ما يزعجنا بسبب الآخرين يقودنا لفهم أنفسنا
توقفنا في الحلقة الماضية عند رصد الجهد الذي بذله مؤسسو الدراسات الثقافية في بريطانيا من أجل فهم دور الثقافة في المجتمع وتأثيرها في بناء وتشكيل الهويات وخاصة في المجتمعات الطبقية ومعها تلك التي تتميز بالتعدديات الإثنية والعرقية والدينية، كما توقفنا قليلا عند الكيفية التي تصنع بها الثقافة وكيف تمارس أيضا، إلى جانب ذلك استعرضنا بعض إشارات الدكتور سمير أمين التي أشار فيها إلى النقص الكبير في المعالجة العلمية للبُعد الثقافي كمكوِّن أساسي، مثله مثل البعد الاقتصادي والسياسي.
وهنا أمضي إلى القول بأنني قد لاحظت وأنا أفحص وأدرس أعمال مفكري مدرسة فرانكفورت وفي المقدمة هربرت ماركيوز وأريك فروم أنهم ركزوا على سبر الجانب النفسي للظاهرة الثقافية في المجتمعات الرأسمالية وتمكّنوا من تحقيق الكثير من النتائج في مجال الكشف عن آفات الاغتراب التي كرّستها الثقافة الرأسمالية.
لقد أخذتُ هذه النتائج بعين الاعتبار وصرت أدرك أن العائق الذي حال ولا يزال يحول دون التعمق في الدراسة العلمية للبعد الثقافي يعود جزئيا إلى تركيز الدارسين والمحللين والمنظِّرين بصفة عامة على الظواهر الثقافية الخارجية في حياة الانسان وإهمال البنى الثقافية اللاواعية لديه. كما لاحظت أيضا أن الدراسات المتخصصة في تحليل العناصر الثقافية اللاواعية في مجتمعاتنا تكاد أن تكون منعدمة ماعدا بعض المحاولات القليلة جدا والتي لا تشكل ظاهرة فكرية سائدة ومتطورة في الثقافة العربية المعاصرة.
في خضم إعادة بناء تكويني الثقافي والفكري فتحتُ نوافذي على التحليل النفسي باعتباره فنا يستخدم العلم لفهم تعقيدات النفسية البشرية وفي صميم ذلك الأبنية الثقافية التي تبني معمار هذه النفسية. في هذا السياق وجدت الجهد النظري الذي بذله الناقد الثقافي البريطاني أنتوني إيستهوب في كتابه النظري “اللاوعي” مهمًّا للغاية لأنه قدّم لي عددا من الإجابات عن الأسئلة التالية: كيف يتكوّن اللاّوعي الثقافي وكيف يعمل؟
منذ البداية وجدت هذا الناقد يطرح هذا السؤال المثير: ما هو اللاوعي؟ ليجيب عنه هكذا: “وفي الواقع، فإن اللاوعي – إذا كان موجودا– فهو ليس بموضوع مادي يمكن لك أن تضعه في أنبوب وأن تختبره بواسطة الكيمياويات. إن طبيعته تستخرج من تحليل معالم السلوك الإنساني –وخاصة السلوك اللساني– الذي لا يمكن أن يُفهم إلا على أساس فرضية مفادها أن هناك لاوعي..”.
في سياق تعريف إيستهوب للاوعي فإنه قد قام برواية قصة لعالم اللسانيات الروسي المدعو فيكوتسكي والذي قدم من خلالها هذا المقترح “للتمييز بين الخطاب الخارجي، وبين الخطاب الداخلي – بين الخطاب الخارجي المعلن عنه، وبين ذلك الصوت الذي يتحرك بداخل رأسي عندما لا أتكلم مع أي أحد“.
إن العالم فيكوتسكي حسب الناقد الثقافي إيستهوب “لا يؤمن أنَّ الخطاب الداخلي ليس ببساطة ذلك الخطاب الخارجي الذي تمّ استدخاله، وبالأحرى فإنّ للخطاب الداخلي قوانينه الخاصة به“. وهنا يلاحظ أنتوني إيستهوب أنه يمكننا رصد مشكل معرفي بارزا في فرضية عالم اللسانيات الروسي ويتمثل هذا المشكل في أننا “نعرف فقط الخطاب الداخلي للآخرين بواسطة ما يقولونه لنا” عن أنفسهم، أي من خلال خطابهم الخارجي، علما أن ما يقولونه لنا “ليس بالخطاب الداخلي على الإطلاق“، لأن الخطاب الداخلي لا معنى له إذا لم نترجمه إلى خطاب خارجي. وبعبارة أخرى فإننا لا نعرف أبدا ما يقوله إنسانٌ ما في نفسه ولنفسه ما لم يضع هذا المونولوج في خطاب واضح يعلن أمامنا من خلاله وبواسطته نص ذلك الكلام الداخلي. هناك إذن تمايز بين الخطاب الداخلي وبين اللاوعي؛ فاللاوعي مكوّن من المكبوتات، ومعالمه تُدرك بإدراك معالم المقموع والمكبوت بعد استخراجها من الطبقات المعتَّمة في اللاوعي البشري. وأن “اللاوعي يتكلم من خلال الأعراض، والآثار، والهوامات، والانقطاعات، والأحلام، والنكتة، والانزلاقات اللفظية في الحياة اليومية، والأعمال الأدبية والفنية“، أما الخطاب الداخلي فليس مشكَّلا من المكبوتات وإنما هو ظاهرة نفسية عادية كأن يتحدث الإنسان إلى نفسه، أو كأن يتخيل شخصا ما يوجه له الحديث.
لكي تتضح المعالم أكثر ينبغي الإنصات مرة أخرى إلى ما يقوله مؤسس التحليل النفسي سيغموند فرويد: “اللاوعي ليس جزءاً من الجسد، ولكن له علاقة قريبة به“، ولتوضيح هذه الفكرة يورد أنتوني إيستهوب مجموعة من معالم وخصائصه اللاوعي كما يلي:
1 ـ تعايش الرغبات المتناقضة في اللاوعي.
2 ـ الطاقات في اللاوعي غير ثابتة، بل هي متحرّكة، وعرضة للتشكّل مجددًا، كما أن اللاوعي يتميز بأنه حيّ وقابل للعودة إلى الوعي بأشكال معينة.
3 ـ إنّ عمليات اللاوعي غير مرتبة وفقاً للزمنية، وأنها لا تتبدل بفعل الزمن، وبالعكس فإنّ اللاوعي لا علاقة له بالزمن على الإطلاق.
4 ـ على مستوى اللاوعي فإنّ العالم الخارجي يستبدل بالواقع النفسي“.
ومهما يكن، فإن تعريف اللاوعي ليس بأمر سهل حيث أنه لا يكفي أن نعرّفه بأنه هو عودة المكبوت، أو تدفق المنسي، أو اختراق لمقموع لحجب الواقع القمعي وهلمّ جرا.
ما هو اللاوعي مجددا؟ وما علاقته بالثقافة؟ لقد وجدتُ إحدى الأجوبة عن هذا السؤال عند كارل غوستاف يونغ، الشهير بنحته لمصطلح “اللاوعي الجمعي“؛ في إحدى رحلات كارل يونغ إلى تونس عن طريق الجزائر في عام 1920 درس الثقافة التونسية ولاحظ غرابتها واختلافها عن ثقافته السويسرية الأوروبية إلى حد أثارت في البداية امتعاضه ولكن الأمر قد تغيّر عنده بعدما أبرزت له مضامين الأحلام التي حلمها في تونس قضايا كثيرة قام بتحليلها نفسيا وأدرك أن سبب امتعاضه من الثقافة التونسية يعود إلى شعور الانسان الأوروبي الذي يوجد في داخل لا وعيه بالتفوق العنصري على الإنسان العربي، ولقد جعله هذا الفهم يقبل بالاختلاف الثقافي ويعترف به وينظر إليه إيجابياً، وفي هذا السياق كتب عبارة شهيرة تعليقاً على اكتشافه هذا تقول: “كل ما يزعجنا بسبب الآخرين ينبغي أن يقودنا لفهم أنفسنا“. إن يونغ لم يعتبر الحلم بذاته لاوعيا جمعيا، فاللاوعي الفردي أو الجمعي هو الكلام والصور التي يتضمنها والتي تخضع للتحليل النفسي؛ فالحلم في ذاته كما تقول فرضية سيغموند فرويد وكما يشرحها الدارس إيستهوب “ليس هو اللاوعي، كما أن المضمون الظاهر للحلم ليس باللاوعي. إن الأحلام هي الكيفية التي بها يتكلم اللاوعي..” ولكي نفهم اللاوعي فإنه ينبغي علينا أن نحلل هذا “الكلام“، ولكن الوصول إلى إخراج العناصر المضمرة المشكّلة لكلام الحلم من ظلمات اللاوعي من أجل معرفتها وتمييزها أمر مشروط بالكشف عن الطبقات اللاواعية فينا من أجل فرزها ومن ثم فهم طبيعتها ووضعها أخيرا على شاشة وعينا ليدركها وتصبح بالتالي جزء من وعينا.
من المعروف أن علاقة اللاوعي البشري بالواقع هي علاقة معقدة جدا وأن اللاوعي مراوغ حيث نجده يتميز بكونه يلبس أقنعة كثيرة ويختفي بداخلها لكي ينفلت من الرقابة الاجتماعية، أي من الصدام مع المحرمات التي تحرّم هذا السلوك أو هذه الرغبة التي ترغب في شيء ما تمنعه الثقافة السائدة باعتبارها سلطة في هذا المجتمع أو ذاك المجتمع الآخر. وهكذا تكون الرغبة في صراع دائم مع الاكراهات الاجتماعية التي تتميز بها ثقافة مجتمع ما، وهي الثقافة التي تترجمها تلك السلطة إلى قيم ومعايير وقوانين وأعراف لتجد طريقها إلى هذه الأسرة أو إلى تلك الأسرة الأخرى في صورة إيديولوجيا ذات سلطة تحكم الذات من الداخل وبدون وعي منها غالبا.
إن هذه الثقافة التي تتحول إلى إيديولوجيا تقمع رغبات الذوات ثم تقوم هذه الذوات بلاوعي بإدخالها إلى العقل الباطن خوفا من العقاب. وبهذا الخصوص يقول أنتوني إيستهوب: “إنّ اللاوعي يبحث أساسا عن المتعة كلما تمكن من ذلك ومن دون أن يهتم بالكيفية التي يحصل بواسطتها عليها، ولكنه يواجه مشكلة إيجاد الطريق إلى المتعة بعيدا عن رقابة العقل الواعي“.