متى تلد أزماتنا الهمّة؟
الفاجعة التي بلغتنا من سطيف والتي كان بطلها قاصر دون سن الثامنة عشرة الذي قام بإبادة عائلته المتكونة من والدته ووالده وشقيقته المعوّقة، وكاد أن يلحق بهما بقية أفراد عائلته، كانت طعنة حقيقية بعد أن تمنينا أن تتواصل “المصالحة الاجتماعية” التي ابتهجنا بقرب تحققها عقب الأفراح والليالي الملاح التي عشناها خلال الشهر الماضي، وأيضا بعد التباشير التي وصلتنا من مصالح الأمن والتي أكدت أن معدل الجريمة سجل تراجعا محسوسا عقب انتصارات الجزائر الكروية ..
-
-
وعندما حلت أزمة التشويه التي طالت الجزائر من أقرب الناس إلينا تمنينا أن تلد هذه الأزمات الهمّة التي نحلم بها منذ أن دخلنا نفق مشاكلنا الأمنية التي أغرقتنا حد الثمالة .. قد يعتبر البعض ما حدث في عاصمة الهضاب ومست عائلة تقطن في فيلا فاخرة مجرد عمل فردي لا يعني مجتمعنا، ولكن الحقيقة أن المجتمعات المتحضرة تتحمل جميعا مسؤولية مثل هذه الجرائم من القمة إلى القاعدة، فلا يمكن أن نقول أن الجاني مريض نفسي ونغلق ملف الجريمة “معنويا” ولا يمكن أن نقول أنه “قاصر” ونغلق ملف الجريمة “قانونيا”، ولا يمكن أن نبحث عن مبررات لمثل هذه الجرائم التي تمس المجتمع وتكسر “طابوهات دموية” قد تجعل الجريمة من الأمور العادية التي لا تثير أحدا على أساس أنها موجودة في كل دول العالم وربما بصورة أبشع وهي نظرة انهزامية للأمور.. لقد عانت الجزائر من عشرية سوداء أفرزت بالتأكيد أوبئة اجتماعية جعلتنا ننتقل إلى عشرية بذات اللون الدموي وباللون “الاجتماعي” بدل “السياسي” وللأسف بقيت النهاية واحدة وهي الموت والدموع .. وأخذت أبعادا أخطر لا تقل مضارها عن الأوبئة التي أعلنّا لأجلها حالة الطوارئ مثل الفساد وأنفلونزا الطيور.. بل إنها أشد فتكا من كل الأوبئة، خاصة أنها مسّت الآن الشرف من خلال ظهور إمبراطوريات قائمة بذاتها للمتاجرة بالرق والحشيش والمسحوق الأبيض وخطف البنات والأطفال ووصولا إلى جرائم القتل الجماعي التي ينفذها شخص واحد، وللأسف أحيانا قاصر من المفروض أنه حلم ومستقبل البلاد .. فاجعة سطيف قد تكون حدثا عابرا لن يتكرر مستقبلا وهذا ما نتمناه جميعا لكن أن نغلق ملف المأساة عند حدودها القانونية دون أن يتحرك المختصون في علم الاجتماع والنفس ليقدموا الحل السريع لمثل هاته المآسي .. فعاصمة الهضاب نفسها تمتلك أقطابا جامعية بها كليات علم الاجتماع التي تصرف عليها الدولة الملايير ولكنها لا تأخذ من واقعنا المؤلم وتغوص في جذور مشاكلنا.. لأن المعروف أن الشرطة ليست الوحيدة التي تفرمل عمل الإجرام ومن الخطأ أن نعتبر المتهم الوحيد في مجزرة سطيف هو ذاك القاصر بل كلنا متورطين في أي جريمة تقع بأقصى المدينة..أما عن القمة فلن نذكّرها بخوف فاروق الأمة من عقاب الخالق لأن بغلة في العراق قد تعثرت فالأمور عندنا لم تقتصر على البغال فالمجتمع بأسره ” يتعثر ” .