متطوعون يطاردون “الموت” لإنقاذ التائهين في الصحراء
يهب عشرات المتطوعين في خوض سباق مع الزمن لإنقاذ التائهين وسط الصحراء، حيث تحدد كل دقيقة أو ثانية تمر مصير المفقودين، فالمغامرون والباحثون عن الكنوز والمستكشفون وحتى هواة الرحلات البرية، قد يجدون أنفسهم فجأة في مواجهة الطبيعة القاسية بعد أن يفقدوا طريق العودة وسط الرمال الممتدة عبر مساحات شاسعة، وصعوبة التضاريس وارتفاع درجات الحرارة، ليصبحوا في صراع مع العطش والإجهاد، متشبثين بأمل النجاة في انتظار وصول فرق البحث والإنقاذ.
جمعية وادي ميه: أغلب المفقودين يغامرون دون خبرة أو تجهيزات كافية
يجوب متطوعو مجموعات للبحث والإنقاذ انطلاقا من هذا الواجب الإنساني مساحات شاسعة من الصحراء، متحدين قساوة المناخ وبعد المسافات، غير آبهين بالمخاطر التي قد تواجههم أثناء عمليات البحث، ورغم نجاحهم خلال السنوات الأخيرة في إنقاذ عشرات الأشخاص وإعادتهم سالمين إلى عائلاتهم، إلا أن نقص الإمكانات والوسائل التقنية الحديثة لا يزال يشكل عائقا أمام تدخلاتهم، ما يستدعي، حسبهم، توفير دعم أكبر من السلطات المختصة لتسهيل عمليات البحث والوصول إلى المفقودين في أسرع وقت.
الضياع بدافع المغامرة أو الاستكشاف
وفي هذا السياق، كشف ممثل مجموعة وادي ميه للبحث والإنقاذ، عبد الله الداوي، لـ”الشروق”، أن المتطوعين في مجال البحث عن المفقودين وسط الصحراء يحرصون في البداية على جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات المتعلقة بالمفقود، مثل آخر مكان شوهد فيه، وخط سيره المحتمل، وطبيعة المركبة التي كان يستعملها، وعدد الأشخاص المرافقين له إن وجدوا، قبل وضع خطة ميدانية دقيقة وتقسيم المتطوعين إلى فرق تتولى تمشيط المناطق المحتملة، بالتنسيق مع مصالح الدرك الوطني والأمن الوطني والحماية المدنية، التي قال إنها تقدم دعما كبيرا وتسهيلات ميدانية ساهمت في إنجاح العديد من عمليات البحث والإنقاذ.
مضيفا أن أعضاء الفريق هم مجموعة من الشباب الذين راكموا خبرة طويلة في معرفة خبايا الصحراء ومسالكها، بفضل التجربة الميدانية التي اكتسبوها عبر سنوات من التنقل والاستكشاف، مؤكدا أنهم سخروا خبراتهم لخدمة المواطنين وإنقاذ الأرواح دون أي مقابل مادي.
وأوضح المتحدث أن نشاط المجموعة تطوعي بحت، ولا يهدف إلى تحقيق أي مكاسب، بل يقوم على روح التضامن والتكافل، مضيفا أن كل عملية بحث تبدأ مباشرة بعد تلقي البلاغ، سواء من عائلة الشخص المفقود أو عبر الصفحة الرسمية للمجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب ما كشفه ذات المتحدث.
خبرة في قراءة التضاريس وآثار المركبات
وأشار الداوي إلى أن المجموعة تعتمد حاليا على إمكاناتها الخاصة، المتمثلة في سيارات رباعية الدفع ودراجات نارية، إضافة إلى الخبرة الكبيرة التي يمتلكها أفرادها في قراءة تضاريس الصحراء وتتبع آثار المركبات والأقدام، وهي مهارات أصبحت تساهم مع مرور الوقت في الوصول إلى التائهين، خاصة في المناطق التي يصعب بلوغها.
كما تستفيد المجموعة، بحسبه، من المعلومات والصور والإحداثيات التي يرسلها المواطنون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تكون في كثير من الأحيان مفتاحا للوصول إلى الشخص المفقود، من خلال التعاون بين المواطنين والمتطوعين لإنجاح عمليات الإنقاذ.
وأكد المتحدث أن أغلب حالات الضياع المسجلة تعود إلى تهور بعض الشباب الذين يقصدون الصحراء بدافع المغامرة أو الاستكشاف، دون امتلاك الخبرة الكافية أو التحضير الجيد للرحلة، سواء من خلال حمل كميات مناسبة من المياه والمؤونة أو توفير وسائل اتصال فعالة، وهو ما يجعلهم يفقدون الاتجاه الصحيح بمجرد تعطل مركباتهم أو تغير الأحوال الجوية أو هبوب العواصف الرملية.
وأضاف أن الفئة العمرية الأكثر تعرضا للضياع تتراوح بين 15 و26 سنة، وهي الفئة التي تنجذب إلى رحلات الاستكشاف والبحث عن الكنوز المدفونة، أو التنقيب عن الذهب أو المغامرات الصحراوية، دون إدراك حقيقي لحجم المخاطر التي قد تواجههم في مناطق معزولة تمتد على مئات الكيلومترات.
وأشار الداوي إلى أن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها هؤلاء، خروجهم فرادى إلى الصحراء، مؤكدا أن التنقل في مجموعات يوفر فرصا أكبر للنجاة في حال وقوع أي طارئ، كما نصح بضرورة توفير أكثر من وسيلة نقل، وإبلاغ الأقارب أو الجهات المعنية بمسار الرحلة وموعد العودة المتوقع، مع تجنب الرحلات خلال فصل الصيف، خاصة في ساعات الظهيرة، بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة الذي يشكل خطرا على الإنسان والمركبات على حد سواء.
شباب عادوا من الموت في قلب الصحراء
وروى ممثل المجموعة عددا من القصص التي بقيت راسخة في أذهان المتطوعين، من بينها قصة شاب خرج لقضاء ليلة في الصحراء، لكنه أخطأ طريق العودة وسلك اتجاها معاكسا، ليجد نفسه تائها وسط مساحة شاسعة لا معالم فيها، وبعد أيام من البحث المتواصل، تمكن المتطوعون من العثور عليه في حالة صحية حرجة للغاية، بعدما أنهكه العطش والإجهاد وكاد يفقد حياته. وبمجرد إسعافه ونقله إلى المستشفى، أخبر أفراد فريق الإنقاذ أنه لم يفقد الأمل طوال فترة ضياعه، وكان يردد الدعاء باستمرار راجيا أن يرسل الله من ينقذه، وأضاف الداوي أن الشاب وبعد أشهر من العلاج استعاد عافيته وعاد إلى حياته الطبيعية.
وكشف المتحدث أن هذه ليست الحالة الوحيدة، إذ تمكنت المجموعة خلال السنوات الماضية من إنقاذ العديد من الأشخاص الذين كانوا على وشك الهلاك بعد نفاد المياه والمؤونة، وعجزهم عن تحديد طريق العودة أو طلب النجدة بسبب انعدام التغطية الهاتفية في المناطق التي ضلوا فيها.
هكذا يتم إسعاف الناجين
وفيما يتعلق بالإسعافات الأولية، شدد الداوي على ضرورة التعامل بحذر شديد مع الأشخاص الذين يتم العثور عليهم في الصحراء، موضحا أن أغلبهم يكونون في حالة جفاف حاد وإجهاد شديد، لذلك يمنع تقديم كميات كبيرة من الماء دفعة واحدة.
وأوضح أن المتطوعين يحرصون على تبريد جسم المصاب تدريجيا باستعمال قطعة قماش مبللة، مع ترطيب الوجه والشفاه، قبل تقديم كميات قليلة من الماء، ويمكن أن تكون ممزوجة بالسكر أو مصحوبة بالتمر، إلى غاية استقرار حالته الصحية، ليتم بعدها نقله إلى أقرب مؤسسة استشفائية، أو تسليمه إلى عائلته إذا كانت حالته تسمح بذلك وبعد استشارة الطاقم الطبي.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات تساهم في تفادي المضاعفات الصحية التي قد تنتج عن التعامل الخاطئ مع حالات الجفاف الحاد، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية التي تعرفها المناطق الصحراوية.
مطالب بدعم التجهيزات الحديثة
وفي المقابل، أكد محدثنا أن عمليات البحث والإنقاذ أصبحت تتطلب وسائل وتجهيزات حديثة تسمح بتغطية مساحات واسعة في وقت قياسي، لاسيما أن بعض المناطق التي يقصدها المتطوعون تفتقر كليا إلى التغطية الهاتفية، وهو ما يصعب التواصل مع فرق الإسناد أو طلب المساعدة عند الضرورة.
وأوضح أن هذه تجهيزات المتطورة تحتاج إلى ترخيص رسمي من قبل الجهات الأمنية قبل استعمالها، مضيفا أنها تساهم في تسريع عمليات البحث وتحديد مواقع المفقودين بدقة، مشيدا في ذات الوقت بالدور الذي تؤديه مصالح الدرك الوطني والأمن الوطني والحماية المدنية، في مرافقة عمليات البحث والإنقاذ، آملا في أن تحظى المجموعة بمزيد من الدعم والتجهيزات التي تمكنها من مواصلة رسالتها الإنسانية، وترسيخ ثقافة التطوع والتكافل في ولايات الجنوب ، حيث تتحول كل عملية إنقاذ ناجحة إلى انتصار جديد للحياة، ورسالة أمل تؤكد أن روح التضامن لا تزال أقوى من قساوة الصحراء.