مجالس السوء تنخر أماكن العلماء و التعليم
أصبح أهل العلم اليوم يمشون بين الناس منحني القامة كمن به خجل، أو كعليل يتوارى من الناس من سوء طالعه، بل كمن بشر بسوء يختفي بين الأفراد خجلا من حاله، في الوقت الذي يمشي فيه أصحاب الحنجرة العفنة منتصبي القامة بين الأفراد والجماعات من دون حياء، وأصبحوا من أمراء زمانهم يستمع إلى كلامهم ويؤخذ بمشورتهم و برأيهم السديد في الكثير من الأمور، بل يطير فرحا الكثير من الناس لمجرد الجلوس إليهم، حالهم حال عجوز مسنة تطمع في بركة ولي صالح، كما يحظون بالدعوات والتكريم في كل حين ولحظة.
مجالس أهل العلم ضاقت عليها الأرض بما رحبت!
لا يقتصر حديثنا هذا على ذكر أهل العلم في العلم الديني فحسب، بل حتى في الدنيوي منه، فقد ضاقت أماكن ممارسة النقاشات الخاصة بالمسائل الفكرية والعلمية وحوصرت في زوايا منغلقة بعيدة عن أعين الناس، كأن المنتمين إلى هذه الدائرة بهم عدوى تصيب من اقترب منهم، حيث يرى البعض وللأسف -وهم من لهم سنام الأمر في الكثير من مجالات الحياة في المجتمع- أن مثل هذه التجمعات وما يطرح فيها من أفكار و بحوث، لا تسمن ولا تغني من جوع، لأن نتائجها تبقى مجرد نظريات تزول مع زوال أشخاصها، ومن هنا لا تلقى العناية الكفيلة وتبقى حبيسة الأدراج تغازل الغبار والنسيان، تصارع الفناء في عزلتها ٳلى أن يتجاوزها الزمن وتصبح غير صالحة لزمانها ولا لمكانها، هي إذا أعذار وتخمينات من بعض مرضى العقول الذين يسعون إلى وضع أهل العلم في الخانة الثانية في المجتمع بعد أهل البغاء، فقد تحول المجتمع إلى مجتمع مادي بالدرجة الأولى، لذلك فالنجاح أصبح لا يخضع لمعيار الشهادات العلمية والفكرية، بل للمظاهر المادية من سيارات ومنازل فاخرة وغيرها من زينة الحياة الدنيا.
ففي الوقت الذي تزداد تجمعات الغناء واللهو والمجون، تقل الملتقيات الفكرية ومجالس أهل العلم، بل أصبحت في خبر كان، فلا نقف اليوم على الكثير منها ماعدا القليل على استحياء في مضامينها وزمانها وأماكنها، والمدعوين لها لا يرقون ٳلى رتبة أهل الفن والغناء!
حتى الناس انحازوا إلى الغناء الماجن واللهو، وبقيت مجالس العلم والمعرفة خاوية على عروشها إلا من المنشطين لها وضيوفها، فقد تعلقت قلوب أغلبنا بالمسارح والقاعات التي تدوي فيها حناجر أشباه المغنيين، هو حالنا اليوم..ننفق أموالا كثيرة من أجل إحلال الفسق والمجون بذريعة الٳحتفال ونشر الثقافة.
تشهير إعلامي شحيح لحضور جلسات أهل العلم
لما كان الإعلام هو السلطة الرابعة فإن أهدافه أصبحت موجهة، غير أننا لسنا بصدد الحديث عن هذا، ولا نريد أن نفتح الأبواب كلها، لكن نطرق باب ما يخص موضوعنا، تبدد الأموال الطائلة من أجل جلب أعين الناس لحضور مناسبات الرقص والغناء الماجن من إعداد وتوقيع أهل البغاء الذين تحولوا إلى سفراء للرذيلة، وفتحوا لها الأبواب على مصراعيها، حيث جندت لهم الوسائل المادية والبشرية من أجل إتمام العروض الماجنة والدعوات الصريحة إلى الفسق والشذوذ من أعلى المنابر، ومن دون رادع ولا مخوف، غير أنه العكس عندما يتعلق الأمر بحضور الجلسات العلمية والفكرية، أو الدعوة إلى الجلوس بين أيدي عالم أو داعية، فقد خصت لهم زوايا ضيقة من صفحات الجرائد والمجلات، وكذا باقي الوسائل الإعلامية السمعية منها والبصرية، بل منهم من لم نسمع بمجيئه ولم نعلم أين حط وأين ارتحل، فقد دخل غريبا وخرج غريبا من دون الحضور إليه والجلوس بين يديه ولو لبرهة، ولم يستفد إلا من إشارة صغيرة لم ينتبه إليها الكثير من الناس، مادام هؤلاء العلماء لا يحملون في صدورهم إلا مجرد محاضرات ودروس في أعين القائمين على شؤوننا في هذا المجتمع..هذا هو حال الإعلام في التشهير لمثل هذه المناسبات بين أهل العلم وأهل البغاء، وشتان بين هذا وذاك، وبالرغم من هذا لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث.
عندما تتحول إلى قف للمغني وفّه التبجيل بدلا من المعلم
انقلب الحال من حالة إلى أخرى، ففي وقت قريب كنا نقف تبجيلا واحتراما لأهل العلم من دون استثناء، فيكفيهم فخرا أنهم شغلوا أنفسهم في إعداد المحاضرات والدروس للرقي بمكارم الأخلاق والدعوة إليها، والسعي إلى التربية الحسنة والحث عليها، أما اليوم فقد تحول هذا الٳحترام إلى أهل البغاء أو سفراء المجون والفسوق، فهم من أصبحوا يلاقون الترحاب والتقدير أينما حلوا وارتحلوا، ولهم المأكل الطيب والمقام الكريم عند العديد من الأفراد والجماعات، تخصص لهم أسباب الراحة المادية والمعنوية على حد سواء، تسهر على راحتهم كل السلطات، لا لشيء إلا لأنهم شعراء هذا الزمان، لكنهم للأسف صعاليك، ربما يقول قائل ماداموا هم كذلك فلماذا يلقون هذا التبجيل؟ والإجابة كانت مند الأزل، حيث أن أهل البغاء أو أشباه المغنيين لا يتبعهم إلا الغاوون مثلهم، إلا من رحم ربي ممن يريدون انتقاء أصواتهم وكلماتهم من صخب الفن الهابط الذي لا يستند إلى أي وزن أخلاقي ولا اجتماعي.
من العار أن يسوى بين من يدعو إلى الفضيلة ومن يدعو إلى الفسوق سرا وعلنا بين الناس على علم ودراية، إن الكثير من الأفراد في مجتمعنا ذواقون ومتلهفون إلى المجالس الفاضلة، والدليل الترحيب الذي يخصون به أهل المعرفة والدعاة عند نزولهم في بلدنا و اهتمامهم بالعلماء منذ أن تحط أقدامهم أرضنا إلى أن يرحلوا عائدين إلى بلدانهم، وهم أنفسهم رددوا هذه الشهادات عبر الكثير من المنابر في بلدانهم، لكن أين نحن من هذا التكريم الذي يليق بأهل العلم في الجزائر؟ بل ماذا قدمنا من وسائل مادية ومعنوية لإقرار القيام بمحاضرات علمية وفكرية؟ ولعل الغريب أن مثل هذه الدورات والملتقيات بقيت محصورة في الشهر الكريم، وأغلبها ليس في مستوى التطلعات لجفائها، وبقيت مجرد أحداث معزولة في بعض المناطق اقتصرت على بعض المحاضرات والإنشاد.
يموت أهل العلم في عزلة وأهل الغناء تضرب الطبول لوفاتهم!
كم من عالم ومتعلم مات في غيابات هذا الدهر بعيدا عن أعين الناس من دون علم الكثير منا، لم نعرف عنهم ولم ندرك قيمة علمهم إلا بعد وفاتهم، قدموا أطروحات وأفكارا لتأسيس مجتمعات صالحة قائمة على الفضائل بعيدا عن الرذائل، مهدوا لأسر تبنى على الٳحترام والمودة بين أفرادها، تركوا علما غزيرا في شتى المجالات، لكن يا حسرتاه، ماتوا والدهر مشفق عليهم، فقد عاشوا غرباء وماتوا كذلك.
وكم من مغني أقيمت الدنيا ولم تقعد لوفاته، عاش كريما عزيزا بين الناس، بالرغم من رسالته النتنة التي كان ينشرها بينهم، ومات محاطا بالأهل والمحبين، تلطم الوجوه حزنا على فراقه، فعندما يوقر أهل البغاء ويقبر أهل العلم فانتظر الساعة.