الجزائر
الذكاء الاصطناعي يكشف خبايا المجرمين في عالم رقمي لا يرحم:

متنمّرون خلف الشاشات… وأطفال الجزائر خط أحمر!

أسماء بهلولي
  • 117
  • 0
ح.م

– رئيسة “المفوضية الوطنية” مريم شرفي لـ”الشروق”: هذه خطّتنا لحماية الأطفال
– مسؤول مصلحة الأطفال والقصّر بالدرك: سخّرنا كل الإمكانات لملاحقة المعتدين

لم تدم فرحة طفلة بنجاحها في شهادة التعليم المتوسط سوى ساعات، قبل أن تتحول صورة “عناق بريء” مع والدها إلى مادة للتنمر والسخرية والقذف والسب والشتم على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما قام مجهولون باختطاف لقطة عفوية وتعديل تفاصيلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأغرقوها بتعليقات وإيحاءات جارحة، لتتحول بهجة أسرة جزائرية إلى كابوس اجتاح آلاف الصفحات داخل البلاد وخارجها في دقائق معدودة.

ولم يكتف المتنمرون بالسخرية، بل استغلوا أدوات الذكاء الاصطناعي لتشويه الصورة، وفبركة محتوى مسيء، وتحويل طفلة متفوقة إلى هدف لحملة قاسية لم ترتكب ما تستحق به كل ذلك، سوى أنها نجحت، ولم تكن تلك الحادثة سوى واحدة من بين المئات إن لم نقل الآلاف، فمع كل إعلان لنتائج شهادتي البكالوريا والتعليم المتوسط، يتكرر المشهد بصورة أكثر قسوة، أطفال كرمتهم الجزائر لأنهم نخبتها العلمية، يتحولون فجأة إلى أهداف سهلة لحملات منظمة تستبيح ملامحهم، وأصواتهم، ولهجاتهم، ومناطقهم، وحتى أوضاع أسرهم.

وفي وقت قياسي أصبح الذكاء الاصطناعي سلاحا جديدا في أيدي أصحاب النفوس المريضة يشوه الصور ويزور الأصوات، ويفبرك الأكاذيب بكبسة زر، ولم يعد التنمر الإلكتروني مجرد كلمات عابرة يكتبها مجهولون خلف الشاشات، بل تحول إلى جريمة رقمية متكاملة، قادرة على اغتيال طفولة كاملة، وسرقة فرحة سنوات من الاجتهاد، وترك جراح نفسية قد تلازم الضحايا طويلا.

لكن خلف هذا المشهد الأسود، تدور معركة أخرى لا يراها الكثير، معركة تخوضها الدولة الجزائرية بأجهزة أمنية متخصصة، وخبراء في الأدلة الرقمية، ومفوضية وطنية لحماية الطفولة، وترسانة قانونية تتطور باستمرار، وصولا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي نفسه لتعقب المتنمرين، وكشف هوياتهم، وتحويل الفضاء الإلكتروني من ملاذ آمن للمعتدين إلى فضاء يطاردهم فيه القانون.

في هذا التحقيق، تفتح “الشروق أونلاين” أحد أخطر الملفات التي تهدد أطفال الجزائر في العصر الرقمي، وتكشف كيف تحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتنمر إلى سلاح تستخدمه الدولة لحماية الأطفال، ولماذا لم يعد الإفلات من العقاب مضمونا كما كان؟

بالأرقام… أطفال الجزائر ضحايا التنمّر الرقمي

وهنا تكشف شبكة ندى للدفاع عن حقوق الطفل الجزائري التي تأسست سنة 2004 وتضم في صفوفها أكثر من 150 جمعية وطنية محلية عن معطيات خطيرة ترتبط بالظاهرة، وتعترف بتسجيل أزيد من 1000 حالة تنمر إلكتروني ضد الأطفال تابعتها ميدانيا، واعتبر رئيسها عبد الرحمن عرعار في تصريح لـ”الشروق أولاين” أن “الظاهرة اليوم لم تعد معزولة، بل أصبحت من الجرائم التي تطال القصّر بوتيرة متزايدة مع اتساع استخدامهم للفضاء الرقمي”.

ويؤكد محدثنا أن التنمر الإلكتروني ضد هذه الفئة عرف خلال السنوات الثلاث الأخيرة ارتفاعا قياسيا، سواء من حيث الأساليب أم الوسائل، وذلك بالتزامن مع الانتشار الواسع للأجهزة الـ”سمارت” الجيل الجديد وسهولة الولوج إلى تطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وبحسب عرعار، فإن الشبكة رصدت وتابعت تجاوزات لم تقتصر على الشتائم أو التنابز بالألقاب كما كان يحدث بالمؤسسات التربوية والشوارع سابقا، بل انتقلت إلى منصات التواصل الاجتماعي، كـ”فيسبوك” و”تيكتوك” و”أنستغرام” وغيرها، وأكثر من ذلك أصبح المتنمرون يلجؤون إلى التلاعب بصور الأطفال، التزييف باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تقليد الأصوات، ونشرها داخل مجموعات وصفحات بهدف السخرية والتشهير وحتى الابتزاز. وأشار رئيس “ندى” إلى أن الشبكة وثقت حالات تدخلت فيها مصالح الأمن، وتمت معالجة أخرى في مراحل مبكرة، قبل أي تداعيات خطيرة على الأطفال.

مرضى نفوس رابضون على هواتفهم لترصدّ القُصّر دون الخامسة عشرة

ولمعرفة كيف تتم الجريمة، جمعت “الشروق أونلاين” ثلاث قضايا لحالات تنمر إلكتروني كعيّنة، كان ضحاياها أطفال دون الـ15 سنة، أوّلها قصة الطفل “أنيس. ح”، صاحب الـ12 سنة، تقدّم والده الأربعيني “عبد النور. ح”، بتاريخ 13 ماي 2026، بشكوى لدى مركز الدرك الوطني ببلدية الدرارية بالعاصمة، بعد تعرض ابنه لحملة تنمر إلكتروني باستخدام تطبيق “ماسنجر”، وبحسب الشكوى التي اطلعنا عليها، استغل عدد من أطفال الحي هواتف أوليائهم لإنشاء مجموعة خصصوها للسخرية منه، فتداولوا صورا له، بعد التلاعب بها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأرفقوها بعبارات استهزاء وتهكم على خصائصه الجسدية واصفين إياه بالـ “قصير” أو باللهجة العامية “قزوم”، “أسود”، “سلوقي”، ابن “السمينة”، “مخنث”.

ولم تكن تلك الصور المعدلة مجرد مزحة عابرة، بل تحولت في ظرف وجيز بحسب والده، إلى سبب في دخوله في عزلة كبيرة، مع تراجع ملحوظ في مستواه الدراسي. أما والدته، فتقول لـ” الشروق أونلاين”: “لم أنتبه في البداية، لما كان يعيشه ابني، فقط كنت ألاحظ أن سلوكه يتغير كلما أمسك الهاتف الذي كان يستخدمه للدخول إلى حسابي على فيسبوك”، لتضيف: “مع مرور الأيام، بدأت علامات الانطواء والتوتر تظهر عليه، لأكتشف بعدها الحقيقة الصادمة. فقد كانت أصعب مما توقعت، نظرا إلى حجم السخرية التي طالت طفلي داخل مجموعة أنشئت خصيصا للتنمر عليه”.

ورغم أن الأم طلبت من أولياء أبناء الجيران وقف التجاوزات ضد ابنها، إلا أنهم رفضوا ذلك ولم يعيروا الأمر اهتماما، ما جعل العائلة تلجأ إلى القانون، خوفا من تواصل الضغوط النفسية على ابنها، الذي يخضع حاليا لحصص العلاج النفسي.

أما الطفلة “لينا. ك”، 10 سنوات، من بلدية الحراش، فلم تتوقع يوما هي وعائلتها أن يتحول حساب أنشأته باسم مستعار على فيسبوك في نوفمبر 2025 إلى سبب في تعرضها لتنمر إلكتروني بشع، فخلال فترة مكوث والدتها بالمستشفى للعلاج من التهاب القلب المزمن استغلت فترة الفراغ وانشغال الأب لتتعرف عبر تطبيق “ماسنجر” على شاب أوهمها بالصداقة، قبل أن يبدأ بالسخرية من شكلها ولون بشرتها، ثم هددها بنشر صورها بعد التلاعب بها رقميا وإرسالها إلى أفراد عائلتها، ما لم تدفع له مبلغ ثلاثة ملايين سنتيم. القضية عالجتها مصالح الأمن، فيما لا تزال الطفلة اليوم تخضع للعلاج بإحدى العيادات الخاصة، التي تحفظت “الشروق أونلاين” عن ذكر اسمها حفاظا على خصوصية المريضة.

قضية أخرى عالجها القضاء الجزائري، تتعلق بطفلة قاصر 15 سنة من ولاية قسنطينة، وقعت ضحية تنمر وابتزاز إلكتروني بعد تعرفها على شاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. هذه الأخيرة تبادلت معه صورا خاصة جدا ومعلومات شخصية شهر فيفري 2026، المتهم قام بالتنمر على القاصر وابتزازها بالتشهير بها.

وبعد تحريك الدعوى القضائية من طرف أبي الضحية، كشفت التحقيقات أن المتهم كان يدير عملية الابتزاز من داخل أحد السجون بفرنسا مستخدما هاتفا محمولا دون علم إدارة السجن لتتدخل المصالح الأمنية بالتنسيق بين البلدين عبر محاميها الذي تحدث لـ”الشروق أونلاين” عن حيثيات القضية التي تم تصنيفها ضمن جرائم التنمر والابتزاز الإلكتروني.

والملحوظ، في هذه القضايا الثلاث، أن المتنمرين يمارسون الجريمة دون إدراك أنهم سيواجهون متابعات قضائية ويخضعون لطائلة القانون، ويجابهون متابعات رجال الأمن…

من فلوريدا إلى الشراقة… شبكة دولية لحماية أطفال الجزائر

تأكيدات شبكة “ندى” وتسجيل حالات تنمر ضد الأطفال شهادات لم تكن بعيدة عن أعين رجال الأمن، ولفهم أكثر حول ما يحدث خلف شاشات الهواتف والحواسيب انتقلت “الشروق أونلاين” إلى المصلحة المركزية لمكافحة الجريمة السيبرانية التابعة للدرك الوطني بالشراقة، غرب العاصمة، حيث اطلعت عن قرب على كيفية عمل هذه الفرقة المختصة، التي تعتمد على محققين ومهندسين عباقرة في تفكيك الشيفرات الإلكترونية الأكثر تعقيدا باستخدام حواسيب متطورة جدا يفوق سعر الحاسوب الواحد 4 ملايير سنتيم.

الرائد عطافي محمد أمين، المسؤول بمصلحة حماية القصر على شبكة الإنترنت، كشف في لقاء مع “الشروق أونلاين” عن تسجيل 356 جريمة إلكترونية استهدفت أطفالا خلال سنة 2025، من بينها 149 قضية عالجتها المصلحة المركزية للدرك الوطني، وخلف هذه الأرقام، تعمل منظومة أمنية متخصصة في صمت، فداخل مقر المصلحة، اطلعت “الشروق أونلاين” على نقطة الاتصال المركزية، وهي قاعة عمليات تضم محققين وخبراء مختصين في الجرائم الإلكترونية المرتكبة ضد الأطفال، يتولون متابعة البلاغات وتحليل الأدلة الرقمية والتنسيق مع أبرز الهيئات الدولية المتخصصة في حماية الأطفال عبر الإنترنت.

ولا يقتصر عمل هذه النقطة على معالجة القضايا داخل الجزائر، يقول الرائد عطافي، بل امتد إلى التعاون مع أكبر المراكز الدولية المختصة في مكافحة الجرائم المرتكبة ضد الأطفال، من أجل تبادل المعلومات والبيانات التقنية التي تساعد على تعقب المتورطين، حتى وإن كانوا ينشطون من خارج الحدود.

ومن بين أبرز هذه الهيئات المركز الوطني الأمريكي للأطفال “National Center for Missing&ExploitedChildren”  المتواجد بالولايات المتحدة الأميركية وبالضبط في ولاية فلوريدا، ويعمل كوسيط بين شركات التكنولوجيا العالمية وأجهزة إنفاذ القانون، من خلال استقبال البلاغات المتعلقة باستغلال الأطفال، سواء تعلق الأمر بالتنمر الإلكتروني أم الاستدراج أم الابتزاز أم الاعتداءات الجنسية عبر الإنترنت.

وأوضح الرائد عطافي أن هذا المركز، بمجرد رصده جريمة تستهدف طفلا، يعمل على تحديد الدولة التي وقع فيها الاعتداء، وإذا تبين أن الضحية طفل جزائري، تحال المعطيات مباشرة إلى نقطة الاتصال المركزية للدرك الوطني، مرفقة ببيانات تقنية تساعد المحققين على مباشرة التحريات، من بينها عناوين بروتوكول الإنترنت “إي بي” وغيرها من الأدلة الرقمية التي يتم الحصول عليها وفق الأطر القانونية المعمول بها.

ولا يتوقف التعاون عند هذا الحد، إذ ترتبط مصالح الدرك الوطني بقنوات تنسيق مباشرة مع كبرى المنصات الرقمية العالمية، على غرار “ميتا” و”تيك توك” و”إنستغرام”، بما يسمح بتبادل البلاغات المتعلقة بالحسابات أو المحتويات التي تستهدف الأطفال، وتسريع إجراءات التدخل وحماية الضحايا، كما تعتمد مصالح الدرك الوطني على نظام “إي كوب”، وهو نظام ذكي يستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم التحقيقات الخاصة بالجرائم المرتكبة ضد الأطفال عبر الإنترنت، من خلال تحليل البلاغات والمحتوى الرقمي، والمساعدة في تعقب مرتكبي الجرائم الإلكترونية ضد الأطفال.

لأوّل مرة… خلية سيبرانية شهر سبتمبر لتعقبّ الوحوش وهذه مهامها

رئيسة المفوضية الوطنية لحماية الطفولة رفقة صحفية “الشروق”

تحركات مصالح الأمن لفك خيوط الجرائم الإلكترونية المرتكبة ضد الأطفال تأتي ضمن جهود الدولة لتطويقها كليا فهذه الأخيرة انتقلت من مرحلة الملاحقة إلى الرصد قبل الانتشار، وذلك عبر إطلاق أول خلية يقظة سيبرانية متخصصة في حماية الطفولة تحت توصيات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، شهر سبتمبر المقبل.

وفي مقابلة خاصة مع “الشروق أونلاين”، كشفت المفوضة الوطنية لحماية وترقية الطفولة، مريم شرفي عن تفاصيل أول خلية سيبرانية لحماية الطفولة في الجزائر، مؤكدة أن هذه الأخيرة ستضم ضباط الشرطة القضائية من مصالح الأمن الوطني والدرك الوطني، إلى جانب موظفي الدعم وممثلين عن مختلف مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الدفاع الوطني ووزارة الداخلية، فضلا عن قضاة الأحداث.

وستتولى الخلية رصد مختلف المخاطر التي تهدد الأطفال عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، من خلال تجهيز قاعة عمليات جديدة تضم حواسيب وتقنيات حديثة، تعمل على مدار 24 ساعة لمتابعة المحتويات الرقمية التي تنتهك حقوق الطفل، يتصدرها التنمر الإلكتروني، إلى جانب المحتويات التي يتم إنتاجها أو التلاعب بها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحسب ما أكدته المفوضة الوطنية لحماية وترقية الطفولة.

ولا يقتصر دور الخلية على الرصد، إذ سيكون التدخل الآني والمعالجة السريعة من أبرز مهامها، من خلال توسيع دائرة المتدخلين في معالجة البلاغات وإشراك النيابة العامة، بما يسمح بالتحرك في الجرائم الإلكترونية ذات الوصف الجزائي المرتكبة ضد الأطفال، دون انتظار تقديم شكوى.

كما ستعتمد الخلية على قنوات اتصال مباشرة مع إدارات كبرى المنصات الرقمية، بما يسمح بالتبليغ عن المحتويات المسيئة للأطفال والعمل على حجبها، خاصة تلك المرتبطة بالتنمر الإلكتروني، وتساهم هذه الخلية، وفق ما أكدته مريم شرفي، في الانتقال إلى آليات أكثر سرعة لرصد الجرائم الرقمية والتدخل بشأنها، بعدما كانت المفوضية تعتمد على الوسائل التقليدية، على غرار الرقم الأخضر والتبليغ المباشر والتنقل إلى مقر الهيئة، حيث جرى تطوير الآليات المعتمدة ضمن الخلية الجديدة، التي ستستخدم أحدث منظومات رصد المحتوى المسيء الذي يتعرض له الطفل، فأي كلمة أو تعليق مسيء على صفحة عامة، أو بمحادثة خاصة تستهدف طفلا، ستكون الخلية له بالمرصاد.

تقنيات جديدة للذكاء الاصطناعي تصنع التنمّر وأخرى تكشفه

وراء كل حالة تنمر إلكتروني لا يقف متنمر فحسب، بل تقف أيضا أدوات تقنية ساهمت في توسيع نطاق هذه الجريمة وتسريع انتشارها، يتصدرها الذكاء الاصطناعي، الذي حوّل الصور والأصوات والكلمات إلى وسائل للسخرية والتشهير والابتزاز ضد الأطفال، ويؤكد الخبير في التحول الرقمي والأمن السيبراني، جلال بوعبد الله، في تصريح لـ “الشروق أونلاين”، أن صورة واحدة واضحة للطفل قد تكون كافية لإنشاء صور مزيفة أو تحريك ملامحه داخل مقطع فيديو قصير، كما أن عيّنة صوتية لا تتجاوز بضع ثوان قد تستخدم لاستنساخ صوته وإنتاج تسجيلات تبدو حقيقية.

ويذهب المتحدث أبعد من ذلك، موضحا أن التقنيات الحديثة نقلت التنمر من شكله التقليدي إلى تنمر رقمي أكثر سرعة وتأثيرا وانتشارا، مشيرا إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يمارس التنمر من تلقاء نفسه، لكنه يمنح المعتدي أدوات متطورة لإنتاج محتوى مسيء خلال وقت قياسي وبجودة يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي.

ورغم ذلك، يرى الخبير أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل الخطر فقط، بل يشكل أيضا إحدى أهم وسائل مكافحته، من خلال أنظمة قادرة على رصد الرسائل والتعليقات والصور، وتحليل مؤشرات الإساءة، مثل الإهانة والتهديد وخطاب الكراهية والتكرار المنظم لاستهداف الضحايا.

ويضرب المتحدث مثالا بمنصة Perspective API، التي تحلل النصوص وتقدر درجة السمية أو التأثير السلبي المحتمل للرسائل، إلى جانب نظام  Microsoft Azure AI Content Safety، الذي يوفر أدوات لتحليل النصوص والصور والمحتوى متعدد الوسائط، ورصد المحتوى الضار والإبلاغ عنه.

أما مقاطع الفيديو، فيوضح الخبير أنه يمكن تحليلها عبر تقسيمها إلى إطارات متتالية، وتحويل الصوت إلى نص، ثم دراسة التعليقات والسياق المصاحب لها، قبل أن تقترح الأنظمة إجراءات مختلفة، مثل إخفاء المحتوى مؤقتا، أو تنبيه المشرفين، أو إحالته إلى مراجعة بشرية، أو تحذير المستخدم قبل النشر.

غير أن هذه الأنظمة، يضيف بوعبد الله، ليست معصومة من الخطأ، إذ قد تعجز عن فهم السخرية أو المزاح أو السياق الثقافي، كما تواجه صعوبة في تحليل اللهجة الجزائرية والكتابة بالحروف اللاتينية، أو المزج بين العربية والفرنسية والأمازيغية، وهو ما قد يؤدي إلى إنذارات خاطئة أو إلى عدم اكتشاف بعض حالات التنمر التي تخلو من عبارات مسيئة بشكل مباشر.

من السخرية إلى الاكتئاب… رحلة ضحايا التنمر الإلكتروني

رغم أن مهمة المتنمر تنتهي بمجرد ضغطه على زر إرسال لتعليق أو صورة أو مقطع فيديو مزيف، لكن بالنسبة للطفل تبدأ رحلة أكثر قسوة، إذ تتحول شاشة الهاتف من مصدر للترفيه والسعادة إلى مصدر دائم للخوف والقلق، وللوقوف على الآثار النفسية التي يخلفها هذا النوع من الجرائم، تواصلت “الشروق أونلاين” مع إحدى أكبر العيادات المتخصصة في علاج الأطفال والمراهقين.

وفي هذا الإطار، كشف الطبيب المختص في الاضطرابات العقلية للطفل والمراهق، هشام زكاغ، أن العيادة استقبلت خلال الفترة الأخيرة عددا من الأطفال والمراهقين ضحايا للتنمر الإلكتروني، بعدما خلفت لديهم اضطرابات نفسية وسلوكية دفعت أولياءهم إلى طلب العلاج.

وأوضح المتحدث أن التنمر التقليدي يكون غالبا بهدف الإقصاء أو فرض السيطرة، بينما يقوم التنمر الإلكتروني على التهديد والتشهير والابتزاز، وهو أكثر خطورة بسبب سرعة انتشاره وصعوبة إيقافه، ويضيف أن الطفل عندما يرى صورته جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي، أو يقرأ سيلا من التعليقات المسيئة، يعيش صدمة نفسية حقيقية لأنه يتعامل مع المحتوى وكأنه واقع.

ويشير الطبيب إلى أن أولى العلامات التي تظهر على الضحية هي الصمت والانكسار، ثم الانسحاب من التجمعات العائلية، وقلة الكلام، وكثرة التفكير، والنفور من الهاتف، قبل أن تتطور الحالة إلى توتر وغضب شديدين، ثم إلى الاكتئاب، الذي تظهر أعراضه في اضطراب النوم، وفقدان الشهية، وتراجع المستوى الدراسي، وإهمال المظهر، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية.

ويحذر زكاغ من أن أخطر المراحل هي عندما يتحول الضغط النفسي إلى إيذاء للنفس، نتيجة اجتماع آثار التنمر مع خوف الطفل من رد فعل والديه، الذين قد لا يعلمان أصلا أنه كان يتواصل مع غرباء أو يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي وعليه يؤكد الطبيب، على دور الأسرة التي قال إنها حاسمة، لأن استمرار هذه الحالة قد يدفع الطفل إلى التفكير في الانتحار أو الانتقام أو حتى الهروب من المنزل.

20  سنة حبسا للمتنمرين وعقوبة مضاعفة لمستهدفي الأطفال

الآثار النفسية لضحايا التنمر الإلكتروني يجب ألا تقبر خلف جدران العيادات النفسية، بل يجب أن تُسمع ويحاسب مرتكبيها فكل تعليق سلبي أو صورة مفبركة أو تسجيل صوتي مزيف أو ابتزاز مهين يعاقب عليها القانون الجزائري، هذا ما يؤكده المحامي وعضو اللجنة القانونية للهيئة الوطنية لحماية الطفولة فيصل دريوش في تصريح لـ”الشروق أونلاين”، مضيفا: “القانون يعاقب هؤلاء من 5 إلى 20 سنة حبسا وبغرامة من 500.000 دج إلى 1.000.000 دينار كل من صور قاصرا دون 18 سنة بأي وسيلة كانت أو قام بإنتاج أو توزيع أو نشر أو ترويج أو استيراد أو تصدير أو عرض أو بيع أو حيازة مواد متعلقة بالقصر، وفي حال الإدانة تأمر الجهة القضائية بمصادرة الوسائل المستعملة لارتكاب الجريمة”.

ويعاقب أيضا بالحبس بحسب- محدثنا- من 3 إلى 7 سنوات “كل من يستعمل صورا إلكترونية للغير أو يقوم بتحويرها أو نقلها أو نسخها أو نشرها قصد الإضرار به”، ويضيف دريوش: “تضاعف العقوبة إذا صاحب ذلك ممارسة ضغوطات على الضحية للحصول على منفعة مادية أو خدمة أو أي مقابل آخر مباشر أو غير مباشر”.

وبحسب المحامي، فإن الجزائر تملك مجموعة كبيرة من النصوص والقوانين التي تتصدى لمثل هذه الجرائم، أهمها قانون العقوبات، قانون الوقاية من جرائم تكنولوجيات الإعلام والاتصال ونصوص أخرى تشكل أدوات تسمح بمتابعة عدد كبير من الجرائم التي ترتكب باستعمال الذكاء الاصطناعي على غرار التشهير، والقذف، والسب، والابتزاز، وانتهاك الحياة الخاصة، وانتحال الصفة، ونشر الصور دون إذن، وغيرها من الجرائم.

وبخصوص تكييف القانون الجزائري لجرائم التنمر الإلكتروني عندما يتم باستخدام صور أو فيديوهات أو أصوات مولدة بالذكاء الاصطناعي، يؤكد المحامي أن القانون لا ينظر إلى الوسيلة بقدر ما ينظر إلى النتيجة، فإذا استعمل شخص الذكاء الاصطناعي لإنشاء صورة أو فيديو أو تسجيل صوتي مزيف بقصد السخرية من طفل أو إذلاله أو تشويه سمعته أو تحريض الآخرين عليه، فإن الأفعال يمكن أن تشكل بحسب الحالة، جرائم القذف أو السب أو التشهير أو المساس بالحياة الخاصة أو حتى الابتزاز إذا استعملت للضغط على الضحية.

وفي قضايا الأطفال – بحسبه- تصبح الخطورة أكبر لأن الضرر النفسي قد يكون أعمق ويستمر لسنوات، وتتحول الواقعة من مجرد إساءة إلكترونية إلى عنف نفسي حقيقي، كما يشدّد القانون الجزائري الأحكام في الجرائم المتعلقة بالأطفال.

لا تحذفوا الأدلة… هذا ما يجب أن يفعله الوليّ لحماية طفله

وبخصوص أول إجراء قانوني يجب أن يتخذه الولي إذا تعرض طفله للتنمر باستخدام محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي يقول المحامي إن أول خطوة تكمن في عدم حذف الأدلة بل جمعها وتوثيقها وحفظها، فيجب الاحتفاظ بصور الشاشة وروابط المنشورات- بحسبه- وأسماء الحسابات وكذلك تاريخ النشر، وإذا أمكن توثيق المحتوى بأي طريقة كانت وهنا يضيف تكمن أيضا واحدة من أهم الإشكالات طريقة الحفظ وحجيته، لاسيما المعاينة عن طريق المحضر القضائي قبل اختفائه.

بعدها يقول فيصل دريوش، الذي يشغل أيضا منصب عضو اللجنة القانونية لدى المفوضية الوطنية لحماية الطفولة، يجب التوجه إلى مصالح الأمن أو الدرك الوطني أو إلى وكيل الجمهورية لتقديم شكوى، مع طلب فتح تحقيق تقني لتحديد صاحب الحساب حتى وإن كان يستعمل اسما مستعارا كما ينبغي بحسب المتحدث، التبليغ عن المحتوى لدى المنصة الرقمية لطلب حذفه.

تقرير “الكناس” يقترح حلولا لحماية الأطفال من 600 صفحة

لم يعد ملف حماية الأطفال من الجرائم الرقمية وتداعيات ولوج هذه الفئة إلى منصات التواصل الاجتماعي مقتصرا على المصالح الأمنية والجهات التربوية والحقوقية فحسب، بل فرض نفسه بقوة سنة 2026 عبر تقرير أعده المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي والبيئي “كناس”، والذي يضم في صفوفه باحثين ودكاترة وخبراء في كل الاختصاصات، هؤلاء دقوا ناقوس الخطر ورفعوا تقريرا مفصل لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بخصوص تداعيات ولوج الأطفال والشباب إلى المحتويات غير اللائقة على الإنترنت.

“الشروق أونلاين” اطلعت على توصيات التقرير الذي جاء في 600 صفحة شخّصت الظاهرة بدقة بناء على الحالة الجزائرية، وقدمت حلولا وتوصيات لوقف ما وصفوه بـ”تداعيات استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي وتأثيره على نفسية وسلوك الطفل بداية من تراجع التحصيل الدراسي والانعزال إلى التنمر الإلكتروني والمخاطر المرتبطة بالأمن السيبراني، فضلا عن الانشغالات التي يرفعها الأولياء والمؤسسات التربوية والمصالح الأمنية”.

ولم تكتف الدراسة بتشخيص المشكلة فقط بل بحثت عن حلول قابلة للتطبيق، بالاستناد إلى تجارب دولية نجحت في تنظيم ولوج الأطفال إلى المنصات الرقمية، على غرار النمسا وبريطانيا وأستراليا، حيث جرى اعتماد آليات للتحقق من سن المستخدم، وربط فتح الحسابات الرقمية بإثبات الهوية، وفق أحد معدّي التقرير.

وبناء على هذه التجارب، اقترح الخبراء حزمة من الحلول موزعة على ثمانية محاور أساسية، تشمل الجوانب الاجتماعية والقانونية والنفسية والتربوية، بمشاركة ممثلين عن قطاع التربية وقضاة الأحداث ومختصين في حماية الطفولة، مع التمييز بين إجراءات يمكن تنفيذها على المدى القريب وأخرى تتطلب وقتا أطول.

ومن بين المقترحات المطروحة، إشراك متعاملي الهاتف النقال في التحقق من سن الأطفال عند فتح الحسابات الرقمية، ودراسة إمكانية تطوير تطبيقات تتيح للأولياء متابعة استخدام أبنائهم للفضاء الرقمي، إلى جانب اعتماد بطاقة التعريف الوطنية كإحدى آليات التحقق من هوية المستخدم وسنه.

كما اقترح التقرير إنشاء لجنة لمراقبة المحتوى الرقمي، لاسيما ما ينشره المؤثرون، مع وضع آليات قانونية ومالية تحد من التجاوزات، إلى جانب تعزيز التوعية داخل المؤسسات التعليمية، وإدراج برامج تعرف الأطفال بمخاطر التنمر الإلكتروني وكيفية التعامل معه.

ولا يتوقف الحل، بحسب المقترحات عند المدرسة أو الهاتف إذ دعا الخبراء إلى استغلال فترة العطلة الصيفية في توفير أنشطة بديلة للأطفال، بالتعاون مع الجمعيات والمدارس والبلديات، من خلال الرياضة والرسم والموسيقى وغيرها من الأنشطة التي تمنح الطفل مساحة للتفاعل خارج الشاشة، بدل أن يتحول الهاتف إلى وسيلة لإبقائه منشغلا طوال اليوم.

تدابير عاجلة موجهة للدول الأعضاء بالأمم المتحدة لوقف التنمر ضد الطفل

وبالمقابل، لم تعد الجزائر اليوم بمعزل عن دول العالم التي باتت بدورها تعاني من التداعيات الخطيرة لانتشار التنمر الإلكتروني وسط الأطفال، ففي تقرير أممي صادر في مارس 2026 وتم تبليغه لكل الدول الأعضاء المنخرطة في هذا الفضاء، بما فيها الجزائر، حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد الأطفال، معلا مجيد، من تنامي مخاطر التنمر الإلكتروني وآثاره الخطيرة على الأطفال، داعية الدول الأعضاء إلى التحرك العاجل واتخاذ تدابير سريعة من أجل ضمان حماية لهذه الفئة.

وأشار التقرير الأخير للأمم المتحدة الخاص بالأطفال أن التنمر الإلكتروني قد يتسبب في ضائقة نفسية وتشويه دائم للسمعة لهذه الفئة، وقد يدفع في بعض الحالات إلى التفكير في الانتحار أو الإقدام عليه، كما لفت إلى أن الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي أعاد تشكيل هذه الظاهرة وجعل التنمر الإلكتروني أسرع وأكثر استهدافا وأصعب اكتشافا لاسيما مع تنامي استخدام الصور ومقاطع الفيديو المفبركة لإذلال الأطفال وتهديدهم عبر الإنترنت.

وفي النهاية، وأمام الجهود الكبرى الذي تبذلها الدولة الجزائرية لمنع أي مساس بكرامة الطفل أو تعرّضه للتنمر، تبقى حماية البراءة في بلادنا حقا وواجبا وأولوية قصوى تتصدّر اهتمامات أعلى السلطات في البلاد، على رأسها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، ومهما بلغت التكنولوجيا من تطور، يبقى لزاما على مستخدميها أن يضعوا خصوصية الطفل وسلامته في صميم تعاملهم معها، في عالم رقمي لا يرحم.

مقالات ذات صلة