-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

متى تُكرّم قسنطينة فتاها بوزيد كحّول؟

متى تُكرّم قسنطينة فتاها بوزيد كحّول؟

“بوزيد كحّول” شخصية فريدة ونادرة، واسم سطع دهرا في سماء مدينة قسنطينة المجيدة كالهلال البائن في ليلة صحو التي لا تغشاها الغيوم. ويعجز غيابه الجسدي الأبدي أن يطمس الآثار الطيبة التي خلّفها من ورائه في كل الأماكن التي مرّ بها، ونقشها بإزميل حاد، ويمحوها بستائر النسيان الداكنة، أو يسقطه من ذاكرات من عرفوه ومن صادقوه ومن اشتغلوا معه في المواقع التي طاف بها، وخاصة تلك التي تبوّأ فيها مناصب القيادة والريادة، وحمل على كتفيه آصار وأثقال المسؤولية. إن الذاكرات الوفية ستظل تحتفظ باسمه وبصورته حفظ الخلود.

لمّا كنتُ أزاول دراستي في معهد علوم الحياة “البيولوجيا” في المنارة جامعة قسنطينة في نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن المنصرم، كان اسم الأخ بوزيد كحول يملأ الآفاق، ويتردد على كل لسان، ويُذكر في كل حلقة نقاش طلابية. وكنت، شخصيا، أسمع عنه وأتابع أخباره من بعيد، ومع ذلك، لم يكتب لي رؤيته أو مقابلته.

وكلما جاء ذكره في حديث إلا وأشيد بقوة شخصيته وصلابتها في مواقع الحق، وانتصاره للطلبة والوقوف بجانبهم مناصرا ومدافعا ورافعا عنهم الظلم والغشم من دون تفريق أو تحيز. وبفضله ومساعدة خلصائه، تمكن من إشاعة حركية ثقافية نشطة في معهد اللغة العربية وآدابها لم أرَ لها نظيرا في بقية المعاهد الأخرى. وكانت المجلة الحائطية ومجلة “الضاد” عنوانين كبيرين لهذا النشاط الفكري والأدبي. وكنت، ونظرا لميولي الأدبية التي كانت في مراحلها الجنينية الأولى، أتردّد على المعهد المذكور للإطلاع على المجلة الحائطية التي كانت تُعلَّق على الجدار بألوان زاهية أو لاقتناء نسخة من العدد الجديد الذي صدر من مجلة “الضاد”.

من بين فوادح الدهر التي هزّت الجامعة الجزائرية فادحة مغادرة الأخ بوزيد كحّول لها، وأكاد أرى أن الحال أشبه ما يكون ببتر عضو نبيل من جسم ينبض بالحياة، فلم تفقد فيه الجامعة مسؤولا حكيما وقائدا مستنيرا، فحسب، وإنما خسرت في مغادرته، أيضا، مشروع ناقد أدبي مستقبلي مرموق، وباحث أكاديمي كفؤ وماهر. ولو كُتب له البقاء في رحاب الجامعة لأصبح واحدا من كبار النقاد المتضلعين والمتسلحين بأدوات النقد الحديثة الذين يتشرفون باحتلال مكان بين أسياد وفطاحل النقد الأدبي في الجامعة الجزائرية كالدكاترة عبد الله الركيبي ومحمد مصايف وعبد المالك مرتاض، رحمهم الله.

استطاع الأخ بوزيد كحول أن يصنع من نفسه رُبَّانا مؤهَّلا وقائدا حكيما لتوجيه سفينة معهد اللغة العربية وآدابها، في بحر لُجّي كثيرالأمواج ذي اضطراب عنيف وتلاطم قوي، ولايتوقف مدّه وجزره عن التناوب في الظهور والاختفاء، وفي التقدم والتراجع. ولم تكن ميوله وقناعاته الفكرية والسياسية التي سرت في نفسه حتى النخاع تدفعه إلى الانحياز أو الميلان في الحكم والفصل بين مرؤوسيه أساتذة وطلابا. وإنما كان اعتداله سببا في كسب قلوب كل الطلبة وأغلب الأساتذة ونيل ودهم وربح محبتهم. وعاش الرجل ذو القامة القصيرة والمنكبين العريضين والنظرة الحادّة وصاحب الهيبة والرهبة مسؤولا بأتم معنى الكلمة، ومتهيَّبا من طرف كل من تسول له نفسه السير في طريق التحايل والمغالطة لبلوغ مآربه. وكم من تعيس جرّب حظه معه في ريبة وعوج، فلم ينل إلا السقوط المدوي والهزيمة النكراء والنكبة الموجعة.

تقدَّم الأستاذ بوزيد كحول في سنة 1980م برسالة ماجستير وسمها بوسم: “البناء الفني في شعر فدوى طوقان”، وأشرف عليه الدكتورمحمد شكري عياد. ويظهر موضوع رسالته تعلقه بقضايا أمته العربية التي أراد أن يدفع بها إلى واجهة الحضور ولو من خلال الشعر حتى لا تظل مغمورة ومهجورة. ولم يُشر إلى هذا الهدف المخفي في متن رسالته لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنه لا يناسب فحواها. ولوكشف عنه فقد يكون بمثابة ثغرة في عمله الأكاديمي. وما اهتمامه بشعر فدوى طوقان إلا تعبير عن مقدار الاهتمام التواصلي مع القضية العربية الأولى، أي قضية فلسطين السليبة.

ألمح إلى أن الطالب بوزيد كحول كان صاحب نظرة تجديدية في النقد الأدبي للشعرالذي أراد أن يخلصه من طول غطيطه في سباته داخل شرنقته التقليدية السطحية، وأن يحرره من الرؤى التي أبصر فيها قصورا وتراجعا عن مسايرة نظريات وتوجهات المدارس النقدية الحديثة. وقد أشار في مقدمة رسالته إلى ذلك بقوله: (…وفيما يتعلق بنقد الشعر، فإن الحركة النقدية عندنا ما تزال أسيرة النظرة النقدية القديمة من حيث اهتمامها بالفن الشعري عموما دون التفات إلى طبيعة البناء النقدي للقصيدة الشعرية من حيث تجزئتها النص الشعري إلى الثنائية القديمة الساذجة، أعني قضية اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون. وهي قضية أساءت إلى الدرس النقدي من حيث أرادت خدمته).

في كنف الحزب العتيد جبهة التحرير الوطني، كان الأخ بوزيد كحّول من بين كبار المناضلين تكوينا واقتدارا ودفاعا عن أطروحاته، وكان موردا من بين أرقى موارد الحزب الفكرية التي تحسن اقتراح الحلول حتى لأمّهات المشكلات السياسية والاجتماعية، وصياغتها صوغا محكما ولائقا يتماشى مع ظروف الزمان ومعطيات المكان، وتلقى الاجماع في الغالب. وكانت له مواقف مشهودة سيحفظها له التاريخ مع بعض المسؤولين المحليين في الولايات التي تولّى فيها منصب محافظ للحزب. وفي كل المعارك التي خاضها من أجل إحقاق الحقّ وتوطينه لم يكن يتراجع أو يعود القهقرى خوفا وخذلانا.

أما في رواقات المحاكم التي وقف فيها محاميا شريفا ومدافعا عن من لاذوا به واستنجدوا به من زمر المظلومين. ومع أنني لم أسمع مرافعاته، إلا أنني على يقين تام لا يخامره أدنى شك أنه كان من بين ألمع المحامين المتسلحين دوما بالإلمام بالقوانين والمدججين بالحجج الدامغة والبراهين القاطعة ومراكمة الأدلة التي تجلب التبرئة لكل من سقطت على رأسه مظلمة أو نزل به حيف الاعتداء جورا وبطلانا.

كلما جاء ذكره في حديث إلا وأشيد بقوة شخصيته وصلابتها في مواقع الحق، وانتصاره للطلبة والوقوف بجانبهم مناصرا ومدافعا ورافعا عنهم الظلم والغشم من دون تفريق أو تحيز. وبفضله ومساعدة خلصائه، تمكن من إشاعة حركية ثقافية نشطة في معهد اللغة العربية وآدابها لم أرَ لها نظيرا في بقية المعاهد الأخرى.

أظهر الأستاذ بوزيد كحول في كل المواقع التي قضى فيها سحابة عمره نبوغا وعبقرية لم ينفصل ولم ينسلخ عنهما باعتراف الكثيرين. ويستحقّ هذا النموذج الإنساني النادر أن يخلَّد في كتاب قيّم يحيط بكل مراحل حياته العامرة بالعطاء من أجل خدمة الوطن ورعاية أبنائه.

يعترف الأستاذ بوزيد كحّول بجميل الرجال الذين ذادوا ويذودون عن قيم الوطن في استقامة، ويحفظ لهم مكرمة العهد والودّ ويلتزم بهما. ومازلت أذكر كيف كان يحرص في همّة، رغم الداء والعياء، على الاستعداد لإحياء ذكرى رحيل الأستاذ الكبير عبد الحميد مهري، رحمه الله، قبل موعد حلولها بأسابيع. ولم يتوقف عن هذا الالتزام على امتداد سنوات إلا بعد أن واجهته صعوبات المنع.

كانت السنوات الأخيرة من عمر الأستاذ بوزيد كحول صعبة وثقيلة بعد أن تكاثرت في جسمه الأمراض، وأثقلت خطواته، وقلّلت حركته، وفرضت عليه التردد الكثيف على المستشفيات والمصحّات. ورغم ذلك أبدى مقاومة وجَلدا عظيمين، ولم يكن شاكيا أو باكيا. وإنما استقبل قضاء الله بصدر رحب محتسب ومن غير جزع أو تبرُّم.

كنت أتألم لمرض الأخ الصديق بوزيد كحّول، وكنت أكلمه يوميا تقريبا، وأحدِّثه عن الجديد في عالم الثقافة من خلال ما أطّلع عليه من كتابات متفرقة في الصحف الوطنية والعربية. وكان يطالبني أحيانا بتمكينه من بعض المواضيع التي تنال اهتمامه، فاستنسخُها وأرسل إليه بريديا أو بطرق أخرى أضمن وأسرع وصولا.

بعد السنوات التي تلت رحيله وطول انتظار، تهيأ لي أن هناك تقصيرا انكفائيا غير مشكور من الطبقات المثقفة في مدينة العلم والعلماء قسنطينة في حق الأستاذ بوزيد كحّول. ولا أعرف التفسير الذي دفعها إلى الانصراف كليا عن تذكُّره وتكريمه، ولو رمزيا، في وقفة تذكارية جامعة يتنادون لها؛ أفلم يكن له في مدينته خلانٌ ورفقاء وأصدقاء وزملاء وطلبة ومريدون وحواريون وأصفياء؟ وكيف يبلغ الجحود بكل هؤلاء درجة سحب سدائل التناسي على حروف اسمه الزكي؟ وهل من الوفاء أن يقابَل تاريخ رجل عظيم بصمت رهيب شبيه بصمت المقابر؟

لست منذرا، ولست معذرا، ولكن إذا لم تجد كلمتي التنبيهية التي أحبّ أن أنصف بها أخا كريما وفاضلا ما تزال دمدمات وجلجلات وزمجرات صوته تتردد في كل زوايا وحنايا مدينة قسنطينة، فإن هناك من يخطف ممن ذكرتهم المبادرة خطفا مهذَّبا ومؤدَّبا، ويقوم بما يمليه عليه الواجب الأخوي من دون اعتداد أو منٍّ أو أذى.

رحم الفتى السيد بوزيد كحّول، ورزقه الفردوس الأعلى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!