعة من الخبراء،‮ ‬بل هذا الأمر وهذه الخطوة المتعلقة بإدخال لغة جديدة إلى التعليم الرسمي‮ ‬تتطلب دراسة ومناقشة من طرف البرلمان وموافقة،‮ ‬بل ويمكن أن‮ ‬يصل الأمر إلى الإستفتاء الشعبي،‮ ‬ثم دعونا نكون صرحاء فلغتنا العامية مع كل احترامنا لها ليس لها أي‮ ‬قواعد نحوية وليست لغة علم ولا تواكب أي‮ ‬مستوى علمي‮ ‬أو ثقافي،‮ ‬خاصة وأنها ملوثة بالمصطلحات المفرنسة التي‮ ‬تغلب عليها‮.‬

ومن هنا فإننا كأفراد في‮ ‬هذا المجتمع درسنا منذ سنوات طويلة في‮ ‬المدرسة الجزائرية وتعلمنا في‮ ‬جميع الأطوار الابتدائية والمتوسطة والثانوية فلا أذكر أبدا أننا وجدنا أي‮ ‬إشكال في‮ ‬التعليم باللغة العربية،‮ ‬بل بالعكس من ذلك فقد كانت اللغة العربية لغة ثقافة وعلم ولغة حية،‮ ‬كما أنها لغة القرآن الكريم ولغة ديننا الإسلام ونعتز بذلك،‮ ‬وقد فتحت أذهاننا إلى عوالم أخرى ووسعت مداركنا وخيالاتنا،‮ ‬فليس هناك أي‮ ‬مبرر واقعي‮ ‬لإحداث تغيير في‮ ‬لغة التعليم في‮ ‬الطور الابتدائي،‮ ‬بل كان الأجدر بوزارة التربية إذا أرادت أن تحقق إصلاحا جوهريا‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يكون انجازا أن تجعل اللغة الانجليزية هي‮ ‬اللغة الثانية في‮ ‬التعليم،‮ ‬ويتم الاهتمام بها أكثر وتعليمها للتلاميذ والطلبة لأنها اللغة العالمية الأولى ولغة التعامل والعلم والمعرفة في‮ ‬كافة المعمورة،‮ ‬واسألوا هنا أهل الاختصاص والباحثين فالجميع‮ ‬يعلم أن جميع المراجع والبحوث والكتب باللغة الانجليزية واللغة الفرنسية ضعيفة جدا وليس لها أي‮ ‬انتشار مقارنة بقوة وزخم اللغة الإنجليزية في‮ ‬المجال العلمي‮ ‬والمعرفي‮.‬

بالمختصر المفيد فإن إصلاح المنظومة التربوية أمر مهم ومطلب منشود وضرورة ملحة،‮ ‬ولكن لابد أن‮ ‬يكون ذلك في‮ ‬إطار الإجماع والتشاور وبإشراك جميع الفعاليات ابتداء بالأساتذة والباحثين والمفتشين والخبراء وجمعيات أولياء التلاميذ ونقابات التربية وجميع الفعاليات الحزبية والجمعيات المختصة،‮ ‬لأن إصلاحا جوهريا في‮ ‬مجال مهم من مجالات المجتمع لن‮ ‬ينجح أبدا إذا كان انفراديا ومتسرعا ودون دراسة معمقة ودون إشراك للأطراف الأخرى،‮ ‬ونتمنى أن نخرج سريعا من هذه الزوبعة في‮ ‬فنجان المتعلقة بالعامية،‮ ‬وأن لا نضيّع الوقت كثيرا،‮ ‬بل الأجدر أن نتكاتف جميعا ونجمع الجهود من أجل تقديم اقتراحات وتعديلات وإصلاحات حقيقية وجوهرية‮ ‬يمكنها أن تقدم لنا نتائج إيجابية وجيدة على الأقل على المديين المتوسط والبعيد،‮ ‬وهنا لابد أن نؤكد على أن أملنا قائم في‮ ‬السيد رئيس الجمهورية من أجل التدخل لحماية اللغة العربية التي‮ ‬هي‮ ‬رمز من رموز الهوية الوطنية على‮ ‬غرار اللغة الأمازيغية،‮ ‬هاتان اللغتان الرسميتان اللتان نعتز بهما ونفتخر بهما ولن نفرط أبدا فيهما،‮ ‬وسنظل ندافع عنهما كما دافع شهداؤنا عن الجزائر وترابها واستقلالها وهويتها ودينها‮.

مقالات ذات صلة