الجزائر
"الشروق" تقضي يوما بصرح "الشاذلي بن جديد" في قلب العاصمة:

متحف الجيش.. ذاكرة الجزائر عبر الأزمان!

مريم زكري
  • 183
  • 0

شواهد على حضارات تعاقبت عبر العصور صنعت مجد الجزائر، وزخم يستطيع المتأمل فيه قراءة مسيرة وذاكرة حيّة مفتوحة على البحث العلمي والتوثيق… من داخل المتحف المركزي للجيش “الشاذلي بن جديد” محطات تروي مراحل مفصلية من تاريخ الجزائر العسكري والثقافي والإنساني البعيد، وتعزز الشعور بالانتماء إلى هذا الوطن، وتعكس عمق الهوية الوطنية وحمايتها من كل أشكال التشويه أو المسخ الفكري.

من أعالي العاصمة، وبمربع رياض الفتح حيث أقيم هذا المعلم التاريخي سنة 1984 تخليدا لشهداء الثورة التحريرية، في الذكرى الثلاثين لاندلاعها، كقوة معنوية ومصدر إلهام لبناء المستقبل، وصون السيادة الوطنية واستمرارية تاريخ الأمة كصرح وطني شامخ… تتجلى روح التواصل بين الأجيال داخل فضاء متحفي واسع ومنظم بعناية، يخلد الموروث التاريخي والحضاري ويعرض قصة وطن وشعب وأمة صنعت أمجادها بالتضحيات الجسام على مر العصور.

محاكاة افتراضية دقيقة للأحداث التاريخية

في هذا الصدد، نظم المتحف المركزي للجيش “الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد”، بالناحية العسكرية الأولى، الاثنين، زيارة موجهة إلى وسائل الإعلام الوطنية وذلك في إطار تنفيذ مخطط الاتصال للجيش الوطني الشعبي 2025/2026.

أسلحة وهدايا الملوك ومعروضات نفيسة ونادرة

وذلك بهدف إبراز المجهودات التي تبذلها القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي في سبيل حفظ الذاكرة الوطنية وتطور الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير، وتمكين وسائل الإعلام من الإطلاع عن قرب على مختلف الأجنحة وقاعات العرض المتحفي التي يزخر بها هذا الصرح التاريخي، وفي كلمة ترحيبية، كشف العقيد مصطفى حزازي، مدير المتحف الدور الهام الذي تضطلع به الأسرة الإعلامية في نقل المعلومة الصحيحة والتعريف بهياكل ووحدات الجيش الوطني الشعبي، خاصة مديرية الإعلام والاتصال لأركان الجيش الوطني الشعبي، وإبراز جهودها في حفظ التراث التاريخي ونقل رسالة الشهداء والحفاظ على الذاكرة الوطنية.

رحلة عبر الزمن وتصنيف متسلسل للأحداث

معروضات أثرية ووثائق نادرة وأسلحة وخرائط ومجسمات ولوحات فنية تجسد مختلف المراحل التاريخية وقفت عليها “الشروق” في رحلة جميلة عبر محطات مهمة من تاريخ الجزائر أين قضينا ساعات من التجول والتنقل من مرحلة وعصر لآخر…

بأسلوبه الشيّق، أعاد المرشد الذي كان يرافقنا عبر مختلف أجنحة المتحف، رسم ملامح تلك الفترات التاريخية، موضحا خلفيات الأحداث والظروف التي أحاطت بها، جعلنا نعيش خلال هذه الزيارة تفاصيل الماضي وكأنها تحكى أمامنا من جديد، حيث راح يروي لنا تفاصيل دقيقة عن تاريخ المعروضات، مستحضرا السياق الزمني لكل قطعة والمرحلة التي تعود إليها.

ورشات لاسترجاع الصور التالفة بالذكاء الاصطناعي

من داخل أروقة المتحف، بدا المكان وكأنه رحلة عبر الزمن، حيث يجد  الزائر نفسه ابتداء من قاعة الاستقبال أمام وهج التاريخ الجزائري الحافل بالمآثر والبطولات، حيث يتعرف في هذه القاعة على كبار صانعي أمجاد الجزائر وذلك من خلال التماثيل التي أقيمت تخليدا لذكراهم، حيث يصادفك في البداية تمثال مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة “الأمير عبد القادر” تحيط به مجسمات لقادة وأبطال ثورة نوفمبر المجيدة، فيما يقابل المدخل في أعلى جدار البهو صور لرؤساء الجزائر المستقلة، و على جانب البهو تمثال للملك يوغرطة، فيما يتواجد على الجانب الآخر تمثال للرايس حميدو ومجسم لمدينة الجزائر “المحروسة” واستعراض نظامها الدفاعي الذي كان سببا في منحها تلك التسمية لأنها ظلت محروسة بفضله من الغزاة والمحتلين.

عرض بصري ذكي وشاشات متطورة

تنظيم دقيق ومنظم يجعلك تسافر عبر الأزمنة الغابرة داخل المتحف.. هندسة جميلة للمكان، شاشات عرض بتقنيات متطورة ومعروضات قديمة وخرائط ومجسمات محفوظة بعناية، تجمع بين الماضي والحاضر، اختزلت نضال وكفاح ومعارك عبر التاريخ بداية بمعركة الطاسيلي 2000 ق.م واستعراض طرق وأدوات القتال حينها، وصولا إلى العصر القديم ومعارك ملوك نوميديا، ثم العصر الإسلامي من الدولة الرستمية إلى الزيانية والحكم العثماني إلى الثورات الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي ثم الثورة المجيدة وكيف قاوم قادتها وأبطالها ببسالة.

أكثر ما استوقفنا منذ دخولنا عبر البوابة الرئيسية هو الموقع والتصميم الهندسي للمتحف من الخارج والداخل، وصولا إلى الأجنحة، حيث توزعت بالترتيب الزمني لكل حقبة تاريخية، كما صنفت معروضات المتحف وفق تسلسل دقيق موزعة على أرجائه الفسيحة حسب العصور.

محاكاة افتراضية بقاعة تعذيب.. صفحة مؤلمة من آثار الاستعمار

في محطة مؤثرة من رحلتنا داخل المتحف، دخلنا إلى قاعة التعذيب، وهي حجرة صغيرة صُممت بتقنيات متطورة تحاكي ظروف الاستنطاق التي عاشها المجاهدون والجزائريون عموما خلال فترة الاستعمار، داخل هذا الفضاء الصامت، تعرفنا على أدوات وآلات التعذيب كانت شاهدة كيف تفنن المستعمر في استعمالها آنذاك لانتزاع الاعترافات من المجاهدين والثوار، ولا تزال محفوظة كما هي إلى اليوم، إلى جانب القيود والأغلال وأدوات أخرى كانت تستعمل داخل زنزانات الاستعمار.

ما إن وطأت أقدامنا هذا المكان، حتى خيم شعور وتأثر عميق بما سمعناه من تفاصيل، خاصة مع الشرح الدقيق الذي قدمه المرشد حول مختلف أساليب التعذيب التي تعرض لها الجزائريون خلال الثورة التحريرية، وكشفت عن صفحة مؤلمة من التاريخ، تذكرنا إلى اليوم بوحشية الاستعمار وبصمود شعب اختار المقاومة بدل الاستسلام…

من بساطة المقاومة إلى منظومة أسلحة متطورة

وخلال مواصلة جولتنا داخل المتحف، كنا ننتقل بين الأجنحة المصنفة بعناية، حيث يعرض كل فضاء مرحلة من مراحل تطور السلاح في الجزائر منذ أقدم العصور، وعرض مجسمات وتفاصيل مهمة تبدأ من عصر ما قبل التاريخ، أين كانت أدوات القتال بدائية تعتمد على الحجارة والعصي البسيطة، قبل أن ننتقل إلى العصر القديم وفجر التاريخ، حيث بدأت تتشكل أولى أدوات الدفاع بشكل أكثر تنظيما، مع ظهور وسائل أولية للصراع البشري.

يعكس تطور الأسلحة في الجزائر من خلال المتحف مسارا تاريخيا طويلا ارتبط بطبيعة الصراع الذي خاضه الشعب عبر مختلف المراحل، تعرفنا عليها في سياق جولتنا مع شروحات مفصلة حولها، ففي البدايات الأولى للمقاومات الشعبية وثورة التحرير ضد الاحتلال، كانت وسائل القتال بسيطة في مواجهة قوة استعمارية تفوقهم تجهيزا وعدة، ورغم تواضع هذه الوسائل، إلا أنها جسدت روح التحدي والإصرار على المقاومة.

وبعد استرجاع السيادة الوطنية، شهدت المؤسسة العسكرية الجزائرية تحولا جذريا في فلسفة التسليح والتجهيز، حيث انتقلت من مرحلة التحرير إلى مرحلة بناء جيش نظامي حديث، وأصبح الجيش الوطني الشعبي يمتلك اليوم منظومة دفاع متكاملة ومتطورة، تشمل أسلحة برية متقدمة من مدرعات وآليات قتالية، إلى جانب قدرات جوية حديثة وطائرات متنوعة، وكذا قوة بحرية مجهزة بأحدث التقنيات التكنولوجية كما تدعمت هذه المنظومة بأنظمة صاروخية متطورة ورادارات دقيقة للمراقبة والكشف المبكر.

مخابر بتقنيات حديثة لحماية الذاكرة الوطنية

تتواصل جهود كبيرة داخل مخابر حفظ المعروضات، من أجل العمل على حماية الذاكرة المادية للتاريخ الوطني، وفق منهج علمي صارم يراعي طبيعة كل قطعة وتصنيفها، سواء كانت أسلحة، أو قطعا قماشية أو لوحات فنية ومجسمات، وتنطلق هذه العملية من مرحلة الجرد والتوثيق، حيث تسجل كل قطعة في سجلات خاصة وتمنح رقما لها، بحسب ما كشفه لنا مرافقون، مع إعداد بطاقة تقنية مفصلة تتضمن مختلف المعلومات المرتبطة بها، مدعومة بالصور والبيانات الضرورية.

وبعد ذلك، تخضع المعروضات لسلسلة من عمليات الصيانة، التي تشمل الصيانة الوقائية لتفادي التلف، والصيانة العلاجية لمعالجة الأضرار، وصولا إلى الترميم عند الحاجة، وفق تقنيات علمية دقيقة.

كما تعتمد هذه الورشة على معايير حفظ عالمية، من خلال التحكم في درجة الحرارة والرطوبة ونسبة الإضاءة ودرجة الوسط القاعدي، بما يتناسب مع طبيعة كل مادة، إلى جانب استعمال وسائل تغليف وتخزين خاصة تضمن حماية القطع من العوامل الخارجية، وتسجل كل حركات التنقل والمعالجة ضمن سجلات دقيقة لتتبع مسار كل قطعة، مع الحرص على استخدام وسائل وقاية أثناء التعامل معها، كالقفازات تفاديا لأي تلف أو تلوث، كل ذلك من أجل الحفاظ على المعروضات وضمان بقائها أطول فترة ممكنة كشاهد حي على تاريخ الجزائر وإرثها الحضاري.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم الذاكرة من جديد

داخل مكتب الأرشيف التاريخي بالمتحف، وهي ورشة حية لإعادة قراءة التاريخ بصريا، تستعمل أحدث تقنيات التحول الرقمي لتوضيح الصور المتلفة وإعادة إحيائها، عبر معالجة رقمية دقيقة تعيد لها ملامحها الأصلية، ثم إعادة تلوينها بالذكاء الاصطناعي بما يقارب واقعها التاريخي.

فبعدما كان حفظ الذاكرة الوطنية يقتصر على التوثيق التقليدي، أصبح الآن يعتمد على تقنيات متطورة، في خطوة تعكس مواكبة المؤسسة لعصر الرقمنة في صون التراث، ولا يتوقف العمل عند هذا الحد، بل يتم أيضا تجميع صور مختلفة ودمجها تقنيا لإعادة بناء مشاهد شبه مكتملة، تحول لاحقا إلى مرجع بصري دقيق، يعتمد عليه في إنجاز لوحات زيتية خاصة المتعلقة بالشخصيات التاريخية بأقرب صورة ممكنة للواقع.

مروحة الداي وهدايا الملوك للأمير عبد القادر

أكثر ما ميز هذا المعلم هو وجود قطع نادرة وتحف قيّمة تعود لعصور قديمة، إلى جانب أغراض شخصية للقادة ورؤساء الجزائر، منها السيارة الشخصية للرئيس الراحل هواري بومدين وقبعته، وكذا وشاح وسيوف تسلمها الأمير عبد القادر كهدايا من نابليون الثالث، إلى جانب بندقية أهدتها له الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا العظمى وأيرلندا، وسجادة أهداها له أيضا الأمير شاميل لدولة الشيشان حينها، بالإضافة إلى ذلك تتواجد النسخة الأصلية من “المنشة” أو مروحة الداي حسين التي كانت سببا في احتلال فرنسا للجزائر، وختمه محفوظتان داخل علب زجاجية خاصة لحمايتها من التلف، إلى جانب قطع أسلحة والمسدسات الخاصة بقادة الثورة على غرار العربي بن مهيدي وآيت حمودة وغيرهما، وكذا مدافع حربية تعود للعهد العثماني.

مقالات ذات صلة