رياضة

ما يحدث في الرياضة عادي!

حفيظ دراجي
  • 8227
  • 35

كثيرا ما نبالغ في انتقاد المنظومة الرياضية في الجزائر، ونتحسر على مستواها الذي يتراجع باستمرار، ونندد بالممارسات السلبية التي تعاني منها الحركة الرياضية، وننتقد استراتيجية الاعتماد على اللاعبين المحترفين خارج الوطن والمدربين الأجانب دون المحليين، وكثيرا ما ندعو إلى الاهتمام بالفئات الشبانية في الرياضة وفي كرة القدم خصوصا، لكننا ننسى أو نتناسى بأن الذي يحدث في الحقل الرياضي من تراجع هو امتداد لما يحدث عندنا في كل المجالات، ولا يمكن أن تكون الرياضة أحسن حالا من الصناعة والزراعة والسياحة والصحة والتربية، ولا يمكن سوى أن تكون امتدادا لأحوالنا في كل المجالات.

عندما نتحسر على اختيار نبيل فكير اللعب لفرنسا، ونتحسر على اعتماد المنتخب على اللاعبين المحترفين من مزدوجي الجنسية، يجب علينا أن نتحسر قبل ذلك على التفريط في الكثير من الكفاءات العلمية والفكرية التي يزخر بها الوطن، والتفريط في نسائنا ورجالنا من المثقفين والمبدعين والفنانين والرياضيين الذين لم يعد لهم محل من الإعراب في وطنهم وسط منظومة فاشلة تشكلت من رجال المال والأعمال والمنتفعين والانتهازيين الذين غزوا كل المجالات وراحوا يسبون ويخوّنون الأحرار ويسرقون أحلام الشبان باستمرارهم في نهب خيراتهم والدفع بهم إلى اليأس.

عندما نتحسر على تدني المستوى الفني لرياضيينا ونوادينا ومنتخباتنا وننتقد أداءهم ونتائجهم فإننا بذلك نتغاضى عن تراجع مستوى منظومتنا التربوية والعلمية والصحية، وتدهور قطاعات العدالة والنقل والسياحة والزراعة والصناعة وكل أنواع الخدمات التي تعاني تراجعا رهيبا، ونسعى فقط إلى الامتياز في الرياضة لإلهاء الناس عن فشلنا الذريع في مختلف المجالات لدرجة لم يجد فيها أبناؤنا إرثا حضاريا وفكريا وماديا يفتخرون ويعتزون به بين الشعوب والأمم!  

وعندما نتحسر على مستوى مسيري الحركة الرياضية الوطنية، وننتقد طريقة تسييرهم لنواديهم واتحادياتهم فإننا ننسى تدني المستوى الفكري والعلمي والأخلاقي للكثير من رجال السياسة والثقافة والفن الذين تحوّلوا إلى زمرة من الانتهازيين والمنتفعين لخدمة السلطة، عوض أن يكونوا في خدمة الدولة والمجتمع والقيم والمبادئ.

الرياضة وكرة القدم في مفهوم البلدان المتحضرة هي وسيلة تسلية وترفيه لا يقاس على أساسها مدى تطور الشعوب والأمم، لكن تطوير قطاعات التربية والصحة والعدالة والنقل والسياحة والارتقاء بالممارسة السياسية والنقاش الفكري إلى مستوى تطلعات الشعوب هي التي تسمح للأمم بالوصول إلى منظومة اجتماعية راقية تقوم على الكفاءة والجدارة وليس على الحقد والإقصاء والانتقام والتخوين والتخويف، وهي الممارسات التي نعيشها للأسف في بلد شعارهوان تو تري فيفا لالجيري“.

إننا نعيش اليوم أزمة متعددة الجوانب: أخلاقية وفكرية وسياسية أكثر مما هي اجتماعية واقتصادية ورياضية وكروية، ولا يبدو أننا سنخرج منها بسهولة وبسلام ما لم نعترف بالفشل وبالتقصير في حق الوطن والشعب، ثم نتحلى بالشجاعة والجرأة لتغيير ما يجب تغييره بالطرق الحضارية والسلمية، لأن التاريخ لا يرحم، وحان موعد الانتقال إلى الجمهورية الثانية في الأذهان والممارسات قبل الانتقال إلى دستور جديد وتقسيم إداري جديد وتعديل وزاري وتوزيع آخر للأدوار بين نفس الوجوه المستفزة التي تسبنا كل يوم بكل الأساليب الرخيصة.

مقالات ذات صلة