محامون يحوِّلون الجلسات إلى خطب سياسية ودينية
يتفنن أصحاب الجبة السوداء أثناء المرافعات وأمام القاضي الجزائي في المحاكم في إيجاد الدلائل القانونية للدفاع عن موكليهم بكل ارتياح، لكن ورغم أن الثقافة القانونية متقاربة بين المحامين، إلا أن اللغة المستعملة لهؤلاء تختلف من محام إلى آخر. ومؤخرا وبعد أن ارتفع عدد خريجي مهنة المحاماة احتدم التنافس حول من يتميز على الآخر ليصبح مطلوبا ومشهورا. واعتبر الكثير من أصحاب الجبة السوداء أن ذلك فتح المجال لحفظ القرآن والشعر، والأمثال الشعبية، وخطب المشاهير من العلماء وحكمهم.
ويقول في هذا الصدد، الأستاذ مختار مقدم، من خريجي كلية الحقوق سنة 1971، وهو اليوم محام لدى المحكمة العليا، إن مهنة المحاماة تحتاج إلى فن الخطابة واللغة السلسة وتتعدى حفظ القوانين الوضعية إلى حفظ الشريعة الإسلامية، والقرآن الكريم الذي يستمد منه القانون الجزائري، إضافة إلى حفظ الشعر ولغة الحديث بالحكم والأمثال الشعبية. فالقانوني المتفوق حسبه هو الذي يجمع إلى جانب الفكر القانوني الناجح حسن التعبير عن هذا الفكر.
ولا يستبعد، في رأيه، أن يؤثر ذلك على قرار القاضي شريطة أن يكون المحامي ذكيا في اختيار الآية القرآنية أو الحديث الديني الموافق للمادة القانونية، وأن يجعل الشعر وفن الخطابة أداة لتوصيل الفكرة وترجمة كل أفكاره وأدلته بلغة محبوبة للأذن والقلب.
ومن جهة أخرى يؤكد أنه في أحد الأيام رافع في قضية رئيس بلدية سابق متهم بسرقة السيارات وحكمت عليه المحكمة غيابيا بـ 5 سنوات سجناً، وهو في سن الـ60، لأن أحد المسبوقين قضائيا أوقف وهو يبيع سيارة مسروقة قال إن الأول منحها له. بعد معارضة الحكم يقول الأستاذ مختار مقدم، إنه قدم الأدلة القانونية التي تثبت أن موكله بريء بحكم عدم وجود أي أدلة مادية ضده، ختم مرافعته قائلا: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا” صدق الله العظيم. وأكد المتحدث أن القاضي حينها برأ موكله دون تردد.
ويشير الأستاذ لعلى همال، محام لدى مجلس قضاء الجزائر، إلى أن المحامي الذي يستدل بالقرآن الكريم يجب أن يتقن سرده ولا يحرِّف كلام الله وأن يرفق المحامي حسبه مقاطع شعرية أو أمثالا شعبية أو حكما يراعي مشاعر القضاة ويخاطب عقولهم في آن واحد، ولهذا-يقول- لا بد في لغة المرافعة أن تكون مطابقة لمقتضى الحال. ويرى أن على أي محام أثناء مرافعاته عرض الأدلة بلغة هادئة متزنة خالية من عبارات الحماسة مما يؤدي إلى الاقتناع العقلي بالدليل.
محامون يبهرون المتقاضين بخطبهم
وحدث في الكثير من المحاكم الابتدائية بالعاصمة، أن تحولت مرافعات في بعض القضايا إلى لحظات ممتعة تفنن أصحاب الجبة السوداء في طرف الدفاع عن المتهمين كمًّا، ولكن تحول فن الخطابة إلى مجادلات في الدين أو السياسة وخرج بعض المحامين عن دورهم حيث سبق أن وقع خلاف كبير بسبب استدلال أحد المحامين في قضية الخليفة بالقرآن الكريم وعارضه أحد الزملاء لعدم فهمه قراءة آيات قرآنية في غير موضعها، ونشبت مناوشاتٌ كلامية بين القاضي والمحامين.
ويقول أحد المحامين، إنه حضر قضية حوكم فيها أحد الموظفين في مؤسسات الدولة بجنحة الاختلاس، وعرض في دفاعه كل ما يحفظ من شعر وقرآن كريم دون أن يصيب الأدلة الدامغة التي تبرئ موكله، وقد نال هذا المحامي حسبه إعجاب حضور الجلسة وتهافتوا عليه ليأخذوا منه المعلومات الخاصة به، لكي يوكلوه على قضاياهم. ويضيف أن المفاجأة كانت خلال جلسة النطق بالحكم ليعلن القاضي بإدانة المتهم بـ 8 سنوات سجنا نافذا.
وفي هذه النقطة يوضح بعض المحامين المحترفين أن المرافعة موجهة بالدرجة الأولى إلى عواطف القضاة ثم إلى عقولهم حيث يجب أن تكون حسبهم الأدلة التي تخاطب العقول ثابتة، والتغيير يكون في أساليب مخاطبة العواطف، فإذا تعجبَ، قابل كلاما أو مقاطع شعرية أو آيات قرآنية مطابقة لما يريد أن يتعجب منه في القضية، بإضافة صيغ من معان مجازية كالتهكم، وأن لا يميل المحامي حسبهم إلى لفت انتباه المتقاضين بكلامه المعسول دون إيجاد أدلة قانونية مقنعة تؤثر إيجابا على الحكم ضد موكله.