العالم
عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان عبد الله الشيباني لـ"الشروق":

محاربة المخدّرات ليس من أولويات الحكومات المغربية!

الشروق أونلاين
  • 6648
  • 0
الشروق
عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان عبد الله الشيباني مع صحفي الشروق

يقرّ عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان المغربية، عبد الله الشيباني، أن الحكومات المتعاقبة في بلاده لم تجعل من محاربة المخدّرات أولوية، مؤكّدا أن هذه الآفة القاتلة لا تبرز في الإعلام والحياة السياسية المغربية كقضية تحتلّ موقعا في الانشغالات الأساسية للدولة، ويثير القيادي في الجماعة علامات استفهام حول حديث المسؤولين عن حجز المخدّرات على الحدود، والترويج للإصلاح الزراعي بهدف التقليل من انتشار تلك السموم، بل يشدّد في حوار لـ” الشروق”، على أن الخطاب الرسمي بهذا الصدد، لا يعكس سياسة جريئة وجادّة، وإنما هو مجرّد علاجات موضعية للتسكين ليس إلّا!.

وعن الإصلاحات الدستورية التي باشرها محمد السادس قبل أربع سنوات، ترى الجماعة على لسان عضو مجلس الإرشاد، أنها تنفيسات مؤقتة لن تدوم طويلا، معتبرا أنّ الدولة العميقة هي المدير الفعلي لشؤون البلد، بينما تبقى الحكومات واجهات تستبدلها وقتما تشاء، بعد أن تستوفي أدوارها المطلوبة.

ويتحدّث عبد الله الشيباني بمنتهى الصراحة حول العلاقة المتوترة بين المملكة وجارتها الشرقية، معتبرا أن تبرير الوضع بموقف الجزائر من النزاع الصحراوي غير مقبول، وينم عن عدم النضج الذي تدفع ثمنه شعوب المنطقة. 

 

    كيف تنظرون في جماعة العدل والإحسان إلى حالة التوتر المزمن بين المغرب وجارتها الشقيقة الجزائر؟

نحن ننظر إليها من زاويتين، أولا الشعوب تنظر إلى نفسها على أنها موحدة، يجمعها الإسلام والعروبة، أما الذي يفرّقها فهو الاستبداد الذي يتنازع الرئاسة، فهي إذن ضحية التفرقة بين الحكام ليس إلاّ، لتبقى الحسابات السياسية الخارجة عن نطاقها هي التي تفرض التوتر بين الأنظمة، لذا نتمنى أن يدرك المسؤولون أن القوة في الاجتماع، بحيث يتجاوزون الحساسيات الشخصية والحسابات الضيقة، حتى نحقق وحدة الشعوب عبر وحدة المؤسسات. 

 

لكن الخطاب الرسمي للمملكة المغربية يربط دوما مشكلته مع الجزائر بموقفها من النزاع الصحراوي، فهل ترون ذلك مبرّرا، ألم يكن أولى أن يسمو العقل للحفاظ على المصالح المشتركة؟  

أجيبك في سياق سؤالك، فأقول بوجوب التعقل والنضج، فكان الأجدر أن تفكر الحكومات في مشاريع مستقبلية لبناء المغرب العربي الإسلامي، بدل التشبث بالقضايا والذرائع التي تفرّقها، لأننا نعيش عصر التكتلات الإقليمية، ومن ثمّ فإن مثل هذا التبرير ليس من النضج والحكمة. 

 

    في المقابل أيضا الجزائر تتهم الرباط بإغراقها بالسموم، وهو ما تؤكده التقارير الدولية أيضا، والتي تتحدث عن زراعة المخدّرات بالمملكة وترويجها عبر العالم، فما حقيقة ذلك؟  

عندما يسود التشنّج، يبحث كل طرف عن التهم التي يلصقها بالآخر، وهذا ما نأمل أن يترفّع عنه الحكام، أما عن حقيقة هذا وذاك، فهو سؤال كبير يجب أن يطرح على المؤسستين الحاكمتين. 

 

حتى نكون أكثر شفافية في الحوار، أذكّرك أن الطبقة السياسية والمجتمع المدني داخل المملكة يثير كذلك هذه القضية، وبالتالي لا ينفع إنكارها؟ 

أنت تتحدث عن الطبقة السياسية، لكن نحن في العدل والإحسان لا نعتبر الجماعة حزبا سياسيا ولا هي معنية باللعبة السياسية، فهي مهتمة بالتربية والبناء لتأهيل وإعداد الشعب. 

 

لا أريدك أن تهرب من سؤالي، أيّ تربية مع طغيان المخدرات، الجماعة لها حضورها الاجتماعي والسياسي القوي، ويفترض أن يكون لها موقفها؟ 

نعم لها حضورها وفعلها السياسي لكنه غير مباشر، فهي جماعة ضغط لكنها لا تشارك في الحياة السياسية بصفة مباشرة، لذا تقاطع الانتخابات وغير موجودة في البرلمان، ومن ثمّة فهي تتمتع بوضع خاصّ لا يعلمه كثير من الناس. 

 

هل وضعها الخاصّ يبرّر غياب موقفها من قضية بحجم المخدرات في المغرب؟ 

بل لنا رأينا، وهو أن المخدّرات رائجة في كل العالم، وتقف وراءها مافيا الفساد والمال، وهي آفة المجتمع العالمي، بما فيه الوطن العربي والإسلامي. 

 

دعني أتقدم معك في الحوار، الحكومة المغربية الحالية نفسها حينما تعدّد إنجازاتها، تتحدث عن تراجع زراعة المخدّرات وأنت تلتفّ حول الظاهرة العالمية؟ 

فعلا هذا ما يقال، وحكومة بن كيران تبحث عن ملفّات تشتغل عليها، لكي تكون لها مصداقية في الميدان، وبلا شكّ هناك جهود تبذل بهذا الصدد، أي في اتجاه محاربة ما يشين الوجه السياسي للمغرب، بينما نحن دوما نقول إن الجهود يجب أن تكون أساسية وفي العمق، وليست مجرّد مسكّنات للداء، بل علينا تشخيص العلّة بدقّة ووصف الدواء المعالج، بدل المرهم الذي يقنّع المرض ولا يعالجه. 

 

    أفهم من كلامك أن مساعي الحكومة في محاصرة المخدّرات لا تزال محدودة؟ 

أنا في الحقيقة ليست لديّ معلومات دقيقة حول جهود الحكومة في هذا الملفّ، وأصدقك القول إنه ليس بارزا حتى في الإعلام أن هذا المشكل ضمن الأولويات الأساسية لها، لكن نسمع ومنذ عهد الحكومات السابقة عن محاربة المخدرات، وحديث عن تعويض هذه الزراعة بمحاصيل أخرى للتقليل من تهريب المخدرات عبر الحدود، لكن هل تحوّلت هذه الأفكار إلى خيارات إستراتيجية أم لا، فهنا علامة استفهام؟ 

 

    كلامك التبسيطي يشعرني أن المخدرات ليست مشكلة ولا قضية في المملكة، تستحق أن تحتل الصدارة في عمل الحكومة؟ 

هذا هو الشيء الذي يظهر من خلال الملفّات التي تعالجها الحكومة وحتى الدولة، فما نسمعه في الإعلام والسياسة هو أننا أوقفنا أطنانا من المخدّرات معدّة للتهريب عبر الحدود، مثلما سمعنا عن الإصلاح الزراعي وتكييف السياسات بتعويض الأراضي المستغلة في المخدرات بالإنتاج الفلاحي، لكن المشكل يكمن في غياب سياسة واضحة وجريئة وبارزة في الإعلام من طرف الحكومات المتعاقبة، يمكن أن تثبت أن الملف ممسوك بيد من حديد. 

 

    ننتقل إلى ملفّ آخر، حيث يعتبر بعض المراقبين المغرب نموذجا ضمن أحداث المنطقة العربية، هل يمكن القول إن المملكة تجاوزت الخطر من خلال مشروع الإصلاح الدستوري أم أنه علاج مؤقت قد يؤجل الانفجار دون منعه؟ 

في الحقيقة أن النظام المغربي له خبرة طويلة في التعامل مع الأزمات، لأنه حكم وراءه على الأقل أربعة قرون من السلطة، وبالتالي كلما واجه أزمة إلا وجد لها مخرجا بدهائه السياسي، ومن ثمة شكلت عملية المراجعة الدستورية الأخيرة تنفيسا مهما ضد الضغوطات الناجمة عن الحراك الاجتماعي الذي ساد المغرب قبل خمس سنوات، لكنها تبقى تنفيسات مؤقتة، واليوم نعيش تحركات احتجاجية جديدة على الماء والكهرباء وبعض القوانين، بينما الحكومات المتتالية تبحث دائما عن حلول مؤقتة وليس بشكل جذري واستراتيجي، لهذا يتوجه خطاب الجماعة نحو السلطة المغربية بضرورة وضع اليد على الجرح، وبالتالي أعود مؤكّدا أن إصلاحات 2011 كانت تنفيسا لامتصاص الشحنة، سمحت بوصول حركة إسلامية إلى دواليب الحكومة، والشعب بحكم إسلامه له تقدير للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية. 

 

    حتّى نكون دقيقين، هل تقصد بكلمة السماح للإسلاميين عدم التزوير ضدّهم، أم أن الانتخابات كانت مبرمجة..؟ 

بالضبط هذا هو قصدي، السماح بهذا الشكل، إما بعدم التزوير أو برمجة الانتخابات، المهم أن النظام له آليات كثيرة وراء الستار، غير أنها في النهاية من دون مصداقية مقارنة مع الدول الديمقراطية، بل هي مجرّد لعبة من لعب إدارة الحياة السياسية. 

 

    لكن مع ذلك، كيف تقيّمون أداء حكومة بن كيران حتى الآن، وقد أحرز العدالة والتنمية نجاحا باهرا في الانتخابات المحلية مؤخرا، ما يعني تنامي شعبية الحزب؟

هناك دولة عميقة تسيّر القرار الفعلي، مقابل حكومات واجهة، هذه هي الخلاصة، فعندما تستوفي أيّ حكومة دورها في التنفيس، تستبدل بفريق آخر ليس إلاّ، ومع ذلك لا ننكر الطابع الخاصّ لحكومة العدالة والتنمية، فهي ذات مرجعية إسلامية، ورجالها ونساؤها نواياهم طيبة، ولهم رغبة في الإصلاح، فربّما يجتهدون نسبيا في الإصلاح قدر الاستطاعة، وتحصل تغييرات ايجابية ولو بشكل طفيف، ما يمنحهم مصداقية في الشارع المغربي الذي صّوت لصالحهم، أملا في استمرار الإصلاح.

 

وأنتم في العدل والإحسان، كيف هي علاقتكم بالعدالة والتنمية، هل تدعمونهم، سيما وأن قواعدكم في العموم تتعاطف معهم في الاستحقاقات الانتخابية؟

الجماعة لها جناح يتولّى تدبير الشأن السياسي يسمى الدائرة السياسية، منفتح على التعامل مع جميع الأحزاب السياسية على تنوعها، دون تفرقة أو تمييز، وله كامل الصلاحيات في التفاعل مع الواقع السياسي، مثلما هناك أجنحة أخرى تربوية ودعوية لها علاقة بنظيراتها في الساحة المغربية وخارجها.

 

في شأن آخر، يتحدّث البعض عن خصوصية في العلاقة بين الإليزيه والعرش الملكي في المغرب، هل تعتقدون أن ذلك يصبّ في فائدة المغاربة أم أنه يخدم المصالح الفرنسية على اختلافها؟

المغرب، الجزائر وتونس كلها مستعمرات قديمة لفرنسا، ولا تزال هذه الأخيرة ترى أنّ لها الحقّ في علاقة مميّزة بدول المنطقة، ونخب الحكم في المنطقة تجد نفسها كذلك منسجمة مع الطرف الذي رباها وعلمها وسلم لها زمام الأمور، وبالتالي من الطبيعي أن تقوم علاقات خاصة بينها، حيث يشكّل التبادل والتعاون الاقتصادي بصفة حصرية أكثر من 63٪، لكن إذا أردنا أن نحللها بشكل عقلاني، فإن الواقع الدولي تديره العقلية الأنجلوساكسونية وليس الفرانكوفونية، حيث أن العقلية البراغماتية في العلاقات الاقتصادية هي التي تنجح بحكم نجاعتها، ومن ثمة فإن انحسار المنطقة مع فرنسا، هو تفقير وإضعاف لإمكانيات التطوير الوطنية، لكن ما يجري هو العكس تماما، إذ الملاحظ أن العلاقة مع المستعمر القديم تزداد توطّدا، حتى صار الشعور المهيمن على الآباء المغاربة هو الخوف على مستقبل أبنائهم إذا لم يتمكنوا من الفرنسية، في حين أن الأولى هو الاهتمام باللغة الانجليزية التي هي لغة العلم والتكنولوجيا والاقتصاد ولغة العالم.

 

   لكن المغرب يستفيد في إطار المنافسة مع الجزائر من علاقاته المميزة مع فرنسا؟

للأسف أن كل المستعمرات القديمة تفتقد إلى التعامل المتكافئ مع عدوّ الأمس، حيث تجد فرنسا في دول المنطقة أسواقا تجارية لبضاعتها ونحن نستجيب لذلك، لأن اقتصادياتنا لم تصل إلى مرحلة التفكير في تجويد العلاقة مع الخارج وجعلها أكثر نفعية لبلدانها.

 

أودّ كذلك أن أستوضح موقفكم حول ما يشاع، وهو في حكم المؤكّد، عن علاقة جهاز الاستخبارات المغربية بجماعة التوحيد والجهاد في شمال مالي؟

أستسمحك …لا علم لي بتاتا بهذا الموضوع.

 

لم تسمع به ولا قرأت عنه إطلاقا؟

أبدا…وبصفة نهائية، ولأول مرّة أسمع بهذه القضية ومن خلال سؤالكم، لأن تفاهة الإعلام الرسمي في المغرب تجعله  خارج أولوياتي التي تبقى في التربية والدعوة، مثلما أنّ السياسة الرسمية المغربية لا تتمتّع عندي بالمصداقية المطلوبة وبالتالي لا أهتم بها كثيرا.

 

لكن أنت قيادي في جماعة يفترض أن تكون عينها مفتوحة على كل ما يجري في المملكة؟

السياسة هي بعض شأننا فقط، لكن الهمّ الأساسي هو البناء التربوي والفكري والتعليمي والتدريبي لتأهيل الجماعة حتى تكون في طليعة النخبة والأمة.

 

في ذات السياق، وهو السياسة الخارجية للمغرب، حيث من المعلوم أن العائلة المالكة استثمرت كثيرا في الامتداد الصوفي بغرب إفريقيا، كيف تقيّمون هذا الخيار من منظور خدمة المنطقة؟

في الحقيقة أن كل الأنظمة تبحث لنفسها عن مشروعية ما لتوطيد وجودها السياسي والشعبي، وبالتالي مثل هذه التصرّفات تفسّر دائما بما يخدم الأنظمة، سواء كانت ملكية أو جمهورية أو عشائرية، فكلّ ما يخدم مصالحها وسمعتها يمكن أن تلجأ إليه، هذا هو السياق الذي نفهم من خلاله السياسة المغربية بهذا الخصوص.

يعني البحث عن مشروعية دينية لأمير المؤمنين في المنطقة؟

في العالم توجد مشروعيات كثيرة، منها السياسية والدينية والاجتماعية، وكل نظام حكم يريد مشروعية بشكل ما.

 

لكن أنتم في الجماعة تتحفظّون على التوظيف السياسي لمفهوم الإمارة الدينية بشكل يتنافى مع سلوكات العرش الملكي؟

جميع الدول الإسلامية توظف المشروعية الدينية بطريقة ما، حيث نجد هنا وهناك التأكيد على أن الإسلام دين الدولة، وعليه فالحقل الديني في المغرب مؤمّم بشكل كامل، عبر وزارة الأوقاف،  فمن الطبيعي أن تكون تلك المشروعية من الركائز الأساسية للأنظمة.

 

لكن هذه مناورات لا يمكن أن تخلد إلى الأبد، ما هي برأيكم وصفة العلاج بشأن المستقبل؟

 

هذا سؤال يصلح للخاتمة، لأنه ينسجم مع توجهاتنا الإستراتيجية، حيث يجب أن تكون للحكام إرادة سياسية صادقة في بناء مجتمع قويّ وحياة سياسية واجتماعية حقيقية، وحينما تتوفر تلك الإرادة والقرار، ستعرف هذه الأنظمة كيف تسلك الطريق الصحيح، وعلى ضوء ذلك، ننصح حكامنا أن تكون لهم نوايا جادة في التغيير بدل الترقيع تلو الترقيع، وقتها ستنخرط كل القوى الحية في المسار الجديد الذي يصنع مستقبل الأوطان والأمة بما يعود بالفائدة على الجميع أنظمة وشعوبا.

مقالات ذات صلة