متى يُعْفينا مَرْضى القلوب من هَذَيانِهم؟
نحن من المتابعين لِما يُنشر في مجال التربية والتعليم في كثير من وسائل الإعلام، ومنها الصحيفة الإلكترونية اليسارية المعارضة والناطقة بالفرنسية Le Matin d’Algérie. وكثيرًا ما نجد في موقعها أفكارًا وتحليلات جديرة بالاهتمام، ومفيدة لنا وللقارئ المهتم بالشأن التربوي. غير أن مقالاتها ليست كلها بهذا المستوى، ونستغرب أحيانا كيف تطلق الصحيفة العنان لبعض كتّابها ليزودوها بمقالات توحي بأن أصحابها لم يكونوا، وهم يخطّونها، في كامل صفاء الذهن!
1. مثال ذلك
مثال ذلك مقال صدر قبل 4 أيام، كاتبه أستاذ جامعي متقاعد في فرنسا متخصص في الفيزياء، وله عدة مؤلفات بالفرنسية في الشأن التربوي والاجتماعي، منها كتاب نشره في شهر سبتمبر جمع فيه مقالاته في هذه الصحيفة، واختار له العنوان “الإلحاد النيّر في مواجهة الإيمانات المظلمة”. وأبرز ما جاء في مقال 30 سبتمبر المعنون “اللغة الإنكليزية في المدرسة: انتحار مدعوم” هذه الفقرة التي ننقلها حرفيا:
“لا يخفى على أحد، لأنه أمر في غاية الوضوح، أن كل هذه الضجّة المثارة حول اللغة الإنكليزية تهدف إلى كسر الحركية الرافضة لدى القبائل للخطاب غير المنسجم في القرآن. ففي كل عام، وبفضل اللغة الفرنسية، تحتلّ منطقة القبائل المرتبة الأولى في نتائج البكالوريا، وهو ما يسبب إرباكا كبيرا للسلطة التي تسعى، بكل الوسائل، إلى تجهيل أطفالنا عبر محاولة حشو عقولهم بهذه اللغة [العربية]، لغة الظلمات. وهي لغة تُوصل، مع ذلك، جميع الفاشلين المتذيلين الصفوف، إلى مناصب قيادية، لترسيخ أدنى مستويات الكفاءة التي عاشوا فيها طوال مسيرتهم الدراسية” !!
تتضمن هذه الفقرة عددًا من المزاعم والاتهامات التي تحتاج إلى التدقيق والإدانة. فأول ما يلفت الانتباه فيها هو إسناد موقف ديني وفكري موحّد إلى سكان منطقة بأكملها لا يستند إلى أي دليل، بل الأدلة التي نعرفها تقول عكس ما ذهب إليه الكاتب. وعلى كل حال، فلسنا مؤهلين هنا للخوض في هذا المجال الديني والتاريخي لعدم الاختصاص ، ولا يسمح المقام بالتوسع فيما لا نملك أدواته العلمية؛ ولذلك نكتفي بالتعقيب على ما ورد في المقال بشأن التربية واللغة.
2. المرتبة الأولى
يقول الكاتب إن المنطقة تحتل كل عام المرتبة الأولى في نتائج البكالوريا “بفضل اللغة الفرنسية”، وهذا تفسير متسرع للظاهرة لا يقوم على دليل أو دراسة ميدانية. ثم إن التلاميذ في المنطقة، شأنهم شأن سائر التلاميذ الآخرين، يدرسون المواد الأساسية باللغة العربية، ويجتازون امتحان البكالوريا بهذه اللغة. ولذلك لا يمكن اعتبار استعمال الفرنسية في بعض الأوساط الاجتماعية أو انتشارها النسبي في المنطقة تفسيرًا تلقائيًا لنتائج البكالوريا
لذلك لا يمكن اختزال النتائج المدرسية في عامل واحد (لغوي أو غيره). فهذه النتائج حصيلة مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها مستوى التلاميذ، ومتابعة الأسر، وظروف الدراسة، وطبيعة المؤسسات التعليمية، وعمل الأساتذة، والتنظيم المدرسي، والبيئة الاجتماعية والثقافية، وغيرها من العوامل التي ينبغي قياسها ومقارنتها قبل إصدار حكم بشأن أسباب التفوق الدراسي في منطقة معينة.
وحسب ما نعلم، فإن من العوامل الأساسية التي تستحق الدراسة، في هذا السياق، فعالية جمعيات أولياء التلاميذ وحضور الأولياء ومتابعتهم للحياة المدرسية في الولاية عن كثب. وما نعرفه أيضًا أن مدير التربية في ولاية تيزي وزو الذي يدير شؤونها منذ سنوات طويلة رجل صارم، يتابع شؤون قطاعه بدقة ولا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا تدارسها. ولعل الكاتب سيتفاجأ حين يعلم أن هذا المسؤول، من فئة المعرّبين، خريج قسم الرياضيات بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة، وأنه نال منذ عقود ليسانس الرياضيات باللغة العربية، تلك اللغة التي يصفها الكاتب بــ”لغة الظلمات” ولغة الفاشلين. فهل تكفي هذه الحقيقة ليراجع صاحب المقال بعض أحكامه الجازمة؟
ما نقوله هنا ليس أكثر من ردّ يفنّد ما يكرره الكاتب بلا سند ولا برهان. وما كنا نتمناه منذ سنوات، ولا زلنا، هو أن تتولى وزارة التربية الوطنية، أو هيئة أكاديمية متخصصة، دراسة هذه الظاهرة دراسة علمية مقارنة تكشف الأسباب الموضوعية وراء جودة النتائج المسجلة في بعض مناطق البلاد. فإذا أثبتت الدراسة وجود ممارسات تربوية أو تنظيمية أو أسرية تسهم فعلا في رفع مستوى التحصيل، فالأجدر بالوزارة أن تعممها ليستفيد منها التلاميذ والمؤسسات والولايات الأخرى. أما القول إن تفوق المنطقة “يسبب إرباكا كبيرا للسلطة” وإن هذه السلطة تسعى “بكل الوسائل” إلى “تجهيل أطفالنا” من خلال “حشو عقولهم” بالعربية، فهو من الأحكام الواهية التي يندى لها الجبين، ليس من صاحبها فحسب، بل من الصحيفة التي ارتضت أن تمنحه منبرا ينشر فيه هذيانه.
3. “لغة الظلمات”
وصف الكاتب اللغة العربية بأنها “لغة الظلمات”، وهذا ليس تعبيرا متهوّرا في سياق نقد سياسة لغوية فحسب، بل هو حكم أيديولوجي جارح للغة يتحدث بها مئات الملايين من البشر، فضلًا عن كونها لغة نص مقدس -هو القرآن الكريم- يؤمن به ملايين الجزائريين؛ وهي، فوق ذلك، لغة وطنية ورسمية للبلاد، ولغة التعليم التي يدرس بها نحو 12 مليون تلميذ موادهم الأساسية، ويجتازون بها امتحان البكالوريا ويتفوقون، وكثير منهم يتابعون بها مسارهم الدراسي ويتعاملون بها بعد ذلك في أداء مهامهم المهنية. ومن ثمّ، فإن إطلاق مثل هذا الوصف لا يمكن اعتباره مجرد نقد لسياسة لغوية بل إهانة مباشرة للمواطن نفسه، والاستخفاف بمشاعره وبمعتقداته وكرامته.
والأخطر من ذلك أن الكاتب يوظف هذا الوصف فيحوّل اللغة نفسها إلى متهم، بدل أن يناقش المناهج والبرامج وطرائق التدريس وجودة تكوين الأساتذة ومحتوى الكتب المدرسية. أما القول إن العربية “تُوصل جميع الفاشلين المتذيلين الصفوف إلى مناصب قيادية” فهو تعميم ظالم يقوم على خلط سافر وعبث فاضح لا يصح أن يكون بين لغة التعليم وبين الكفاءة المهنية ومعايير التوظيف وتولي المسؤوليات. ثم إن عبارة “جميع الفاشلين” وحدها تكشف حجم المبالغة، وتستبدل البرهان بالتعميم، والتحليل بالتهجم.
واللافت أيضًا في الجزء الأخير من هذا المقال أن الكاتب يستعين بالذكاء الاصطناعي —وهو يصرح بذلك— لإعادة استعراض حججه في مقالاته السابقة، ثم يتعامل مع هذا العرض وكأنه شهادة مستقلة تؤكد صحة مقولاته؛ كأن ينصب المتهم نفسه شاهدًا على براءته. والكاتب يعرف أن الذكاء الاصطناعي، مهما كانت قدرته على التلخيص، لا يحوّل آراء الكاتب السابقة إلى حقائق. فالقول مثلا إن إدخال الإنكليزية “سياسة مآلها الكارثة”، أو أنه “مجزرة تربوية” أو “تجهيل عام”، يظل حكما صادرا عن الكاتب نفسه وذكائه الاصطناعي. والأغرب من ذلك قوله: “سلوا جميع خبراء العالم، وسيقولون لكم الخطاب نفسه”، وهي عبارة لا تقل هذيانا: فمن أين له أن يتحدث باسم “جميع خبراء العالم”؟
لو صدرت مثل هذه الأحكام البالية من كاتب مبتدئ، أو من شاب لم تتوفر له بعدُ خبرة كافية في بناء الحجة وتمحيص الأدلة وصياغة الأحكام، لوجدنا لها ما يبررها باعتبارها زلات في بدايات الكتابة. أما أن تصدر مثل هذه الأباطيل والمغالطات عن أستاذ جامعي وباحث في الفيزياء تجاوز سنّ التقاعد، يفترض فيه أن يكون أكثر الناس حرصًا على الدليل، ودقةً في الاستدلال، وتمييزًا بين الادعاء والبرهان، فالأمر يصبح بمثابة سقوط حرّ في أبسط قواعد التفكير العلمي وأصول التحليل المنطقي.